أقنعة متأخرة في زمن المكاشفة

أقنعة متأخرة في زمن المكاشفة

ليس أكثر إثارة للأسى من مشهد من يحاول إخفاء تاريخه الأسود بادعاء بطولة لم يعشها، فيظهر اليوم صنديداً معارضاً، ثائراً مغواراً، بينما ذاكرة الناس ،وذاكرة الوقائع، تشهد أنه كان في الصف المقابل، مؤيداً شرساً، مبرراً، أو صامتاً حيث كان الصمت تواطؤاً. هذا المشهد لا يعبر فقط عن تبدل موقف، بل عن محاولة واعية لإعادة كتابة الذات بما يخدم الحاضر، ولو على حساب الحقيقة.

يشبه هذا السلوك نعامة تغرس رأسها في الرمال ظناً منها أنها اختفت، غير مدركة أن الجسد كله مكشوف، فالتاريخ لا يمحى بتغيير اللغة، ولا يغسل الماضي بعبارات حماسية مستعارة ، الكلمات، مهما بدت صاخبة، لا تستطيع أن تلغي أثر السلوك المتراكم عبر السنوات ،فالإنسان يعرف بما فعله حين كان الثمن باهظاً، لا بما يقوله حين يصبح الكلام آمناً.

تحدث علماء الاجتماع عن هذه الظاهرة بوصفها أحد أشكال النفاق السياسي، حيث يتناقض الخطاب المعلن مع السجل الفعلي للأفعال. وتظهر الدراسات أن هذا التناقض، مهما طال زمن إخفائه، لا بد أن يظهر في لحظات غير محسوبة في ردود الفعل، في اختيار المفردات، في الدفاع المفرط عن الذات، أو في الارتباك أمام الأسئلة البسيطة ،السياسة، كالحياة، لا ترحم من يتقمص دوراً لم يعشه.

وفي علم النفس الاجتماعي، يوضح إرفنغ غوفمان أن الإنسان حين يرتدي “قناعاً اجتماعياً” لا ينسجم مع خبرته الحقيقية، فإن جسده وسلوكه يفضحانه دون جهد ،حتى المظهر الخارجي ،الملبس، الوقفة، الإيماءة، قد يتحول إلى دليل إدانة حين لا يكون نابعاً من اعتياد طويل ،من يرتدي لباساً فاخراً لم يألفه يتحرك بتكلف، يبالغ في وعيه بذاته، فينكشف زيفه ، الأمر نفسه يحدث حين يرتدي الإنسان لباس المعارضة بعد عمر من الولاء ،فالحركات تخونه، واللغة لا تطاوعه، والذاكرة الجمعية لا تنساه.

لكن هذا الحديث لا يقصد به إعلان محكمة أخلاقية دائمة، ولا إغلاق باب التحول ،على العكس، فالمجتمعات التي تسعى للشفاء لا يمكن أن تقوم على الإقصاء المطلق، يمكن، بل يجب، تقبل من كان مؤيداً ثم امتلك شجاعة الاعتراف، وسمى الأشياء بأسمائها، وأقر بخطئه دون مراوغة ، العدالة الانتقالية نفسها تقوم على هذا المبدأ ، الاعتراف شرط المصالحة، والصدق أساس الثقة.

ما لا يمكن قبوله هو القفز فوق الحقيقة، وإنكار الماضي، وادعاء دور لم يعش ،فالتحول الصادق لا يحتاج إلى تزوير السيرة، ولا إلى محو الذاكرة، ولا إلى المبالغة في سرد بطولات متأخرة،من تغير حقاً يقول ببساطة ،نعم، كنت هناك، أخطأت، والآن أرى الأمور بوضوح مختلف ،أما من يقضي ليله ونهاره في محاولة إثبات أنه لم يكن مؤيداً، بينما كلماته القديمة وسلوكياته المتكررة تفضحه، فهو لا يدافع عن موقف، بل عن صورة زائفة.

هذا الكلام ليس عداء، ولا هجوماً، ولا تصفية حسابات ،هو نداء إنساني أخلاقي ،لسنا بحاجة إلى أن يكون الجميع ثواراً، ولا إلى أن يدعي الجميع الشجاعة بأثر رجعي ، ما نحتاجه حقاً هو قدر من الصدق يسمح لنا أن نعيش معاً دون أقنعة، ودون خوف من الحقيقة ، فالكذب حتى حين يتزين بلغة الثورة، يبقى كذباً، والحقيقة مهما تأخرت تظل الطريق الوحيد لبناء مجتمع لا يقوم على الوهم.

قد يكون الصمت أحيانًا أكثر كرامة من خطاب مليء بالادعاءات، وقد يكون الاعتراف أبسط وأشرف من ادعاء بطولة لم تكن ، فالتاريخ لا يرحم، والذاكرة لا تخون، ومن لا يحتمل الحقيقة، لن تنقذه كل الأقنعة

Exit mobile version