إقصاء السيدات من مراكز صنع القرار في مدينة الباب بريف حلب

إقصاء السيدات من مراكز صنع القرار في مدينة الباب بريف حلب

رغم امتلاك مدينة الباب في ريف حلب الشرقي لرصيد وافر من النساء المؤهلات أكاديمياً ومجتمعياً، لا يزال واقع الإدارة المحلية يشهد استبعاداً شبه كامل لدورهن عن مواقع صنع القرار الحيوية، بما في ذلك الهيئات الإدارية والأمن المحلي. إن آليات الاختيار التي تغلب عليها العقلية التقليدية، إلى جانب الغياب التام لأي لوائح أو نظام “كوتا” لضمان المشاركة النسائية، تسببت في خسارة المجتمع لنصف طاقاته، ورسخت ثقافة الإقصاء وغياب المساواة.

في الفترة التي تلت تحرير مدينة الباب من سيطرة تنظيم داعش الإرهابي عام 2017 وحتى عام 2024، بلغ عدد الأعضاء الذكور في المجالس المحلية للمنطقة (الباب، بزاعة، قباسين) نحو 70 رجلاً مقابل 10 نساء فقط في الفترة المذكورة. والأخطر أن هذا التمثيل كان في غالبه شكلياً يفتقر إلى الصلاحيات الفعلية في صنع القرار.

وكان الطموح لدى الكثير من السيدات السوريات بعد سقوط نظام الأسد وحلّ المجالس المحلية هو الاضطلاع بدور فعلي وتمثيل حقيقي في دوائر الدولة. لكن الواقع جاء مناقضاً لهذا الطموح، إذ تؤكد سيدات المدينة أن الوجود النسائي في هياكل الإدارة الرسمية أصبح معدوماً؛ إذ تتألف إدارة المنطقة حالياً من نحو 25 عضواً جميعهم من الرجال.

لا يقتصر التهميش على الإدارة المدنية، بل يمتد ليشمل قوى الأمن الداخلي، مما يقلل من فعالية هذه القوات في مجتمع يقدر عدد سكانه بـ 400 إلى 500 ألف نسمة. ويتراوح عدد النساء العاملات في مناصب ضابطات أو برتب قيادية مشابهة بين 5 و6 نساء فقط، وفي المقابل يقتصر وجود العناصر النسائية (مفتشات أو مراقبات) على ما بين 50 و90 عنصراً.
وتبدو هذه الأرقام أكثر دلالة عند وضعها في سياق تعداد سكاني يقدر بـ 400 إلى 500 ألف نسمة، ما يجعل أثر غياب النساء عن مواقع صنع القرار أكثر وضوحاً.

ويؤدي هذا الإقصاء إلى مجموعة من النتائج السلبية، أبرزها حرمان نصف المجتمع من المشاركة في صياغة السياسات والخدمات، وتضرر الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال والأرامل وذوي الاحتياجات الخاصة، فضلاً عن ضعف فعالية المنظومة الأمنية في التعامل مع القضايا الحساسة، خصوصاً العنف المنزلي والاستغلال. كما ينعكس هذا الواقع على الشابات اللواتي يفقدن الحافز للمشاركة في الحياة العامة، أو حتى التفكير بإمكانية الوصول إلى أدوار قيادية في المستقبل.

وتؤكد الناشطات في المدينة أن العوائق أمام المشاركة النسائية “مزدوجة – اجتماعية وسياسية”، مما يحد من تأثير الكفاءات النسائية العالية. تقول ملك طه، ناشطة من الباب، إن المشاركة النسائية “ما زالت محدودة، وغالباً محصورة بالتعليم والمجال الصحي والإغاثي”.
وتضيف ملك أن التمثيل في أغلب الأحيان يكون شكلياً، أو في مجالات التعليم والصحة، بدون صلاحيات فعلية. وتلفت إلى أن غياب النساء يخلق “فجوة كبيرة” تجعل قضايا النساء والفتيات غير مطروحة بجدية.

ومن جهتها ترى سناء جاسم، ناشطة مجتمع مدني، أن وجود النساء في المواقع العليا قليل ويقتصر غالباً على مناصب استشارية أو أقسام خدمية، بسبب “العوائق الاجتماعية والثقافية، مثل النظرة التقليدية لدور المرأة، وفي الوقت نفسه سياسية وإدارية، بغياب الإرادة لتخصيص مقاعد فعلية للنساء.” وتؤكد أن القرار الأحادي يعكس رؤية طرف واحد فقط، بينما وجود النساء يجعله أكثر تنوعاً ومرونة.

وتلفت كوثر جعفر إلى أن هذا الإقصاء يزرع الإحباط في صفوف الشابات الجامعيات. وتؤكد أن “العائق الأكبر هو النظرة المجتمعية التقليدية، يضاف إليها عراقيل سياسية وإدارية”، مما ينعكس سلبًا على الجامعيات المؤهلات اللواتي يمثلن نحو 25–30% من مجموع النساء.

تُعبر الناشطات في مدينة الباب عن خيبة أمل متزايدة تجاه الوعود الرسمية بمشاركة المرأة في المرحلة الانتقالية، لا سيما بعد التغيرات الأخيرة. تقول كوثر قشقوش، الناشطة من مدينة الباب، إنه “رغم مرور أسابيع على الإعلان عن سقوط الأسد في 8 ديسمبر، ما تزال النساء في مناطقنا ينتظرن تغيراً حقيقياً يتجاوز الخطابات الرسمية.”

وتُسلط قشقوش الضوء على التحديات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى التي تواجهها النساء، مشيرة إلى أن “النساء اللواتي فقدن أبناءهن وأزواجهن هن الأكثر هشاشة اليوم، وقد تحوّلن إلى معيلات لأسر كاملة وسط ظروف معيشية قاسية جداً.”

فيما يتعلق بفرص العمل والمشاركة السياسية، تؤكد قشقوش أن انهيار سوق العمل فاقم من البطالة بين النساء، ومع ذلك ما تزال “فرصهن في الوصول للوظائف أو المشاركة في إدارة المرحلة الانتقالية شبه غائبة.”
وتنتقد الناشطة الفجوة بين القول والفعل قائلة:
“ما نسمعه من تصريحات الوزراء والمسؤولين عن دعم النساء وتمكينهن يبقى حتى الآن مجرد أقوال، بلا آليات تنفيذ واضحة، ولا خطط تُشرك النساء فعليًا في إعادة بناء المجتمع.”

وتختتم قشقوش رسالتها بالتأكيد على أن إشراك النساء هو ضرورة وليس ترفاً، حيث تشدد على أن “النساء دفعن الثمن الأكبر في الحرب، ولا يمكن أن يُتركن خارج القرار الآن، إشراكهن ليس مجاملة، بل ضرورة لبناء مرحلة مستقرة وعادلة.”

وترى السيدات السوريات أن استمرار سياسة إقصاء النساء عن دوائر صنع القرار في مدينة الباب يشكل تحدياً أخلاقياً وتنموياً جسيماً. فغياب صوتهن يعني فقدان نصف المجتمع لتمثيله الفعلي في رسم السياسات وتوجيه الخدمات، وينعكس هذا سلبياً على الفئات الأكثر هشاشة ـ كالأطفال والأرامل وذوي الاحتياجات الخاصة ـ التي لا تُطرح احتياجاتها بجدية في غياب منظور المرأة. كما أن استمرار تهميش الكفاءات يؤدي إلى ضعف السياسات الأمنية في معالجة قضايا العنف الأسري ويقود الشابات إلى الإحباط، بترسيخ فكرة أن الطريق نحو المشاركة العامة مسدود.
إن تحقيق الاستقرار الفعلي وبناء إدارة رشيدة في مدينة الباب يتطلب كسر هذه العوائق المزدوجة ـ الاجتماعية والإدارية ـ وتفعيل نظام يضمن مشاركة حقيقية للنساء المؤهلات، لأن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى على رؤية أحادية الجانب.

Exit mobile version