إجازة صحيّة لناعورة المأمورية

 إجازة صحيّة لناعورة المأمورية

يعبر الناس اليوم مجرى نهر العاصي سيراً على الأقدام. المسافة بين حديقة أم الحسن وناعورة المأمورية صارت طريقاً مكشوفاً، النهر شبه جاف، برك ملوثة متفرقة فقط. الجفاف، وقلة الأمطار، وانخفاض منسوب سد الرستن أوقفت المياه عن مجرى النهر، وحصرت استخدامها بالري خارج المدينة.

مع شلل نهر العاصي والجفاف الذي ساد طوال السنوات الماضية، كانت النواعير تتوقف عن الدوران لأشهر متواصلة في كل عام. ومع هذا الغياب الطويل للماء، تعرّضت أجسادها الخشبية لتقلبات مناخية قاسية، جفّت أجزاء منها وبدأت بالتساقط تدريجياً. ويشير مختصون إلى أن هيكل الناعورة يبدأ بالتآكل بعد نحو عشرة أيام فقط من انقطاع المياه، ومع استمرار الشلل، يصبح سقوطها الكامل احتمالاً قائماً في أي لحظة.



على ضفة العاصي، قبالة حيّ الطوافرة وبجوار بستان “أم الحسن” وناعورة “الجسرية”، تقف ناعورة المأمورية شاهدةً على سنوات من الجفاف والتقلّبات القاسية. خلال هذا الزمن، تكسّرت صناديقها المئة والعشرون، وتهالك خشبها الذي طالما حمل الماء بصبر، حتى صار توقّفها عن الدوران أمراً لا مفرّ منه. وفي يوم غائم من كانون الأول (ديسمبر) الماضي، أخذت الناعورة ما يشبه إجازةً صحّية، بعد أن أنهكها الغياب الطويل لشريكها الوحيد: مياه العاصي.

في العهد العثماني، عُيّن لها “مأمور” لإدارة شؤونها، يحدد كمية المياه لكل جهة، يوثق مدة الدوران، ويجبِي الأموال المخصصة للسقاية لترميم الناعورة باستمرار. من هذا الموقع وزعت مياه ناعورة المأمورية على العديد من مساجد المدينة، مثل الجامع العجمي والعثماني في خان الصحن، وسقت الحمامات الأثرية في سوق حماة، كالدرويشية والحلق، وامتدت خدماتها لتشمل المقاهي والأسواق والبيوت والطواحين النهرية. لا يزال الركن المخصص للمأمور موجوداً خلفها، يقابله ناعورتا المؤيدية والعثمانية الصغيرتان، اللتان تدوران معها في مجرى مائي واحد.

تضم مدينة حماة سبعاً وعشريون ناعورة، لكن خلال السنوات الماضية خرجت منها اثنتا عشرة عن الخدمة، معظمها على أطراف المدينة مثل ناعورة الضاهرية وشيزر وكازو. بقي منها خمس عشرة ناعورة، يدور منها اليوم تسع فقط.

يعزو العاملون في صيانة النواعير السبب الأكبر في تهالكها إلى الإهمال الرسمي خلال السنوات السابقة، والمستمر حتى الآن. 

يلعب عامل آخر لا يقل أهمية عن المياه دوراً أساسياً في ثبات النواعير والحفاظ على شكلها وعمرها الفني، وهو نوعية الأخشاب المستخدمة في صناعتها، إذ تُصنع من خشب “الحور” الذي يعيش على ضفاف النهر مغموراً بمياه دائمة، بالإضافة إلى أخشاب شجر الجوز والسنديان المقاومة لظروف الطقس وقلة المياه.

على مقربة من ساحة العاصي، نُقلت ناعورة المأمورية إلى ما يشبه “مستشفى مؤقت”: ورشة دائرة النواعير، حيث تُفكّك أجزاؤها الخشبية، وتُعاد صناعتها وتركيبها ضمن دورة صيانة دورية تهدف إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه. تتبع الدائرة إدارياً لمجلس بلدية حماة، وقد جرى دمجها عام 2001 مع دائرة الحدائق لتصبح “دائرة الحدائق والنواعير”، في محاولة لضمان استمرار العناية بهذه المنشآت المائية التي تشكّل جزءاً حيّاً من ذاكرة المدينة وهويتها.

تُعامل ناعورة المأمورية في ورشة دائرة النواعير كمريض في مستشفى، حيث يتولى العمال تفكيكها وتجهيز القطع الخشبية بدقة وفق قياسات محددة، لضمان عودتها للدوران وإطالة عمرها التشغيلي. هذا العمل يشكل جزءاً أساسياً من صيانة النواعير، التي تحتاج لمتابعة فنية وإدارية مستمرة للحفاظ على دورها في المدينة.

تواجه ورشة صناعة النواعير صعوبات متزايدة، مع تراجع الميزانيات وارتفاع تكلفة المواد الأساسية. تضاعفت أسعار الأخشاب والمسامير بشكل كبير، إذ وصل سعر جذع شجرة الحور إلى مليوني ليرة سورية بعد أن كان لا يتجاوز عشرة آلاف، وارتفع سعر خشب الجوز المستخدم في قلب الناعورة إلى نحو 2500 دولار، مع صعوبة تأمينه من الأسواق. هذا الواقع دفع الدائرة إلى استخدام بدائل أقل جودة مثل أخشاب شجر الكينا، ما أثر مباشرة على متانة النواعير وطول عمرها التشغيلي.

الصعوبات لا تقتصر على المواد فقط، بل تشمل صحة العاملين وسلامتهم أيضاً. الأجور تراجعت، الحوافز توقفت، والضمان الصحي غاب، ما جعل العمل في النواعير أقل أماناً وأكثر خطورة. تقلص عدد الخبراء من خمسة عشر إلى ستة فقط، بينما لا يمتلك الباقون الخبرة الكافية لتعليم الجدد، ما يهدد سلامة العاملين ويضع مستقبل النواعير على المحك.

مع سقوط النظام السابق وبداية مرحلة جديدة، يأمل العمال بتحسن ظروف العمل وتأمين الأخشاب والآلات اللازمة، لكن الوعود بقيت أكبر من التنفيذ. يقولون:
“نخاف أن تصل النواعير إلى الانقراض بزوال آخر من يعتني بها، فتصبح مجرد ذكرى”.

الناعورة في حماة أكثر من مجرد أداة لنقل المياه، هي هوية المدينة. تُرى وتُسمع في كل زاوية، تعيش في ذاكرة أهلها، في أغنية “سمعت عنين الناعورة”، في قفزات المراهقين إلى النهر، وفي انتظار الصياد لسمكته. سقت بيوتاً وبساتين لعقود ورافقت حياة كاملة. وحين تغيب، لا يختفي خشب يدور فحسب، بل يُمحى جزء من الذاكرة، ويخفت صوت المدينة وهي تحكي عن نفسها.

“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”.

Exit mobile version