إعادة العمل بنظام (SWIFT) في سوريا فرصة طال انتظارها لتسهيل استلام الحوالات المالية بطرق رسمية، بعيداً عن المكاتب والوسطاء والتكاليف المرهقة.
في رحلة بحث طويلة بين البنوك، تنقل أحمد الخطيب، بين تسعة تتوزع مكاتبها في شارعي فيصل ومحطة بغداد بحلب، مستفسراً عن آليات التحويل وإمكانية استقبال أموال من الخارج، خاصة بعمله في فرنسا، ليستقر على فتح حساب في البنك الوطني الإسلامي بعد أن أكد له الموظف قدرة البنك على استقبال الحوالات بمختلف العملات ومنحه بيانات بنكية، لكن أحمد تفاجأ بخلو هذه البيانات من رقم الحساب المصرفي الدولي IBAN.
وعود البنك لم تترجم إلى واقع، إذ باءت محاولتا أحمد لاستقبال الحوالات المرسلة من عمله، في آب الماضي، وبالطريقتين اللتين حددهما البنك، عبر التحويل المباشر أو إلى بنك وسيط في إيطاليا، بالفشل. كان الجواب في كل مرّة أن “المشكلة في البنك المرسل” دون تقديم حلّ فعلي.
“لا حدا يضحك عليك”، بهذه العبارة خاطب أحد موظفي بنك آخر أحمد، مؤكداً أن القيود المصرفية المرتبطة بالعقوبات السابقة، رغم الحديث عن تخفيف جزء منها، تشكل عائقاً أمام البنوك السورية لاستلام الحوالات الخارجية وتسليمها عبر القنوات الرسمية.
الموظف أشار إلى أن الطريقة الوحيدة المتاحة لاستلام الحوالات هي عبر خدمة “موني غرام” التي لجأ إليها أحمد، ليصطدم بعقبات جديدة أبرزها سقف التحويل الذي لا يتجاوز ألفي دولار، وآلية الاستلام المرهقة التي تقوم على تسلم الحوالة على دفعات يومية لا تتجاوز 50 إلى 100 دولار في كل ّمرة، ما يجعل زيارة البنك مهمة يومية تتطلب الانتظار في طوابير طويلة.
التحويلات الخارجية ليست حالة فردية، إذ تشير تقديرات اقتصادية محلية أن حجمها يزيد عن 1.8 مليار دولار سنوياً، وتعدّ أحد أهم مصادر الدخل بالنسبة لعدد كبير من العائلات السورية، في ظل محدودية فرص العمل وتراجع مستويات الأجور، ما يجعلها عاملاً أساسياً في دعم الاستهلاك وتأمين الاحتياجات المعيشية اليومية.
يبلغ عدد البنوك العاملة في سوريا حالياً نحو 21 بنكاً، من بينها ستة بنوك حكومية إلا أن هذه المنظومة المصرفية تواجه تحديات كبيرة تتعلق بضعف الثقة بالنظام المصرفي المحلي، إضافة إلى استمرار المخاطر المرتبطة بالامتثال المصرفي الدولي.
في آذار الماضي، وبعد زيارة عدة بنوك لم يُلحظ أي تغيير، إذ اقتصرت الحوالات على نظام “موني غرام” مع وجود تقييدات في التحويل، بينما قدمت مصارف أخرى آلية جديدة يتم خلالها إيداع التحويلات في أحد البنوك البريطانية وتسلم في سوريا على دفعات لا تزيد عن 85 دولاراً في كل مرة.
الآلية الجديدة تعني أن عائلة محمود الذي يعمل في متجر بألمانيا، تحتاج لنحو ثمانية أشهر لسحب مبلغ عشرين ألف دولار كان قد ادّخرها من عمله لترميم منزله، إضافة للالتزام بالحضور اليومي إلى المصرف. يقول محمود “العودة إلى السوق السوداء هو الحل الوحيد الذي ما يزال متاحاً، رغم مخاطره وتكاليفه العالية، إذ تتم العملية دون إثبات رسمي، قوامها وسيط وإشعار لأحد مكاتب التصريف الكثيرة المنتشرة في سوريا”.
“ليست آمنة دائماً”، يشرح محمد، صحفي في ألمانيا، تجربته مع أحد الوسطاء، بتحويل خمسة آلاف دولار إلى سوريا، وكيف أغلق المكتب أبوابه دون قدرة عائلته على استلام الحوالة. كل ما حصل عليه في النهاية كان خمسمائة دولار فقط.
يقول محمد، إن عملية إرسال الحوالات المالية إلى سوريا ما تزال معقدة. وأوضح أنه يضطر إلى تحويل الأموال لعائلته مرة واحدة على الأقل كل شهر، لكنه لا يجد خياراً عملياً عبر القنوات المصرفية التقليدية.
ويضيف أن غالبية السوريين في الخارج يلجؤون إلى السوق غير الرسمية بسبب سهولة الإجراءات وسرعة التسليم، رغم المخاطر والتكاليف المرتفعة التي ترافق هذه العمليات.
على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي صفحات السوريين في الخارج، لا يكاد يمرّ يوم دون سؤال عن آلية للتحويل البنكي وتبادل تجارب فاشلة، ومن ثمّ العودة إلى النظام القديم الذي اعتادوا إليه عبر وسطاء دون مكاتب (سوق سوداء) وآلية مقلقة تتراوح تكلفتها بين 7 إلى 11 بالمائة من تحويلاتهم، بحسب المبلغ والبلد وارتفاع أو انخفاض سعر تصريف اليورو مقابل الدولار.
وفقاً لأحمد فإن هذه التكلفة تختلف من بلد إلى آخر، لكن المشكلة الأكبر عند العاملين في شركات تفرض وجود حساب بنكي للتحويل، إذ يضطر أولئك لدفع مبالغ إضافية لأشخاص يقبلون باستلام هذه المبالغ، رغم الإجراءات المالية المعقّدة والملاحقات القانونية، ليجدوا في المصارف الالكترونية حلّاً، أو عبر وسطاء يستقبلون هذه المبالغ مقابل دفع 7% من قيمة المبلغ قبل تحويله، يضاف إليها أجور التحويل التي تتراوح بين 3 إلى 5%، كذلك فرق التصريف. يقول إنه يدفع نحو 900 دولاراً عن كل خمسة آلاف يورو يتم تحويلها بهذه الطريقة.
بالمقابل يشير عبد الرحمن العلي، يعمل في أحد مراكز الأبحاث من تركيا، إلى أن أشخاصاً وجدوا في غياب آليات تحويل رسمية إلى سوريا فرصة استغلّوها بفرض عمولات تصل لنحو 3% على كل مبلغ يستقبلونه في حساباتهم، إضافة لأجور التحويل إلى سوريا والتي تتراوح بين 2 إلى 5% بحسب قيمة الحوالة.
صعوبة التحويلات المالية إلى سوريا لا ترتبط بالعقوبات وحدها، يقول الخبير والمحلل الاقتصادي أحمد عزوز، “بل تعود إلى تراكمات بنيوية عميقة داخل القطاع المصرفي السوري، إلى جانب استمرار إدراج بعض الشخصيات والمؤسسات السورية على قوائم العقوبات الدولية، و تصنيف البيئة المالية السورية على أنها عالية المخاطر، ما يدفع البنوك الخارجية إلى تجنب أي تعامل مالي قد يعرّضها مساءلات قانونية أو غرامات مالية كبيرة”.
ويشير عزوز إلى أن العقوبات الثانوية التي فُرضت خلال السنوات الماضية خلقت ما يُعرف في الأوساط المصرفية الدولية بـ”الذاكرة الامتثالية”، وهي حالة من الحذر المفرط لدى المصارف العالمية تدفعها إلى تجنب الأسواق التي كانت خاضعة للعقوبات حتى بعد تخفيفها. ويعود ذلك إلى التكلفة المرتفعة لإعادة تقييم المخاطر وبناء أنظمة رقابة وامتثال متخصصة قادرة على التعامل مع هذه الأسواق.
الخبير الاقتصادي أوضح أن فقدان البنوك السورية لعلاقاتها مع المصارف في الخارج، و انهيار النظام المصرفي اللبناني الذي كان يشكل منفذاً مالياً مهماً للعديد من العمليات المالية السورية، أدى إلى “شبه شلل” في قنوات المدفوعات الرسمية، سواء على مستوى التحويلات التجارية أو الحوالات الشخصية، ما فتح المجال أمام توسع شبكات الحوالات غير الرسمية.
وفقاً لعزوز، فإن إعادة بناء الثقة الدولية بالقطاع المصرفي السوري تتطلب “إصلاحات عميقة” تشمل تحديث التشريعات المرتبطة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بما يتوافق مع المعايير الدولية، وتعزيز الشفافية والحوكمة داخل المصارف، إضافة إلى تطوير أنظمة الامتثال المصرفي وبناء علاقات مراسلة تدريجية مع بنوك أجنبية.
أمام أحد مكاتب الصرافة في حلب يخرج أحمد بطاقته الشخصية ليتسلم حوالته، مفضّلاً دفع التكلفة المرتفعة على خوض معركة يومية مع الإجراءات البنكية، في بلد تفرض فيه السوق السوداء قواعدها، وسط نظام مصرفي لا يزال معزولاً، ووعود لمّا تتحقق.
وكالة الصحافة السورية
“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة شبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”.
