قراءة تحليلية في تضارب الروايات واختراق البنية الأمنية وتهميش قوى الثورة.

قراءة تحليلية في تضارب الروايات واختراق البنية الأمنية وتهميش قوى الثورة.

في المراحل الانتقالية الحساسة، لا تكون الأخطاء الأمنية مجرد حوادث معزولة، بل إشارات تستوجب التوقف عندها بجدية، وما رافق الأحداث الأخيرة من تضارب في الروايات الصادرة عن جهات محلية ودولية يفتح الباب أمام قراءة تحليلية هادئة، هدفها المساهمة في تصويب المسار، لا الدخول في سجالات أو تبادل اتهامات.

إن اختلاف توصيف أي حادث أمني، بين كونه فعلاً خارجياً أو اختراقاً من الداخل، ينبغي أن يدفع إلى مراجعة آليات العمل داخل المؤسسات المعنية، وتعزيز الشفافية في إدارة المعلومات. فالدولة القوية لا تخشى الاعتراف بالخلل، بل تعتبره خطوة أولى في طريق الإصلاح والتحصين.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في طبيعة التهديد، بل في كيفية التعامل المسبق معه، فحين تتوافر تقارير تحذيرية عن عناصر تحمل أفكاراً متطرفة، دون أن تُستكمل الإجراءات الإدارية والتنظيمية بحقها في الوقت المناسب، فإن ذلك يستدعي تطوير أدوات المتابعة، وتفعيل مبدأ المساءلة، وضمان التنسيق الفعلي بين المؤسسات الأمنية.

وفي هذا السياق، تبرز ملاحظة بالغة الأهمية تتعلق بإدارة الموارد البشرية للدولة، إذ إن تهميش قوى الثورة السورية الحقيقية، من حقوقيين وقانونيين، وضباط منشقين، وسياسيين كانوا في الصفوف الأولى منذ اليوم الأول، ودافعوا عن القضية السورية في المحافل الدولية، يمثل خسارة وطنية لا سياسية فحسب. هؤلاء يشكلون مخزوناً من الخبرة والمعرفة والعلاقات، كان من الممكن أن يسهم في بناء مؤسسات أكثر توازناً ومناعة.

ويمتد هذا التهميش ليشمل الثوار الذين كانوا في الميدان، والإعلاميين و الصحفيين المستقلين الذين رافقوا الحدث السوري على مدى أربعة عشر عاماً، ووثّقوا تفاصيله في أصعب الظروف، إن إشراك هذه الفئات، أو الاستفادة من خبراتها على الأقل، من شأنه تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وتوسيع قاعدة الشراكة الوطنية، وهي عناصر أساسية لأي استقرار مستدام.

كما تشير القراءة التحليلية إلى أهمية إعادة النظر في معايير التعيين داخل مؤسسات الدولة، فالاعتماد المفرط على الولاء، حتى وإن كان بدافع الحرص على الاستقرار، قد يؤدي عملياً إلى نتائج عكسية، عبر إضعاف الكفاءة المؤسسية وفتح المجال أمام اختراقات فكرية وتنظيمية. إن التوازن بين الثقة والكفاءة يبقى شرطاً ضرورياً لبناء أجهزة فاعلة وقادرة على حماية الدولة.

أما على الصعيد الدولي، فإن التعامل البراغماتي لبعض الأطراف مع الواقع القائم لا ينبغي أن يُفسَّر بوصفه بديلاً عن الإصلاح الداخلي، فالدعم الخارجي، مهما كان حجمه، لا يمكن أن يعوّض عن بناء مؤسسات وطنية راسخة، تستند إلى المهنية والمساءلة والشراكة الواسعة.

خلاصة هذه القراءة لا تهدف إلى الإدانة، بل إلى التنبيه، فالفارق بين الدولة والسلطة يظل معياراً حاسماً في هذه المرحلة، الدولة مشروع جامع وطويل الأمد، أما السلطة فمرحلة عابرة، وكلما اتسعت دائرة الشراكة، وتعمّق الإصلاح، واستُثمرت خبرات من حملوا عبء الثورة والدفاع عن سورية لسنوات، اقتربت البلاد أكثر من الاستقرار الحقيقي القائم على أسس صلبة.

Exit mobile version