فظائع نظام الأسد وإشكالية التوثيق: بين الإجرام الممنهج وحرب الصور المضللة
فظائع نظام الأسد وإشكالية التوثيق: بين الإجرام الممنهج وحرب الصور المضللة

على مدار عقود من الزمن، وثّقت المحاكم الدولية ولجان التحقيق التابعة للأمم المتحدة، إلى جانب المنظمات الحقوقية الموثوقة، نمطًا منهجيًا من الجرائم التي ارتكبها نظام بشار الأسد وميليشياته المتحالفة معه. هذه الجرائم، التي ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق القانون الدولي، تشمل الإعدامات خارج القانون، والتعذيب في السجون السرية بدءًا من تدمر وصولًا إلى صيدنايا، والحصار الجَوعي للمدن كداريا والغوطة الشرقية ومخيم اليرموك ومضايا والزبداني وحلب، والهجمات الكيميائية كتلك التي وُثقت في الغوطة (2013) ودوما (2018)، والقصف العشوائي للمستشفيات والأسواق والمنشآت المدنية بالبراميل المتفجرة والصواريخ الحرارية. هذا الكم من الفظائع، الموثق بقنوات متعددة منها شهادات الناجين، ووثائق السجون العسكرية، وتحليلات صور الأقمار الاصطناعية، يغني عن الحاجة إلى صور فردية مجتزأة لإثبات وحشية النظام؛ فالإجرام هنا ليس لحظات عابرة بل سياسة دولة متكاملة.
ومع ذلك، فإن الحديث عن توثيق هذه الجرائم لا يمكن فصله عن سياق أكثر تعقيدًا، وهو ما يمكن تسميته بـ”حرب الصور الملوّثة” التي شهدتها الثورة السورية. ففي السنوات الماضية، تكررت ظاهرة تداول صور وفيديوهات تُنسب زورًا إلى جرائم النظام، ليتبين لاحقًا أن بعضها يعود لجرائم ارتُكبت في صراعات أخرى (كالعراق أو اليمن)، أو صور قديمة من حروب سابقة، أو مشاهد من أفلام أو مسلسلات. هذا النمط، سواء كان ناتجًا عن عدم مهنية في النقل أو عن نية مبيتة، يشكل سلاحًا ذا حدين.
إن خطورة تكرار هذه الممارسات، حتى لو كانت بحسن نية من بعض الناشطين، تكمن في ثلاثة أبعاد رئيسية:
أولًا: إنها تمنح نظام الأسد وحلفاءه “ذريعة أيديولوجية” للتشكيك في كل التوثيقات الجادة. فكلما تقدمت منظمات حقوقية بأدلة موثقة على جريمة حقيقية، يخرج إعلام النظام ليُظهر صورة مغلوطة انتشرت سابقًا كدليل على “كذب المعارضة”. هذا الأسلوب المتعمد، وهو أسلوب كلاسيكي في الحروب الإعلامية، يعمل على تفتيت مصداقية كل الروايات المعارضة عبر “تلويث البئر”.
ثانيًا: إنه يضر بالسردية التاريخية السورية ذاتها. فتوثيق جرائم نظام الأسد هو جزء من كتابة تاريخ سوريا العادل، وأي خطأ في هذا التوثيق يُفسح المجال أمام روايات بديلة تنكر الإبادة. الصورة الخاطئة لا تخدم الحقيقة، بل تخدم من يريد طمسها، لأنها تمنحه أداة سهلة للرد: “أنتم كاذبون، كما كذبتم في سابقتها”.
ثالثًا: إنه يخلق حالة من الارتباك والريبة لدى المراقب الغربي أو العربي غير الملم بتفاصيل الثورة السورية. هذا الشخص، الذي قد لا يملك معلومات كافية عن هرمية السجون أو أنواع الأسلحة المستخدمة في كل مرحلة، حين يرصد تضاربًا بين صورة وفيديو وآخر، قد يطور موقفًا شكاكًا تجاه كل ما يأتي من سوريا. وهذا بالضبط ما يسعى إليه دعاة التضليل: تحويل “الشهادات الموثقة” إلى مجرد “ادعاءات متضاربة”.
لذا، فإن أي خطاب جاد حول فظائع نظام الأسد يجب أن يتبنى منهجًا أكاديميًا متزنًا يرتكز على الموثوقية قبل السرعة، والتحقق قبل النشر. لا حاجة لصور إضافية غير موثقة، لأن السجل الحافل بالجرائم الموثقة عبر تقارير الأمم المتحدة (كآلية OPCW-UN المشتركة)، ومنظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، والمركز السوري لتوثيق الانتهاكات، والوكالات الإعلامية المحلية ومراكز التوثيق المحلية، هو سجل دامغ بحد ذاته. هذه التقارير تعتمد على سلاسل إسناد واضحة، وتحليل طبي وقانوني، وأدلة مادية ملموسة، لا على مجرد صور متداولة.
إن الحفاظ على نقاء السردية السورية يتطلب توجيهًا حاسمًا: رفض أي صورة أو محتوى لا يمكن تتبع مصدره إلى جهة توثيق معروفة وموثوقة. الإجرام الأسدي ليس بحاجة إلى “صورة مضللة” ليثبت بشاعته؛ فالسجون التي لا تزال تحت الأنقاض تحمل بصمات آلاف الضحايا، والشهادات الحية للناجين تكفي لإدانة النظام في أي محكمة عادلة. أما تجاهل هذا المنهج الصارم، فليس إلا خدمة مجانية لأجهزة النظام الإعلامية التي تتلمس أي خطأ لتشويه الحقيقة.
إن واجبنا تجاه ضحايا نظام الأسد يتطلب دقة متناهية في التوثيق أكثر من حماسة النشر. فكل صورة غير موثقة تُنشر باسم جرائمه هي في الواقع رصاصة في قلب السردية السورية الصادقة، وهدية دعائية لنظام يعيش على إنكار جرائمه.





