في مجتمعاتنا السورية اليوم، تنتشر سردية خطيرة تتحدث عن أن العائدين – سواء من رحلة اللجوء الطويلة خارج البلاد أو من رحم التهجير القسري داخل البلاد – يمتلكون السيارات والأموال وينظر لهم فقط من هذا الزاوية ، هذه السردية ليست مجرد كلام عابر، بل هي انعكاس لجرح مجتمعي عميق، وتجاهل صارخ لحقيقة مؤلمة ، مئات الآلاف من السوريين عادوا إلى وطنهم بعد تحرير البلاد في ديسمبر 2024، سواء من دول الشتات أو من المهجرين الذين عادوا إلى منازلهم المدمرة بعد سنوات من العيش في الخيام.
عندما يحصر البعض قصص العائدين في الماديات، فإنهم يتجاهلون تماماً أولئك الذين عادوا من جحيم التهجير الداخلي ، يتجاهلون أناساً قضوا سنوات في الخيام الباردة، تحت وطأة البرد والجوع والمرض ، يتجاهلون من قصفوا وقتلوا وهجروا ونكل بهم على يد نظام مجرم، فتركوا بيوتهم وأحياءهم تحت ركام الطيران الحربي، ومضوا حفاة عراة إلى مخيمات النزوح لا يحملون إلا أرواحهم.
لا يرى أصحاب هذه السردية الأم التي عادت مع أطفالها إلى حي مدمر بالكامل، تحاول أن تلملم شتات عائلتها بين الأنقاض ، لا يرون الشاب الذي عاد من سنوات في خيمة لا تحميه من برد الشتاء، ليجد أن بيته لم يعد موجوداً، وأن جيرانه إما قتلوا أو شردوا ، لا يرون من دفنوا أحباءهم تحت الأنقاض ثم هجروا بالقوة، واليوم يعودون ليس لسيارة أو مال، بل لذكرى وحجر ووطن مفجوع.
تكمن خطورة هذه السردية في كونها “سردية تبريرية” يختبئ خلفها البعض ليتجنبوا مواجهة واقعهم وتاريخهم ، أو ليتجنبوا الاعتراف بجريمة النظام بحق هؤلاء الناس خوفاً أو خجلاً أو تهرباً ، إن اختزال معاناة شعب كامل في “سيارات وأموال” هو امتداد لسردية القمع التي حاولت إخفاء الجثث تحت الركام، وتجاهل أن المأساة السورية الحقيقية هي مأساة إنسانية قبل أن تكون مادية.
هذه الظاهرة المجتمعية تخلق ثقافة سامة تقتل روح التضامن وتعمق الانقسامات ، الكل يرى السيارة ولا يرى سنوات الخيمة والغربة والقصف، الكل يرى المال ولا يرى الألم والفقد والاغتراب الداخلي الذي يعيشه العائد حين يجد أن منزله لم يعد موجوداً، وأن أطفاله الذين ولدوا في الخيام لا يعرفون معنى السرير، وأن الطفولة التي سُرقت منهم لا يمكن تعويضها بأي مال.
ما لا يدركه أصحاب هذه السردية أنهم بذلك لا ينتقصون من قيمة الآخرين فحسب، بل يحكمون على أنفسهم بالجمود ويتواطؤون مع محاولة النظام السابق طمس جرائمه ، مجتمع يختزل معاناة الناس في “الحظ” هو مجتمع يعطل ضميره، ويقتل روح التضامن، ويحول الجريمة إلى مجرد “ظروف”.
الحقيقة المؤلمة أن هذه السردية ليست حكاية عن العائدين، بل هي مرآة سوداء تعكس ضياع السارد، وتفضح مجتمعاً يفضل الوهم المريح على مواجهة الحقيقة ، سوريا الجديدة التي نبنيها جميعاً، عائدون من الخارج وعائدون من الخيام ومقيمون ، تحتاج إلى تفاؤل وتسامح وتنقية النفوس من الأحقاد، وتحتاج قبل كل شيء إلى أن نرى بعضنا بعين الرحمة والعدل، لا بعين الاختزال والاتهام والحسد .
