العلاقة المتناسبة طردًا بين التبرير والتطرف

عندما يتحول خطاب تبرير الجريمة من كونه أداة سلطوية أو إعلامية إلى خطاب يومي يصدر عن أهالي وأقارب ومجموعات المجرمين أنفسهم، فإن العلاقة الطردية بين هذا الخطاب وخطاب التطرف تصبح أكثر تعقيدًا وأكثر تدميرًا؛ فها هم أقارب القاتل يبررون فعله بأنه “دفاع عن الشرف”، أو “رد فعل طبيعي على استفزاز سابق”، أو “خطأ غير مقصود في ظروف قاسية”، وها هي مجموعات المجرمين (كالعصابات المنظمة أو الميليشيات الطائفية أو غير الطائفية) تحول الجريمة إلى “فعل واجب” أو “تحرير أرض” أو “حق مشروع بالدفاع عن النفس”، فكلما ارتفع هذا النوع من التبرير الصغير والحميمي، كلما ارتفع معه خطاب التطرف بالتوازي لا بالتعاكس.

تبرير الأهل والمحيط المباشر للجريمة يغذي لدى الطرف الآخر (ضحية الجريمة أو ذويه أو بيئته) شعورًا مضاعفًا بأن العدالة مستحيلة، وأن لا سبيل إلا إلى تجاوز القانون واللجوء إلى لغة التطرف نفسها كردة فعل على هذه المنظومة التي لا تكتفي بارتكاب الجريمة، بل تحولها إلى مكرمة وواجب أخلاقي. فيصبح القاتل بطلًا في حيِّه، وتتحول القضية إلى ما يشبه “جيشًا أهليًا” يدافع عن أرضه وعرضه، وهنا يرتفع خطاب التطرف بشكل طردي أمام هذا التبرير العائلي والقبلي، ليس فقط كردة فعل، بل كنسخة مقلقة مقلدة ومعكوسة تمامًا من نفس المنطق، أسرة القاتل تبرر جريمتها بـ”الثأر” و”الرد”، وأسرة المقتول تتطرف وتبرر جرائمها السابقة بـ”شفتوا إنه نحنا كنا عم بندافع عن نفسنا”.

وهكذا، كلما ارتفع صوت أم تبرر ابنها القاتل بأنه “ما كان يظلم نملة”، “كان مجبورًا”، “هو ما قتل حدا”، ارتفع بالمقابل صوت أخت ضحية تعلن أن “الدم سيبقى يغلي”، وكلما تلقت مجموعة إجرامية دعم مجموعتها التي تنتمي لها بوصف جرائمهم “رجولة” و”حماية”، ارتفع خطاب التطرف لدى المجموعات المنافسة لتصبح بدورها تبرر جرائمها بـ”الكرامة” و”الرد والحق”.

إن خطاب تبرير الجريمة الصادر من الأقارب والمحيط المباشر يحول الجريمة الفردية إلى قضية جماعية، والمجرم من “منحرف” إلى “مظلوم”، ومن “قاتل” إلى “بطل” وفق نظرة أهله، وهذه النظرة تنعكس على الطرف الآخر، ثم لا يجد الطرف الآخر أمامه سوى التطرف نفسه للوصول إلى الحق، ليهيمن الجميع في دائرة لا تطلب العدالة بل تطلب الدم بالدم، تبريرًا بتبرير، حتى تصبح كل الجرائم مشروعة طالما صدرت عن “أهلنا” و”رجالنا” وفق منظورهم الضيق.

Exit mobile version