سوريا ليست ساحة مظلوميات… بل وطن يحتاج إلى عدالة وثقة

سوريا ليست ساحة مظلوميات

في خضمّ ما تمرّ به سوريا من تحولات عميقة، يبرز سلوك مقلق يتمثّل في الإمعان في تصنيف بعضنا البعض ضمن قوالب ضيقة، تتجاوز الاختلاف الطبيعي إلى أحكام قاسية، تُضعف ما تبقى من مساحة مشتركة بين السوريين. وفي مقابل ذلك، يغيب أحيانًا التصنيف الأهم، والأكثر بداهة: أننا جميعًا سوريون.

ومع تصاعد الأزمات، برزت نزعة متزايدة إلى تبنّي خطاب المظلومية، لا بوصفه تعبيرًا عن الألم المشروع، بل كأداة للمقارنة أو الإلغاء، بحيث يُستهان أحيانًا بمعاناة الآخرين. ويترافق ذلك مع ميل لإلقاء المسؤولية كاملة على العوامل الخارجية، في قراءة تُغفل دور الداخل، وتُعقّد أي محاولة جادّة للمراجعة.

في المقابل، يتم تجاهل تضحيات واسعة قدّمها سوريون من مختلف الانتماءات، وكأنها لا تدخل في سردية جامعة، رغم أنها تمثّل أحد أهم الأسس الممكن البناء عليها لاستعادة الشعور الوطني.

في هذا السياق، تزداد خطورة الخطاب الانفعالي، الذي يجد في كل حادثة مدخلًا للتعميم أو الاتهام، متجاهلًا أن ربط الأفعال الفردية بجماعات كاملة لا يؤدي إلا إلى تشتيت الحقيقة وإضعاف العدالة. فليس كل حدث مؤشّرًا على مخطط، وليس كل فرد امتدادًا لجماعة. والخلط بين الأمرين لا ينتج إلا مزيدًا من التوتر والالتباس.

ومن هنا، تبرز أهمية التمسك بالحقائق، وترك المسار القانوني يأخذ مجراه، بوصفه الإطار الوحيد القادر على إنصاف المتضررين وضمان عدم ضياع الحقوق. فالعدالة لا تتحقق بالصوت الأعلى، بل بالإجراءات التي تحترم القانون وتُخضع الجميع لمعايير واحدة.

غير أن هذا المسار لا يكتمل دون دور فاعل لمؤسسات الدولة، التي يقع على عاتقها تعزيز الثقة العامة، من خلال الشفافية، وتكافؤ الفرص، والتطبيق العادل للقانون على جميع المواطنين دون استثناء. فغياب هذه الثقة يفتح الباب أمام الشكوك، ويغذّي الخطابات التي تقوم على الخوف والتخوين.

وفي موازاة ذلك، يبرز تحدٍ أخلاقي لا يقل أهمية، يتمثل في طبيعة الخطاب المتداول بين السوريين. فقد شهدت المرحلة الماضية تراجعًا ملحوظًا في مستوى التعبير، حيث تحوّل الخلاف في الرأي، في كثير من الأحيان، إلى إساءة شخصية أو تجريح في الكرامات والمعتقدات.

إن هذا الانحدار لا يهدد العلاقات الاجتماعية فحسب، بل يضرب أحد أهم مقومات بقاء المجتمعات. فالاختلاف، مهما كان عميقًا، لا يبرر إلغاء الآخر أو المساس بإنسانيته، بل يستدعي التمسك بالحد الأدنى من الاحترام الذي يجعل العيش المشترك ممكنًا.

وقد لخّص المفكر أنطون سعادة هذه الإشكالية بقوله: “المجتمع الذي يستورد أحقاده، يستورد هزيمته”، في إشارة إلى خطورة تحويل الصراعات إلى حالة دائمة بدل العمل على تجاوزها.

إن الاستثمار في الألم، وتحويله إلى وقود للانقسام، لا يؤدي إلا إلى خسارة مضاعفة، لا يستفيد منها سوى من يتربص بسوريا ومجتمعها. أما تحويل هذا الألم إلى وعي، فهو الطريق الوحيد للخروج من دوائر التكرار.

اليوم، يبدو السوريون أمام خيار واضح:

إما الاستمرار في منطق التصنيف والمظلومية، أو استعادة المعنى الأوسع للانتماء، بوصفه إطارًا جامعًا لا يلغي الاختلاف، بل يحتويه.

وفي النهاية، تبقى سوريا أكبر من كل التصنيفات، وأوسع من كل الانقسامات. والحفاظ عليها لا يكون برفع الشعارات، بل بإعادة بناء الثقة، بدءًا من الكلمة، ووصولًا إلى الفعل.

Exit mobile version