حين تتحول الدولة إلى واجهة: غياب العدالة وتعطّل المؤسسات وأزمة الحكم

تعاني الدولة اليوم من غيابٍ مركّبٍ للعدالة بمختلف أشكالها؛ عدالة اجتماعية متآكلة، وعدالة إدارية معطّلة، وعدالة انتقالية مؤجَّلة، وعدالة وظيفية مهزوزة. يترافق ذلك مع افتقارٍ خطيرٍ إلى البيانات الدقيقة وقواعد المعلومات والحسابات الواضحة، ومع ذلك يُصرّ الخطاب الرسمي على الحديث عن “دولة”. غير أن الدولة، في جوهرها، ليست اسماً ولا علماً ولا مؤسسات قائمة في الشكل، بل منظومة متكاملة تقوم على سيادة القانون، وتحقيق العدالة، والإدارة القائمة على المعرفة الدقيقة بالواقع. وعندما تغيب هذه الركائز، يتحول البناء السياسي إلى واجهة بلا أساس.

تتآكل العدالة الاجتماعية حين تُوزَّع الموارد والخدمات العامة وفق معايير لا تعكس التحولات السكانية والاقتصادية، وحين تُترك مناطق كاملة تتحمل أعباء النزوح والتوسع العمراني دون إعادة تقييم حقيقية لاحتياجاتها. وفي السياق نفسه، تغيب العدالة الإدارية عندما تُدار البلاد استنادًا إلى إحصاءات قديمة، ويُطبَّق قانون الإدارة المحلية السوري رقم 107 دون تحديث قواعده أو إعادة تصنيف الوحدات الإدارية بما ينسجم مع الواقع الجديد. ويبرز ذلك بوضوح في مناطق مثل ريف حلب الشمالي، حيث تغيّر المشهد الديموغرافي جذريًا بينما بقي التصنيف الإداري جامدًا، ما أفرز خللًا بنيويًا في التخطيط وتوزيع الموارد وأضعف ثقة المواطنين بفعالية الإدارة العامة.

أما العدالة الانتقالية، فتتراجع حين لا تُراجع آثار المرحلة السابقة ضمن مسار واضح للمساءلة والإنصاف، وحين تستمر تبعات العقوبات والإجراءات التي فرضها النظام البائد بحق آلاف الأفراد دون معالجة قانونية شاملة. ويتقاطع ذلك مع ضعف العدالة الوظيفية، حيث تُمنح المواقع العامة على أساس القرب والولاء بدل الكفاءة والخبرة، ويُهمَّش أصحاب الاختصاص، وتُستبعد التجارب الإدارية التي تشكّلت خلال سنوات طويلة بدل إخضاعها للتقييم ودمج الناجح منها في مؤسسات الدولة الجديدة، ما يؤدي إلى هدر الخبرات وإعادة إنتاج الاختلال ذاته.

ولا يمكن الحديث عن دولة مؤسسات في ظل غياب بنية بيانات حقيقية؛ فلا تخطيط بلا أرقام، ولا سياسات بلا مؤشرات، ولا قرارات رشيدة بلا قراءة شاملة للواقع. إن الادعاء بوجود استراتيجيات عامة دون قاعدة معلومات دقيقة لا يعدو كونه إدارة بالانطباع لا بالمعرفة. والأخطر من ذلك ابتعاد السلطة عن دراسة الواقع دراسة متكاملة، سواء كان ذلك تجنبًا لمواجهة التعقيدات، أو نتيجة ضعف مؤسسي مزمن، فتتسع الفجوة بين القرار السياسي والحقيقة الميدانية، وتتراكم الأخطاء بدل تصحيحها.

وفي هذا السياق، يبدو المشهد المؤسسي أقرب إلى الشكل منه إلى الفعل؛ حكومة تؤدي دورًا إجرائيًا محدودًا أكثر من كونها سلطة تنفيذية فاعلة، ومجلس الشعب السوري الذي انتُخب منذ أشهر لم يكتمل بعد ليباشر أعضاؤه مهامهم الدستورية، وكأن المؤسسة التشريعية تفصيل هامشي لا ركيزة أساسية في بناء الدولة. وحين تُعطَّل المؤسسات الدستورية أو تُختزل أدوارها، يفقد النظام السياسي أدوات التوازن والرقابة والمساءلة، وتُفرغ فكرة الدولة من مضمونها الحقيقي.

ويزداد المشهد التباسًا مع أي خطاب أو ممارسة توحي بتلميع شخصيات ارتبطت بممارسات قمعية في الماضي، بدل ترسيخ معايير واضحة للمحاسبة والمسؤولية. فالدولة التي تسعى إلى بناء شرعية جديدة لا يمكنها أن تساوي بين الضحية والجلاد، ولا أن ترسل إشارات رمادية في قضايا العدالة، لأن مثل هذه الإشارات تقوّض الثقة العامة وتعيد إنتاج أسباب الأزمة بدل معالجتها.

الدولة، في النهاية، ليست واجهة سياسية ولا خطابًا إعلاميًا، بل عقد أخلاقي وقانوني يقوم على العدالة والمعرفة والمساءلة والمؤسسات الفاعلة. وعندما تغيب هذه العناصر مجتمعة، يصبح الاسم متقدّمًا على الحقيقة. المطلوب اليوم ليس تحسين الصورة أو إدارة الانطباع، بل إعادة بناء الأساس نفسه: عدالة بمستوياتها المختلفة، مؤسسات دستورية تمارس دورها كاملًا، إدارة تستند إلى بيانات دقيقة، وقرار سياسي يقترب من الواقع بدل الابتعاد عنه. عندها فقط يمكن أن يتحول الحديث عن الدولة من شعار إلى حقيقة.

Exit mobile version