سهل الغاب يخسر جاموسه: أرقام تكشف حجم الانهيار

                   
يقف صقر، 44 عاماً، عند باب حظيرته في سهل الغاب، لا يتفقد قطيعه بقدر ما يحدّق في الفراغ الذي خلّفه. “المكان صار أوسع من اللازم”، يقول.

قبل أشهر فقط، كانت الحظيرة تضج بحركة سبعة عشر رأساً من الجاموس، نفق معظمها خلال شهر واحد. بقيت بضع جواميس على قيد الحياة، نجت لكنها بالكاد تقف. يستدرك صقر بعد صمت قصير: “هي أسوأ سنة مرّت علينا. ما مرّ عليّ هيك وضع من قبل”.

ما يحدث في هذه الحظيرة هو مشهد مكثف لانهيار بطيء يطال تربية الجاموس في سهل الغاب، إحدى أقدم البيئات التي استقر فيها هذا الحيوان في سوريا.

الجاموس، الذي ورد أول ذكر له في كتب العرب عند المسعودي، دخل بلاد الشام في القرن التاسع قادماً من الهند عبر البصرة، واستقر مع الزمن في مناطق الأنهار والمستنقعات. هناك، صار جزءاً من دورة حياة كاملة: زراعة، رعي، ماء، وحليب، تشكل مورد رزق ثابت لعائلات توارثت المهنة جيلاً بعد جيل.

تميّز الجاموس السوري بقدرته العالية على التأقلم مع البيئات الرطبة، واعتماده على المراعي الطبيعية ومخلّفات المحاصيل، إضافة إلى إنتاجه حليباً غنياً بالدسم، يدخل في صناعات غذائية محلية. هذا التوازن جعل تربيته مجدية اقتصادياً لعقود طويلة، قبل أن يبدأ بالتآكل تدريجياً مع تغيّر الظروف البيئية والسياسية.

مطلع الألفية، صنّفت منظمة الأغذية والزراعة العالمية “فاو” جاموس الغاب ضمن السلالات المهددة بالانقراض. كان التحذير مبكراً، لكن التعامل معه بقي شكلياً. حتى عام 2011، تشير وكالة الأنباء الرسمية “سانا” إلى أن عدد رؤوس الجاموس في سهل الغاب كان يتجاوز ألفي رأس، وكانت القطعان تعتمد بشكل أساسي على المراعي الطبيعية والمياه الراكدة حول البرك والمستنقعات، ما خفّض تكلفة العلف وجعل التربية قابلة للاستمرار.

قبل ذلك بسنوات، خصصت وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي محمية طبيعية لتربية الجاموس قرب بلدة شطحة في ريف حماة، عُرفت باسم “محمية الدردار”، على مساحة تقارب 500 دونم. المحمية شكّلت اعترافاً رسمياً بأهمية هذا الحيوان وخصوصية بيئته، لكنها لم تعمّر طويلاً.

مطلع عام 2012، حوّلت قوات نظام الأسد المحمية إلى نقطة عسكرية ومركز تجميع كبير لقواتها، بسبب موقعها المرتفع والمشرف على كامل سهل الغاب، من قرى العمقية والعنكاوي شمالاً حتى الشريعة والتوينة جنوباً. منذ تلك اللحظة، مُنع مربو الجاموس من دخول المحمية نهائياً، وخسروا مساحة رعي أساسية لا يمكن تعويضها.

تلك كانت النكسة الأولى. العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة أدت إلى انحسار المساحات المتاحة للرعي، ونفوق أعداد من الجاموس نتيجة القصف والتوترات الأمنية. ومع تراجع السيطرة على الموارد، بدأت التربية تفقد مقوماتها الأساسية.

لاحقاً، جاء الجفاف ليقلب المعادلة بالكامل. تراجع معدلات الأمطار وانحسار الغطاء النباتي دفع المربين إلى الاعتماد شبه الكامل على العلف. في الوقت نفسه، ارتفعت أسعاره إلى مستويات غير مسبوقة، مع توقف الدعم الحكومي الذي كان يؤمّن نحو 150 كيلوغراماً شهرياً لكل جاموسة.

نمير سلوم، أحد أقدم مربي الجاموس في الغاب، يختصر التحول بلغة الأرقام: “كان عندي حوالي 60 رأس. اضطريت بيع 40، بسبب نقص مساحة الرعي”.

يضيف نمير : “كيلو العلف وصل لـ 5000 ليرة حوالي نصف دولار، (الدولار يعادل حوالي  10 آلاف ليرة سورية آنذاك)، والدعم انقطع كلياً”. بالنسبة له، لم تعد التربية مشروعاً اقتصادياً، بل محاولة يائسة “للمحافظة على عدد قليل ليطعمي بعضه البعض”.

هذا الضغط الاقتصادي تزامن مع أزمة مائية متصاعدة. إعادة تنظيم المسمكة في المنطقة وتوسّع مشاريع الاستزراع السمكي قاسمت الجاموس على المياه التي يعتمد عليها أساساً. يقول نمير إن الجاموس “صار يعيش على الحد الأدنى من المياه”، ما انعكس مباشرة على صحته وإنتاجه، في بيئة يفترض أن تكون غنية بالماء.

مع سوء التغذية وضعف المناعة، وجدت الأمراض طريقها سريعاً إلى القطعان. مرض الحمى القلاعية كان الأشد فتكاً.

ضحية سليمان سلوم، من عائلة امتهنت تربية الجاموس لعقود، تصف المشهد باختصار: “المرض عم يفتك فيهن. كتير ناس باعت غصب”. برأيها، اجتماع الجفاف ونقص العلف وقلة المياه جعل المرض أكثر قسوة من أي وقت مضى.

صقر سلوم يضع أرقاماً صادمة للخسارة: “نسبة النفوق وصلت لـ50% ويمكن أكتر. اللقاح اللي أخدناه لم يكن فعال، وطلبنا لقاح سبع أمراض،  لكنه لم يصل”. ومع ارتفاع أسعار الأدوية البيطرية، بات العلاج نفسه عبئاً إضافياً لا يقدر عليه كثير من المربين، ما يدفعهم إلى البيع أو ترك المهنة نهائياً.

الأزمة لم تتوقف عند هذا الحد. النزاع على المراعي أضاف طبقة جديدة من الخسارة. مساحات واسعة كانت مخصصة تاريخياً لرعي الجاموس، جرى استثمار أجزاء منها في مشاريع سمكية، فيما مُنع المربون من استخدام البقية بذريعة “التنظيم” و”الأمن”. 

يقول صقر: “من أصل 1000 لـ1500 دونم استثمروا الثلث، والباقي ما سمحوا نستخدمه. وصل الأمر لإطلاق النار على الجاموس لما نزل عالمراعي”.

كل هذه العوامل انعكست مباشرة على الجدوى الاقتصادية. الجاموسة التي كانت تنتج كميات وافرة من الحليب، تراجع إنتاجها إلى حدود كيلوغرامين يومياً. في المقابل، تجاوز سعر كيلو العلف الخاص 5000 ليرة، والتبن 4500 ليرة بما يعادل نصف دولار.

الحساب بسيط: تكلفة التغذية اليومية أعلى من قيمة الحليب المنتج. يختصر صقر المفارقة بمرارة: “صرنا نشتغل بخسارة. أحياناً بيع التبن أربح من تربية الجاموس”.

اليوم، لم يبقَ في سهل الغاب سوى نحو 400 رأس جاموس، موزعة على أربع قرى فقط. رقم صغير، لكنه يحمل دلالة كبيرة على حجم التراجع خلال سنوات قليلة.

مربو الجواميس يؤكدون أن مطالبهم لم تتغير منذ أكثر من عقد: دعم الأعلاف، تأمين لقاحات فعالة، حماية المراعي، واستيراد سلالات محسّنة أكثر إنتاجية. ما تغيّر هو الوقت. الوقت الذي لم يعد في صالحهم.

مع تغيّر المناخ، تراجع الموارد المائية، واشتداد المنافسة على الأرض، يحذر المربون من أن أعداد الجاموس قد تنخفض إلى أقل من 10% خلال سنوات قليلة إذا استمر الوضع على حاله. في سهل الغاب، حيث كان الجاموس رمزاً لوفرة الماء وخصوبة الأرض، تقف هذه الثروة الريفية اليوم على حافة الانقراض المحلي، نتيجة سلسلة مترابطة من الأزمات، لا يمكن فصل واحدة منها عن الأخرى.

بحسب الأهالي ما يختفي هنا ليس مجرد حيوان، بل نمط عيش كامل، ومعه جزء من ذاكرة المكان وهويته الزراعية، التي تتآكل بصمت، رأساً بعد رأس.


“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة شبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”.

Exit mobile version