السكن الجامعي في سوريا.. حين يصبح السرير أزمة 

في أيلول الماضي، وصل محمد عبد القادر وموفق الحايك إلى مدينة حلب قادمين من درعا، بعد قبولهما في كليتي هندسة العمارة والتمريض. كانا يبحثان عن غرفة للإيجار قرب الجامعة، وقد قررا منذ البداية عدم التسجيل في المدينة الجامعية، أملاً في قدر أكبر من الهدوء والخصوصية يساعدهما على الدراسة.

لكن هذا القرار لم يصمد طويلاً. فبعد جولة بحث قصيرة، اصطدم الطالبان بأسعار الإيجارات المرتفعة، إذ بلغ إيجار الغرفة الواحدة قرب جامعة حلب نحو 250 دولاراً، وهو مبلغ يفوق قدرتهما المادية. عندها، لم يعد السكن الجامعي خياراً ثانوياً، بل ضرورة.

توجّه محمد وموفق إلى المدينة الجامعية لتقديم طلب سكن، لكنهما لم يحصلا على سرير، واضطرا إلى استئجار غرفة مؤقتة بانتظار دورهما في قائمة انتظار طويلة. وبعد خمسة أشهر من تقديم الطلب، لم يعد الحماس للسكن الجامعي كما كان في البداية، خاصة بعد زيارات متكررة لصديقهما محسن أحمد الحسن، طالب هندسة العمارة المنحدر أيضاً من درعا، والمقيم في السكن منذ سنوات.

خلال تلك الزيارات، بدأت صورة السكن الجامعي تتضح لهما من الداخل. يقول محمد إنه كان يسير مسرعاً في الممرات بسبب الروائح المنبعثة من القمامة المتراكمة في زواياها، فيما لفتت انتباهه الشقوق والعفن اللذان يملآن جدران دورات المياه، وكأنها لم تُنظف منذ وقت طويل.

أما موفق، فلاحظ أن عدداً من الحمامات ودورات المياه خارج الخدمة تماماً، الأبواب مفتوحة، لكن الطلاب لم يعودوا يستخدمونها بسبب تعطل صنابير المياه، وتكسر المغاسل، وانسداد فتحات التصريف، وتراكم النفايات على الأرض.

في آخر زيارة لهما، أخبرهما صديقهما محسن أن عدد عمال النظافة لا يتناسب مع عدد المقيمين في المدينة الجامعية، حيث يعيش أكثر من 17 ألف طالب وطالبة موزعين على 17 وحدة سكنية.

الخيار الوحيد الممكن

يُقرّ محمد جلخي، رئيس هيئة السكن الجامعي في جامعة حلب، بصعوبة الحصول على سرير، مؤكداً أن الطلب يفوق القدرة الاستيعابية بكثير. ويقول إن عدد المتقدّمين إلى السكن هذا العام وصل إلى نحو 25 ألف طالب وطالبة، في حين لا تتجاوز الطاقة الاستيعابية الفعلية 17 ألفاً، ما يعني أن نحو ثمانية آلاف طالب يبقون خارج السكن.

وبحسب جلخي، تعود هذه الفجوة في جزء منها إلى قلة عدد الغرف مقارنة بأعداد المتقدمين، مشيراً إلى أن آخر توسعة حقيقية شهدتها المدينة الجامعية كانت عام 2000، رغم الزيادة المستمرة في أعداد الطلاب خلال السنوات اللاحقة.

وتضم المدينة الجامعية في حلب، وفق جلخي، 20 وحدة سكنية، لكن المخصصة فعلياً لإقامة الطلاب هي 17 وحدة فقط، موزعة بين تسع وحدات للذكور وثماني وحدات للإناث، بعد تخصيص ثلاث وحدات للإدارة والممرضات وطلاب الدراسات العليا.

هذا الضغط الكبير على السكن انعكس مباشرة على شكل الإقامة داخل الغرف. فالغرف التي صُممت أساساً لطالبين، يقيم فيها اليوم أربعة طلاب وأحياناً أكثر، بينما تصل أعداد المقيمين في بعض الغرف الأكبر، التي تبلغ مساحتها نحو 18 متراً مربعاً، إلى ستة طلاب.

هذه الظروف “لا تستوفي الحد الأدنى من المعايير الصحية والإنسانية” بحسب جلخي، في إشارة إلى الاكتظاظ والضغط المتزايد على المرافق والخدمات.

لا يرتبط تدهور الواقع الخدمي بالاكتظاظ وحده، بل أيضاً بحالة الإهمال والتخريب التي شهدتها المدينة الجامعية خلال الفترة التي تلت سقوط النظام. فبحسب جلخي، استدعت الأضرار التي لحقت ببعض الوحدات السكنية البدء بأعمال صيانة في الوحدتين 16 و20، ومع الانتهاء منهما، كانت هناك خطة لصيانة الوحدات 7 و13 و17 أيضاً.

لكن هذه الخطة لم تُستكمل، بسبب عودة الطلاب إلى السكن ورفضهم إخلاء غرفهم، ما دفع الإدارة إلى وقف المشروع مؤقتاً.

ورغم هذا الواقع، ما يزال السكن الجامعي بالنسبة لكثير من الطلاب الخيار الوحيد الممكن، لا سيما أن ثمن السرير رمزي مقارنة بالإيجارات خارج الجامعة، ولا يتجاوز 200 ألف ليرة سورية.

ويؤكد جلخي أن القبول في السكن الجامعي يعتمد نظرياً على معيار المسافة، بحيث تُعطى الأولوية للطلاب الذين يبعد سكنهم أكثر من 50 كيلومتراً، ثم من يبعدون أكثر من 40 كيلومتراً. 

لكن هذا المعيار، كما يقول، لا يمكن تطبيقه دائماً بشكل صارم، في ظل ضعف وسائل النقل، خاصة باتجاه الأرياف، ما يجعل الوصول اليومي إلى الجامعة أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لكثير من الطلاب.

حين يصبح السرير سلعة

لا يقف عبء السكن الجامعي عند نقص الأسرة أو تردي الخدمات فقط، بل يمتد، بحسب طلاب، إلى ممارسات فساد واستغلال تحيط بعملية القبول نفسها.

أسامة النكزي، طالب في كلية التربية ومن أبناء محافظة الرقة، يقول إن سماسرة يترددون إلى الجامعة وتربطهم، بحسب قوله، علاقات ببعض الموظفين، ويتقاضون نحو 100 دولار مقابل تأمين غرفة للطلاب المضطرين، متجاوزين بذلك قوائم الانتظار الرسمية.

ويضيف أن هذه الممارسات ليست جديدة، لكنها باتت أكثر وضوحاً مع ازدياد الضغط على السكن وقلّة البدائل، ما جعل بعض الطلاب مستعدين لدفع مبالغ مرتفعة فقط للحصول على سرير.

ولا يتوقف الاستغلال عند الوسطاء الخارجيين. فبحسب النكزي، ظهر أيضاً شكل آخر من الالتفاف على النظام، يتمثل في قيام بعض الطلاب الذين يملكون سكناً مع عائلاتهم داخل مدينة حلب بتأجير إيصالات السكن الخاصة بهم لطلاب آخرين، مقابل مبالغ مالية، مستفيدين من حاجة الوافدين.

بالنسبة إلى آلاء المحفوظ، القادمة من ريف حماة الشرقي، لم تعد فكرة السكن الجامعي واقعية أصلاً.
آلاء، وهي طالبة في قسم الفيزياء بجامعة حلب، لم تتمكن من الحصول على سرير، واضطرت إلى الإقامة لدى أقارب لها داخل المدينة.

وتقول إن حلم الحصول على غرفة في السكن الجامعي تلاشى تدريجياً، خاصة بعد أن سمعت عن بيع بعض الغرف مقابل 125 دولاراً، وهو مبلغ لا يقلّ عبئاً، بالنسبة إلى كثير من الطلاب، عن كلفة استئجار غرفة خارجية في ظروف أقل ازدحاماً.

هكذا، لا يعود السكن الجامعي في نظر بعض الطلاب مسألة استحقاق أو أولوية، بل مساحة يختلط فيها النقص بالواسطة، والحاجة بالاستغلال.

أزمة تتكرر خارج حلب

تمتد أزمة السكن الجامعي إلى مدن سورية أخرى، حيث تتكرر شكاوى الطلاب من قلة الشواغر، وضعف الخدمات، وغياب الشفافية في توزيع الغرف، مع اختلاف التفاصيل من مدينة إلى أخرى.

في حمص، انتظر الطالب مضر ياسين العيد عدة أشهر قبل أن يحصل على سكن في المدينة الجامعية، رغم أن الإدارة كانت تؤكد أن الأولوية للقادمين من المحافظات البعيدة. ويقول إن هذه المعايير بقيت، بالنسبة إليه، غير واضحة في التطبيق.

يضم السكن الجامعي في حمص 14 وحدة سكنية، خُصصت واحدة منها للهيئة التدريسية وطلاب الدراسات العليا. وفي مطلع عام 2026، جرى تخصيص الوحدة 14 لطلاب محافظتي الرقة ودير الزور، نتيجة تعذّر سفرهم إلى مناطقهم بسبب المعارك بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية.

لكن تخصيص هذه الوحدة لم يحل المشكلة بالنسبة إلى كثير من الطلاب. فبحسب العيد، ما تزال بعض الوحدات غير مجهزة أساساً، فيما تعاني وحدات أخرى من تعطل المطابخ والحمامات، في حين تحظى الوحدة 14 باهتمام خاص يجعل الوصول إلى سرير فيها أكثر صعوبة.

هذا الواقع، بحسب العيد، فتح الباب أمام وسطاء غير رسميين، حوّلوا السكن الجامعي إلى سلعة تُباع في السوق السوداء، وفاقموا شعور كثير من الطلاب بالتهميش وعدم تكافؤ الفرص، إلى حد دفع بعضهم إلى العزوف عن السكن رغم حاجتهم إليه.

يمتد هذا الشعور أيضاً إلى بعض أبناء ريف حمص، ممن يدرسون داخل المدينة ويقيمون خارج مركزها، حيث يشكون من صعوبة الحصول على سكن، وسط حالة من الاحتقان بين المتضررين بسبب ما يصفونه بالفساد والمحسوبيات.

في دمشق، تتخذ الأزمة حجماً أكبر مع اتساع المدينة الجامعية وكثافة الطلب عليها. تقدّم الطالب محمد موفق الحسن بطلب للحصول على سكن في إحدى الوحدات التابعة لجامعة دمشق، ودفع عند تقديم الطلب 88 ألف ليرة سورية، لكنه بقي من دون سرير حتى الآن، فيما كانت الإجابة المتكررة التي يتلقاها: “لا يوجد شواغر”.

ويتوزع السكن الجامعي التابع لجامعة دمشق على عدة تجمعات، أبرزها سكن المزة، وسكن كليتي الهندسة الميكانيكية والكهربائية (الهمك)، وسكن برزة. ويضم سكن المزة وحدات مخصصة للذكور وأخرى للإناث، بواقع تسع وحدات لكل فئة.

ورغم هذا التوزع، تبقى القدرة الاستيعابية محدودة أمام حجم الطلب. يقول محمد الحسن إن بعض الغرف تضم سبعة إلى عشرة طلاب، وهو رقم يتجاوز طاقتها بكثير، ويجعل الحد الأدنى من الراحة والخصوصية أمراً شبه غائب.

وتظهر مشكلة أخرى في الوحدة 21، التي كانت مخصصة في وقت سابق لاستقبال الطلاب الأجانب والوفود، لكنها تُستخدم حالياً، بحسب الحسن، لإيواء عائلات ليست على صلة بالجامعة، من دون وضوح بشأن الجهة التي أدخلتها إلى السكن.

هذا الضغط انعكس، كما تقول الطالبة وفاء عصام الغفر من كلية الهندسة الزراعية، على بقية الوحدات، خصوصاً الأولى والثانية، بعد أن اضطر مزيد من الطلاب الوافدين إلى البحث عن بدائل ضمن مساحة محدودة أصلاً. 

ومع هذا الضغط، ازداد حضور السماسرة داخل بعض الوحدات، في وقت يؤكد فيه محمد الحسن أن بعض الطلاب حصلوا على أسرّتهم بعد دفع مبالغ تراوحت بين 500 ألف ومليون ونصف المليون ليرة سورية. وبسبب شيوع هذه الظاهرة، بات بعض الطلاب يطلقون على أحد الأجنحة المخصصة للطالبات اسم “جناح الـ500 ألف”، في إشارة ساخرة إلى حجم المبالغ التي يُقال إنها تُدفع للحصول على مكان فيه.

أما في إدلب، فتأخذ الأزمة شكلاً أكثر مباشرة: السكن الجامعي غير موجود أساساً. ويعزو الدكتور زياد عبود، رئيس جامعة إدلب، ذلك إلى التهميش الذي عانته المحافظة خلال عقود حكم الأسد، إلى جانب غياب البنية التحتية المناسبة، إذ تعتمد الجامعة، بحسب قوله، على مبانٍ مدرسية غير مهيأة، فضلاً عن محدودية الموارد المالية.

يشير عبود إلى أن عدد الطلاب المسجلين في الجامعة تضاعف بعد سقوط النظام، ووصل عدد المقبولين في العام الدراسي 2025–2026 إلى نحو 47 ألف طالب، ما دفع الإدارة إلى طرح خطة إسعافية لتأمين سكن لنحو خمسة آلاف طالب.

وبحسب عبود، ستُمنح الأولوية في أي مشروع سكني مقبل لطلاب الكليات العلمية أولاً، ثم للطلاب القادمين من المناطق البعيدة، وفقاً لمعيار المسافة.

وإلى أن تجد هذه الخطط طريقها إلى التنفيذ، يواصل طلاب إدلب البحث عن حلول فردية ومؤقتة، في صورة تختصر واقعاً أوسع يتكرر في أكثر من جامعة سورية: عدد كبير من الطلاب، وسكن أقل من الحاجة، وفرص لا تُوزّع دائماً بعدالة.

المركز الصحفي السوري
“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة شبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”.

Exit mobile version