سوريا في ذكراها الخامسة عشرة: ثبات المبدأ في مهب التحولات الكبرى.. من ملحمة التحرير إلى معركة البناء

ثبات المبدأ في مهب التحولات الكبرى.. من ملحمة التحرير إلى معركة البناء

تعود الذكرى مرة أخرى، ويعود الأمل من جديد، من أجل إعادة بناء سورية الحرة، المنعتقة من الاستبداد الأسدي، ومن كل أصناف الطغيان والفساد والإفساد، الذي طالما عاشته سورية على مدى خمسة عقود من حكم آل الأسد، الذين خطفوا الوطن السوري، وسرقوا ونهبوا خيراته وموارده، ثم كمّوا الأفواه، وألغوا السياسة من المجتمع. تمر علينا اليوم الذكرى الخامسة عشرة لاندلاع الثورة السورية، تلك الملحمة الوطنية التي لم تكن مجرد حدث عابر في صفحات التاريخ، بل كانت ولا تزال قصة شعب أبى الخضوع، ودفع ثمناً باهظاً من دمائه وأحلامه ليستعيد حريته وكرامته. إنها ذكرى الانتفاضة على نظام متجذر في الفساد والظلم، حوّل مؤسسات الدولة إلى آبار عميقة للنهب، والأجهزة الأمنية إلى سجون سرية للمختطفين والمعذبين، والجيش من حامٍ للوطن إلى أداة للدمار. هي قصة شعب صمد بوجه أعتى آلة قتل عرفها التاريخ الحديث، ليثبت في النهاية أن الحرية لا بد آتية، وأن إرادة الشعوب أقوى من كبرياء الطغاة.

أولاً: ارهاصات الظلم.. كيف أشعل الفساد ثورة شعب

لم تكن الثورة السورية وليدة لحظة غضب عابرة، بل كانت انفجاراً طبيعياً لبركان من المظالم المتراكمة. كان النظام السوري بقيادة بشار الأسد قد أسس دولة قائمة على المحسوبية والفساد المستشري في كافة مفاصلها: من الوزارات التي تحولت إلى مراكز لتوزيع الريع والولاء، إلى الإدارة التي لم تعد تخدم المواطن بل تذلّه، وصولاً إلى السلطة القضائية التي فقدت استقلاليتها وأصبحت أداة لقمع المعارضين. لكن أظلم تلك المؤسسات وأكثرها بطشاً كانت الأفرع الأمنية؛ تلك “الدولة العميقة” التي كانت تختطف المواطنين لمجرد الشبهة، وتعتقلهم في زنازين تحت الأرض حيث كان التعذيب منهجاً والموت تحت وطأة التنكيل مصيراً لآلاف الأبرياء. هذا الخوف الممنهج كان عنوان المرحلة، حيث سيطرت الدولة على الإعلام كلياً، وأحكمت قبضتها على كل المنافذ.

لم يقتصر الفساد على المؤسسات المدنية والأمنية فحسب، بل امتد ليحول الجيش العربي السوري، الذي كان مفخرة للأمة، إلى أداة طائفية لقمع الشعب. بنى حافظ الأسد جيشاً عقائدياً طائفيّاً من الصعب تفكيك تركيبته، فعندما بدت الجيوش العربية مساندة لشعوبها في بعض الدول، كان جيش بشار الأسد يطلق الرصاص الحي على المتظاهرين، مدافعاً عن العائلة الحاكمة ومصالحها، بدل أن يدافع عن المواطن ضد العدو الخارجي، فصار يقصف بيوته ويهجره من أرضه ويقتل أطفاله باسم “مكافحة الإرهاب”، تاركاً وراءه خراباً لم يسبق له مثيل.

ثانياً: شرارة الثورة.. من درعا إلى دمشق الفيحاء

كانت الشرارة الأولى في مدينة درعا جنوب البلاد، عندما اعتقلت قوات النظام مجموعة من الأطفال وعذبتهم بسبب كتابتهم شعارات تطالب بالحرية على جدران مدرستهم، ليرد عليهم النظام بالرصاص والغاز. فكانت تلك الواقعة بمثابة الشعلة التي أشعلت فتيل الثورة في الثامن عشر من آذار، لتنطلق بعدها المظاهرات السلمية المطالبة بالكرامة والحرية. وفي 15 آذار/مارس 2011، تظاهر عشرات المطالبين بالحرية في سوق الحميدية بدمشق الفيحاء، وهو التاريخ الذي يعتبر انطلاق الثورة نحو العاصمة. سرعان ما انتقلت الثورة من درعا إلى دمشق وريفها، فحمص وحماة، إلى الساحل السوري الذي هب فيه الأهالي الأحرار، ومن ثم إلى إدلب وحلب والرقة ودير الزور. لم تبقَ قرية صغيرة ولا حارة شعبية ولا بيت حر إلا ودخلته الثورة.

ومع تصاعد وتيرة القمع، اتخذ الضباط الأحرار الشرفاء قراراً مصيرياً، فقاموا بتشكيل وتأسيس “الجيش السوري الحر”، المؤلف من ضباط وجنود منشقين عن جيش النظام، إلى جانب مدنيين قرروا حمل السلاح دفاعاً عن ثورتهم وأهليهم. تمكن مقاتلو المعارضة من السيطرة على معاقل مهمة، خصوصاً في مدينتي حمص وحلب. لعب إعلام التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في كسر حاجز الخوف ونقل الصوت إلى العالم. فبعد أن كان الدخول إلى فيسبوك محظوراً منذ 2007، رفعه النظام في فبراير 2011 كمحاولة لامتصاص الغضب، ليتحول هذا القرار إلى نعمة على الثورة. أسهم في التواصل بين الناشطين، بينما صار يوتيوب أداة التوثيق الأهم، حيث وثق المواطنون الصحافيون انتهاكات النظام، مما جعل الصراع السوري أكثر صراع وثق حول العالم عبر الفيديو.

ثالثاً: حين تحولت الثورة إلى حرب وجودية.. تحالف الأشرار

عندما رأى النظام أن أوراقه المحلية تتساقط، لم يتردد في الاستعانة بحلفائه الإقليميين والدوليين. وهنا تكمن خصوصية المأساة السورية، فما جرى في سورية لم يحدث في أي صراع آخر. ففي فيتنام وأفغانستان وغيرهما، كان قطب شر يتواجه مع آخر. أما في سورية، وعلى الشعب الأعزل، فقد تحالف كل الأشرار واجتمع كل الأضداد. جاءت إيران على رأس القائمة، ففتحت حدودها لميليشياتها كـ”حزب الله” اللبناني والحشد الشعبي العراقي. وفي العام 2015، تدخلت روسيا عسكرياً، فقصفت المدن والقرى الثائرة بصواريخها.

وما يزال السوريون الأحرار الأبطال ينازلون قطب العالم الأعظم، ينازلونه منفردين.. بلا نصير ولا معين. وها هي الأرقام التي صرح بها وزير الدفاع الروسي نفسه تروي جزءاً من هذه الجريمة الكبرى: زجت روسيا، دولة المافيا والجريمة، بحوالي 63 ألف “إرهابي مقاتل” حسب وصفهم، منهم 434 جنرالاً وأكثر من 25 ألف ضابط، و4349 ضباط متخصصون في جريمة القتل الصاروخية. وزجت بـ83 سفينة و86 سفينة حربية و14 غواصة، ونفذت 189 حملة عسكرية. شنت الدولة الروسية، بالتواطؤ مع قطب العالم الآخر، ضد أطفال سورية ومستشفياتهم ومدارسهم، 39 ألف طلعة جوية، منها 20 ألف طلعة في الليل والأطفال في فرشهم هاجعون، بمعدل 100 طلعة جوية في اليوم. وبلغ عدد الطلعات الجوية في بعض الأيام 139 غارة جوية، هذا عدا غارات البراميل. واستخدم المحتل الروسي 25 ألف طلعة لطائرات بدون طيار ضد أطفال سورية ونسائها، واختبر 316 سلاحاً استراتيجياً حديثاً، تم تجريبها في المشافي والمساكن وعلى لحوم الأطفال والنساء. في موازاة ذلك، شن النظام حرباً إعلامية ونفسية شرسة، معتمداً على “بروباغندا الإرهاب” والتخويف الطائفي.

رابعاً: المشهد الميداني والسياسي.. خارطة مجمدة واستحقاقات مؤجلة

رغم تراجع حدة العمليات العسكرية الكبرى بعد سقوط النظام أواخر 2024، إلا أن سوريا تدخل عامها الخامس عشر وهي تعيش حالة “اللاحرب واللاسلم”. لا تزال الجغرافيا السورية تعاني من تعدد القوى وتقسيم مناطق النفوذ بين أطراف دولية ومحلية، كما أن تعثر المسارات السياسية جعل الحل الشامل يبدو بعيد المنال في ظل غياب التوافق الدولي. ومع ذلك، أثبتت السنوات الماضية أن “فكرة التغيير” لا تزال حية، من خلال استمرار الحراك السلمي في مناطق مختلفة (مثل حراك السويداء) كدليل على أن المطالب المحقة بالحرية والكرامة لا تسقط بالتقادم، وبروز دور منظمات المجتمع المدني السورية في المحافل الدولية كقوة ضاغطة من أجل العدالة والمحاسبة.

خامساً: عام على التحرير.. من المواجهة العسكرية إلى معركة البناء الاقتصادي

اليوم، وبعد مضي أكثر من عام على سقوط النظام، تقف سوريا عند مفترق طرق تاريخي، حيث لم يعد المشهد محصوراً في الخنادق، بل انتقل إلى أروقة السياسة الموصدة وطاولات الاقتصاد المنهك. إن إعادة الحياة السياسية وتنشيط الدورة الاقتصادية باتا يشكلان وجهين لعملة واحدة: “البقاء السوري”. لقد تعلمنا أن الفساد والظلم أساس الهزائم. لكن التحدي الأكبر اليوم يتمثل في تفكيك ثقافة “مع أو ضد” التي زرعها النظام لعقود، والتي تعيد إنتاج نفسها في الفضاء الرقمي والواقع الجديد، عبر تخوين المخالف ووصمه، مما يحول دون تشكل فضاء وطني جامع.

ويعيش المواطن السوري اليوم أصعب فصول الأزمة اقتصادياً، حيث تجاوز التضخم حدوداً قياسية، مما جعل تأمين الحاجات الأساسية هماً يومياً يطغى على أي طموح سياسي. سنوات الحرب دمرت البنية التحتية الإنتاجية، وحولت الاقتصاد السوري من “منتج ومكتفٍ” إلى “مستهلك ومستورد”. إن إعادة بناء الاقتصاد السوري لا يمكن أن تتم بجهود حكومية منفردة، بل تتطلب صيغة “تشاركية ذكية” تجمع بين الدولة والتجار والصناعيين ورجال الأعمال. لا يمكن الحديث عن “إعادة حياة سياسية” في بيئة اقتصادية منهارة. إن البدء بتمكين التاجر والصناعي السوري هو الخطوة الأولى لاستعادة الطبقة الوسطى، وهي الطبقة الوحيدة القادرة على إنتاج حياة سياسية صحية ومتوازنة.

ويظل ملف المعتقلين والمفقودين “الحاضر الغائب” والأكثر إيلاماً، حيث تترقب آلاف العائلات معرفة مصير أبنائها كشرط أساسي لأي سلم أهلي مستقبلي، كما أن المخاوف تتزايد بشأن مستقبل الحريات، حيث بات بعض النشطاء يخشون العودة أو التعبير عن آرائهم، مما يؤكد أن سقوط النظام لا يعني سقوط منظومته الثقافية، وأن المعركة الأهم هي معركة الوعي وبناء الدولة على أسس المواطنة المتساوية.

خاتمة: سوريا لكل السوريين.. دعوة للنهضة

إن الذكرى الخامسة عشرة ليست مجرد مناسبة للبكاء على الأطلال، بل هي وقفة لمراجعة الأخطاء واستلهام الدروس. إن استعادة القرار الوطني السوري وبناء دولة المواطنة والمؤسسات يظل هو الهدف الأسمى الذي ضحى من أجله السوريون، وهو الطريق الوحيد لإنهاء معاناة طال أمدها. إن بناء الدولة السورية القوية لا يكون إلا بالمشاركة الحقيقية للجميع، من مختلف الفئات والطوائف والأعراق. علينا أن نرسخ مبدأ المواطنة، وأن نضمن مؤسسات نزيهة، وأن تكون العدالة الانتقالية أساساً لمرحلة جديدة. إن نجاح سوريا في تجاوز عقدها الخامس عشر رهينٌ بقدرة الدولة على التحول إلى “شريك” لا “رقيب”، وقدرة القطاع الخاص على التحول إلى “رافعة وطنية” لا مجرد “باحث عن الربح”. لقد أثبتم أنكم أسياد التحرير، والآن آن الأوان لتكونوا أسياد البناء. فلتكن ذكرى الثورة حافزاً لنا جميعاً لبناء سوريا القادمة.. سوريا الكرامة والحرية والعدالة للجميع.

Exit mobile version