أزمة المواصلات في المدن السورية.. ازدحام بلا حلول

في زحام الصباح البارد، حيث تتجمع السيارات كأنها قطعان لا تقوى على الحراك، يقف المواطن السوري حائراً ينظر إلى ساعة يده ثم إلى الأفق المسدود بالحديد والزجاج والعادم، ليدرك في تلك اللحظة أنه لم يعد يملك من عمره شيئاً، فقد التهمته شوارع مدينته التي تحولت إلى سجون متحركة. لا يختلف اثنان على أن أزمة المواصلات في المدن السورية قد تحولت إلى كابوس يومي يلاحق المواطن في صباحه ومسائه، بل أصبحت رفيقاً دائماً لا يفارقه، فالازدحامات المرورية لم تعد مقتصرة على ساعات الذروة الصباحية والمسائية كما كان الحال في الماضي القريب، بل امتدت لتشمل معظم ساعات النهار، حتى غدت المدينة كلها سوقاً كبيرة من السيارات المتوقفة تئن تحت وطأة الانتظار. إنها رحلة يومية من وإلى العمل أو الجامعة تتحول إلى ساعات من الانتظار المرهق في زحام لا يهدأ ولا يخف وطأته، وكأن على هؤلاء الناس ديناً من الوقت يؤدونه قهراً كل صباح. هذه المشكلة ليست وليدة اليوم بطبيعة الحال، لكنها تفاقمت بشكل كبير ومطرد في السنوات الأخيرة، وأصبحت تهدد إنتاجية الأفراد وتزيد من أعبائهم النفسية والمادية إلى درجة لم تعد تحتمل، حيث يهدر المواطن السوري ساعات ثمينة من عمره يومياً داخل سيارته أو في محطات الانتظار، كما يهدر معها أعصابه وأحلامه وراحته، ناهيك عن التكاليف الباهظة للوقود واستهلاك المركبات في زحام يلتهم كل شيء. وفي هذا السياق، يصدق قول الكاتب الفرنسي ألبير كامو: «لكل إنسان قدره، لكن السوري وحده من قدره أن ينتظر في الزحام ليصل إلى قدره».
تختلف طبيعة هذه الأزمة وحجمها بشكل لافت من محافظة إلى أخرى، ولكل محافظة سياقها الخاص الذي يفرض حلولاً تتناسب مع ظروفها الديموغرافية والجغرافية والاقتصادية، فما يصلح لدمشق لا يصلح بالضرورة لحلب أو حمص أو اللاذقية، وهذه حقيقة دقيقة غالباً ما تغيب عن ذهن صانع القرار حين يتعامل مع الأزمة وكأنها نمط واحد متجانس يتكرر بالسمات نفسها في كل مكان. لذلك سنتناول هنا حالتين رئيسيتين تمثلان نموذجين مختلفين للأزمة بكل تجلياتها: دمشق كعاصمة تعاني من اختناق هيكلي مزمن، وحلب كمدينة صناعية وتجارية عريقة تعاني من فوضى مرورية خانقة وإهمال تراكمي وصل إلى حدود لا تُطاق. كما يقول الأديب السوري حنا مينة في إحدى رواياته: «المدن كالأشخاص، لكل منها روحها وأوجاعها، وما ينفع هذا لا ينفع ذاك».
في دمشق، نجد أنفسنا أمام مشكلة هيكلية تراكمت على مدى عقود طويلة من الزمن، فدمشق هي عاصمة البلاد وأكبر مدنها على الإطلاق، وتضم الوزارات والجامعات والمستشفيات الكبرى والمؤسسات الاقتصادية والمالية، مما يجعلها مقصداً يومياً لمئات الآلاف من المواطنين القادمين من ريفها ومن المحافظات الأخرى، ناهيك عن سكان المدينة الأصليين الذين يتنقلون داخلها لقضاء احتياجاتهم اليومية. البنية التحتية للطرق في دمشق لم تعد قادرة على استيعاب هذا التدفق الهائل من المركبات، خاصة مع التوسع العمراني العشوائي الذي اجتاح المدينة وريفها في العقود الأخيرة، وزاد الضغط بشكل غير مسبوق على المحاور الرئيسية التي صُممت بالأساس لطاقة استيعابية أقل بكثير مما هي عليه اليوم. من يقف في زحام جسر الحرية الذي كان يُعرف سابقاً باسم جسر الرئيس، أو في ساحة الأمويين التي تختنق يومياً بآلاف السيارات، أو في منطقة سوق الحميدية حيث تتداخل حركة المشاة مع المركبات بشكل فوضوي، يشعر وكأن المدينة لم تعد تتسع لسكانها وكأنها تختنق ببطء تحت وطأة هذا العدد الهائل من البشر والمركبات. ويستحضر المرء هنا قول الشاعر السوري نزار قباني: «دمشقيون نحن.. والحزن فينا كالطين والجدران»، فالحزن اليوم يمتد من الجدران إلى الشوارع المزدحمة التي تلتهم أرواح سكانها.
السيارات الخاصة تملأ شوارع دمشق بلا حسيب ولا رقيب، وكأن لكل عائلة سورية عدة سيارات لا يمكنها الاستغناء عن واحدة منها، وسيارات التكسي العمومي التي يُفترض أن تكون جزءاً من الحل تتحول في كثير من الأحيان إلى جزء إضافي من المشكلة. فارتفاع أجور التكسي بشكل جنوني وغياب الرقابة الفاعلة على عملها جعلا المواطن العادي يعيش في حيرة دائمة لا مخرج منها: إما أن ينتظر ساعات طويلة في وسائل النقل العامة المزدحمة التي لا ترحم، وإما أن يدفع مبالغ لا تُطاق مقابل رحلة بتكسي يفتقر في كثير من الأحيان إلى الحد الأدنى من معايير السلامة والاحترام والكرامة الإنسانية. وفي هذا السياق يذكرنا المفكر الراحل جلال أمين بقوله: «المدينة الحقيقية هي تلك التي يستطيع فيها الفقير والغني التنقل بكرامة»، فهل تبقى لدمشق من كرامة ما دام مواطنها يقف ساعات في الشارع ينتظر مجيء أي وسيلة تنقله من هذا الجحيم؟
الحل الجذري لدمشق يتطلب بالضرورة مشاريع كبرى وجريئة، وعلى رأسها نقل جزء كبير من المؤسسات الحكومية والوزارات إلى عاصمة إدارية جديدة خارج المدينة، كما فعلت العديد من الدول التي عانت من اختناق عواصمها ونجحت في فك هذا الاختناق بخطوات استراتيجية مماثلة. فعاصمة مثل القاهرة كانت على وشك الاختناق التام قبل أن تنشئ عاصمتها الإدارية الجديدة، وكذلك فعلت كوريا الجنوبية مع سيول وماليزيا مع كوالالمبور. هذا النقل من شأنه أن يخفف الضغط بشكل كبير عن وسط دمشق، ويعيد توزيع الحركة على محاور جديدة، ويسمح بإعادة تخطيط المدينة بشكل أكثر إنسانية وراحة لسكانها. إضافة إلى ذلك، تحتاج دمشق بشكل عاجل إلى تطوير شبكة النقل العام بشكل جذري وشامل، بما في ذلك إحياء مشروع مترو دمشق الذي طال انتظاره لعقود من الزمن دون أن يرى النور، وكأن الحديث عنه أصبح أشبه بالأساطير التي تُروى للأطفال، وإنشاء خطوط حافلات سريعة ذات مسارات مخصصة ومنفصلة عن حركة المرور العادية، وتطوير تقاطعاتها الرئيسية بإنشاء جسور وأنفاق تفصل الحركة المرورية وتسهل انسيابها. لكن هذه الحلول بطبيعة الحال طويلة الأمد وتحتاج إلى تمويل ضخم وإرادة سياسية حقيقية، وهنا يبرز السؤال الملح كما يقول تشيخوف: «إذا كانت لديك الشجاعة فستجد الحل دائماً»، فهل من شجاعة كافية لمواجهة هذا الملف الشائك؟




