متلازمة الخوف و السُّلطة

على مرّ العصور، اعتمدت السُّلُطات غير الشرعيّة على تخويف الشعوب كوسيلة سياسية ونفسية لقيادتها وضمان ولائها المطلق، وإخضاع المعارضين، وصرف الانتباه عن المشاكل الحقيقية، ومنع مناقشة السلطة فيما تتخذه من قرارات، لأسبابٍ تدّعيها السلطة الحاكمة مفادها أن الاعتراض أو النقاش سيقود تلك الشعوب إلى دوّامة من المخاطر، فتُظهر نفسها على أنها الجهة الوحيدة القادرة على حمايتها منها.

أمّا أبرز الأساليب التي اتبعتها الأنظمة في هذا المجال فنذكر ما يلي:

1 – صناعة العدو الوهمي:
تلجأ السلطة إلى تضخيم خطرٍ قد لا يكون موجوداً، أو التهويل من مخاطر يمكن أحياناً تأجيل معالجتها لصالح قضايا أكثر أهمية داخلياً أو خارجياً. ومن الأمثلة على ذلك:
تخويف الشعب اللبناني من انسحاب الجيش اللبناني أمام إسرائيل بهدف الإبقاء على سلاح حزب الله خارج سلطة الدولة، أو تخويف أنصار النظام السوري من المعارضة المسلحة بحجة أنها ستقوم بذبح الأقليات في حال سقوط النظام.

2 – نشر الشائعات والأخبار المضللة:
حيث تقوم السلطة بإغراق وسائل الإعلام بمعلومات متضاربة ومبالغ فيها، بهدف إنهاك عقول الناس واستنزاف قدرتهم على التفكير النقدي.

3 – سياسة “حافة الهاوية”:
تختار السلطة أحد أهم مقومات الحياة لدى الشعب وتعمل على خلق حالة من عدم الاستقرار فيه، مثل (لقمة العيش، الأمن، الاستقرار)، مما يجعل المواطن منشغلاً بتأمين يومه فقط.

4 – تضخيم الفوضى بعد السقوط والبديل المجهول:
تلجأ تلك الأنظمة إلى ترويج عبارات من قبيل:
“البديل هو الفوضى والدمار”
“إذا سقط نظامنا فلن يبقى منكم أحد”
“سقوطنا يعني عودتكم إلى حكم المجرمين”

وهنا يبرز سؤال مهم جداً:
لماذا تستخدم الأنظمة غير الشرعية أو الاستبدادية هذه الأساليب؟

الجواب باختصار هو أن هذه الأنظمة تستخدم ما سبق لتحقيق غايات محددة، من أهمها:

1 – تبرير الاستبداد:
حيث تتخذ هذه الأنظمة من “حماية الأمن القومي” ذريعة لإعطاء شرعية للقوانين الاستثنائية وتقييد الحريات.

2 – منع التغيير:
تعتقد معظم هذه الأنظمة أن زرع الخوف من الفشل أو العواقب الوخيمة لسقوطها يمكن أن يحميها من أي ثورة شعبية أو محاولة تغيير.

3 – الاستنزاف الاقتصادي:
تحاول هذه الأنظمة دفع الشعوب إلى قبول تدني مستوى المعيشة مقابل البقاء والحفاظ على حياتهم.

بعد كل ما سبق، يصبح من الضروري توضيح طرق تغلب الشعوب على الخوف، والتي يمكن اختصارها فيما يلي:

1 – الوعي والمعرفة:
ينبغي على الشعوب التسلح بالوعي والثقافة في مواجهة الحملات الإعلامية الموجهة، وعدم تصديق أي معلومة إلا من مصادر موثوقة.

2 – التمسك بالحقوق:
يجب أن تدرك الشعوب أن الخوف يغذي الاستبداد، وأن الحقوق تُنتزع ولا تُمنح.

3 – العمل الجماعي:
التضامن المجتمعي والعمل المدني عامل أساسي في بناء الثقة بين أفراد المجتمع وتقليل شعور الفرد بالعزلة والضعف.

في النهاية، يمكن القول إن الخوف يُعدّ أحد أخطر أدوات السيطرة التي يمكن أن تُستخدم ضد الشعوب، لأنه لا يقيد الجسد فقط، بل يعطّل العقل والإرادة أيضًا. ومع ذلك، فإن مواجهة هذا الخوف تبدأ بالوعي، وتتعزز بالتضامن، وتكتمل بالإصرار على الحق والكرامة. فكل مجتمع ينجح في كسر دائرة الخوف هو مجتمع يخطو خطوة حقيقية نحو الحرية والاستقرار.

Exit mobile version