كنت صغيرة في المرة الأولى التي دخلت فيها مع أمي إلى عيادة نسائية وتوليد. استلقت خلف ستارةٍ، وبدأت الطبيبة تشرح لها عبر شاشةٍ تلوح منها خيالات غامضة. اليوم، أعود إلى العيادة النسائية بوصفها مساحة قابلة للتشريح. مكاناً تدور في كواليسه قصص لا تُحصى. أدخل بحواس مختلفة، أستمع إلى أحاديث النساء في غرفة الانتظار، أراقب الحوامل بأشهرهن المتفاوتة، الزحمة أمام باب الحمّام، والرجال الذين يتململون في الخارج.
تُروى هنا حالات وتجارب قبل الدخول إلى غرفة الطبيبة. لا حواجز ولا خجل من مفارقات جنسية أو مشكلات مع الشريك. وفي الوقت نفسه، تُستعاد تفاصيل الفقد والنزوح، ويُناقش الواقع السياسي بلا مواربة.
هذه هي الزيارة الأولى لحميدة، 21 عاماً، القادمة من محافظة دير الزور. وصلت إلى العيادة بعد أن دلّتها قريبتها على طبيبة قد تساعدها على الإنجاب. تكرر في كل مرة أن “الأمر بيد الله”، لكنها تتمنى أن تصبح أمّاً قبل فوات الأوان. خوفها لا ينفصل عن سنوات من عدم الاستقرار، عن حياة تنقلت فيها بين أماكن مؤقتة، بلا بيت ثابت أو ظروف صحية مستقرة.
في غرفة الانتظار، تخبرها إحدى المراجعات أنها انتظرت ستة أعوام قبل أن تحمل، ولم يحدث ذلك إلا بعد انتقالها من بيت أهل زوجها. تقول: “كنا أحد عشر شخصاً في مكان واحد. كل ما أتذكره أنني كنت أشعر بالاختناق”.
ما يُقال في هذا المكان لا ينفصل عن سياق عام أوسع. ففي عام 2014، اتهمت منظمة “هيومن رايتس ووتش” نظام الأسد بـ “معاقبة” السكان عبر هدم آلاف المنازل في البلاد. سياسة لم تقتصر على تدمير العمران، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، ومنها صحة النساء.
كثير من النساء اللواتي عشن تجربة النزوح لم يحصلن على رعاية صحية مناسبة أو مرافق تضمن ولادة آمنة. اضطررن للعيش في مراكز غير مؤهلة كالمدارس والمنشآت العامة، أو إلى تقاسم السكن مع أكثر من أسرة في شقة واحدة نتيجة العوز. سُجل ارتفاع في التهابات المهبل وعنق الرحم، وانتشار الفطريات والبكتيريا المختلطة، بسبب انعدام شروط النظافة و الاكتظاظ في مراكز الإيواء والمخيمات.
من بين هؤلاء النساء أسماء، 32 عاماً، من ريف دمشق. أنجبت طفلها البكر في مركز إيواء بعد نزوحين متتاليين. تقول إنها خافت أن تموت أثناء الولادة، فقد كانت مجهدة. مثل كثيرات غيرها، عانت ظروفاً قاسية لسنوات، بعضهن أصبن بصدمات نفسية و كآبة ما بعد الولادة، وبعضهن فقدن حياتهن نتيجة سوء الرعاية الصحية.
سمّت أسماء طفلها “البطل”. وُلد بصحة جيدة رغم أنها لم تكن تحصل على تغذية كافية. أرضعته عاماً كاملاً لأنها لم تكن قادرة على شراء الحليب.
تشير أرقام الأمم المتحدة إلى تهجير 14 مليون سوري قسراً، بينهم سبعة ملايين نازح داخلياً. سقوط النظام السوري منح أملاً لأكثر من ستة ملايين نازح بالعودة، لكن غياب خطط إعادة الإعمار أجبر كثيرين على العودة القسرية إلى منازل مدمّرة أو غير آمنة، بلا كهرباء أو مياه أو صرف صحي.
تحكي إحدى الأمهات أنها تعيش في منزل آيل للسقوط في منطقة القدم بدمشق، وتشتكي من تعرض رضيعها لعضة جرذ بسبب انتشار القوارض، وتحاول أن تؤمن له قفصاً يحميه منها.
الملاحقة الأمنية التي فرضها النظام السابق على المطلوبين للخدمة الإلزامية أجبرت كثيراً من الرجال على البقاء في بيوتهم، ما زاد العبء على النساء اللواتي خرجن إلى سوق العمل وأصبحن المعيلات الوحيدات لأسرهن في ظروف قاسية ودخل هش.
أم رهف، 39 عاماً، تشارك النساء خبرتها. في شهرها التاسع، حملها الرابع، تجلس بثقة وتتحدث بصوت عالٍ. تقول إنها استمرت في العمل حتى بعد ولادات قيصرية، لأن زوجها كان مطلوباً للخدمة الاحتياطية ولم يكن يجرؤ على الخروج حتى لشراء الخبز. تقاطعها إحدى النساء: “وشو كان بدّك فيه؟” فيضحكن جميعاً.
لم تغب أحداث السويداء الأخيرة عن النقاشات فآثار الاقتتال العسكري كانت حاضرة بقوة. ربا جاءت من المحافظة التي شهدت أحداثاُ دامية في 13 تموز/ يوليو الماضي بعد دخول القوات الحكومية واندلاع اشتباكات مع الفصائل المحلية، حُوصر خلالها المستشفى الوطني. ما تزال السويداء تعيش أزمة إنسانية غير مسبوقة بعد تهجير أكثر من 127 ألف أسرة من ريفها الغربي، وتأثر النساء بشكل خاص مع اختفاء أكثر من مئة سيدة وتوثيق حالات خطف واعتداء واغتصاب.
ربا، التي حوصرت في المستشفى، تروي كيف هربت مع مولودتها بين القذائف والجثث الملقاة على الأرض. تقول: “خوف وحصار وجهد بعد ولادة قاسية.. أردت أن ينتهي كل هذا”. كانت قد انتظرت ابنتها لعامين، لكنها في لحظة يأس تمنّت ألا تأتي. “كان علينا أن نستقبلها في بلد أفضل”.
في العيادة، تتكافل النساء في حصة ألم واحدة. يناقشن أيضاً سياسات السفر، تعقيدات السفارات، وتأخير لمّ الشمل. بجانبي صبية صغيرة صامتة. أسألها منذ متى تنتظر؟ تقول: “بعدني عروس.. تزوجنا وسافر. سيأتي إلى لبنان.. نريد طفلاً خلال عشرة أيام”.
بين التأخير السياسي ومعارك الدبلوماسية، تجد النساء أنفسهن في سباق مع الزمن، لا يرغبن بخسارة حلم أمومة مؤجل. وحين يعجز الطب عن تقديم إجابة سريعة، يدخل الحديث عن الغيبيات. الفقر واليأس والخوف يدفع كثيرات إلى تصديق العلاج الشعبي.
تقول حميدة: “رحت لعند شيخ، بس ما فادني”. تتوالى النصائح: رقى، حجامة، حُجُب، تحذيرات من الحسد. يُطرح مصطلح “الرحم المفتوح” بلا معنى علمي، ويُتداول وكأنه تشخيص طبي. يصل الأمر إلى الحديث عن “التابعة”، ويُقال لحميدة: “عليكِ قتلها”. في مقابل ذلك، تُتهم الحكومة الحالية بشرعنة بعض هذه الممارسات عبر وزارة الأوقاف، باستحداث دائرة للرقى الشرعية وفعاليات تدريبية ودعوية في هذا المجال.
تعد حميدة النساء بأنها ستجرّب كل شيء، فيما ما تزال تنتظر دورها للدخول إلى الطبيبة.
بعد انتهاء المعاينات، أدخل غرفة د. سمر. على الجدران أسماء أطفال أشرفت على ولادتهم. تناديها المراجعات “ماما”. تقول إن النساء في الداخل والخارج يعشن ضغطاً واحداً بأشكال مختلفة. كثيرات يعانين أمراضاً مناعية ذاتية سببها الاكتئاب والتوتر المزمن.
تستحضر حالة شابة أصيبت بالتهاب فقاري لاصق، وهي طبيبة مقيمة في ألمانيا. تشير إلى ارتفاع حالات اضطراب الدورة الشهرية وفرط البرولاكتين نتيجة الضغط المستمر. تقول إن الوعي بالصحة الإنجابية ما يزال ضعيفاً، وتُكتشف حالات سكري الحمل أو ضعف نمو الجنين متأخرة. تحكي عن عروس لم تبلغ الثامنة عشرة وصلت الإسعاف بتمزق مهبلي. تؤكد أن هذه الحالات ليست نادرة ولا محصورة ببيئة معينة.
لم تكن زيارتي إلى العيادة مجرد فحص طبي. كانت مرآة للسياسات التي تتخلل حياة النساء، حيث يتشابك الجسد مع الحرب، والخوف مع الأمومة، والطب مع السياسة.
في غرفة انتظار ضيقة، جلست مع سوريات في المنتصف بين حرب تركنها خلفهن، وغدٍ غامض مثقل بعدم اليقين. نساء سوريا يشبهن هذه العيادة: مساحة واحدة تختزن وجعاً عاماً. وما من بلادٍ معافاةٍ دون نسائها.
“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة شبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”.
