سوريامقالات الرأي

أهمية الاقتصاد في حمص

يؤكد خبراء الاقتصاد أن لحمص موقعاً اقتصادياً وجغرافياً فريداً يمنحها دوراً محورياً في أي عملية تعافٍ اقتصادي على مستوى البلاد، فهي مدينة ذات تنوع اجتماعي، وتضم منطقة صناعية كبرى، إلى جانب موقع استراتيجي يتوسط سوريا، ما يجعلها أقرب إلى “قلب اقتصادي” يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لمرحلة إعادة الإعمار والتنمية.

ولفهم الواقع الاقتصادي في حمص، يمكن تفكيكه إلى عدد من القطاعات الرئيسية التي تشكل بنيته الإنتاجية.

تمتلك الصناعة في حمص وزناً تاريخياً مهماً، إذ تشير تقديرات إلى أن المدينة كانت قبل سنوات تشكل ما يقارب 40% من الإنتاج الصناعي في سوريا، عبر منشآت مثل المدينة الصناعية في حسياء، ومصفاة حمص، ومعامل الصناعات الكيماوية، إضافة إلى الغزل والنسيج. إلا أن هذه القطاعات تعرضت خلال السنوات الماضية لتراجع كبير وأضرار متفاوتة بين التدمير الجزئي والكلي، ما أضعف دورها الإنتاجي بشكل ملحوظ.

ويُطرح اليوم خيار إعادة إحياء القطاع الصناعي عبر نموذج يعتمد على الشراكات الإنتاجية بين الشركات الصغيرة والمتوسطة بهدف تشكيل كيانات أكثر قدرة على المنافسة والاستدامة، بدلاً من النماذج الفردية التقليدية في الإدارة والتشغيل، بما يعزز الإنتاجية ويزيد من كفاءة توزيع المخاطر والعوائد.

وفي هذا السياق، تبقى مصفاة حمص أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية، نظراً لحجم التشغيل الذي يمكن أن توفره، إذ يتطلب تشغيلها آلاف العمال بشكل مباشر، إضافة إلى فرص عمل غير مباشرة في مجالات النقل والصيانة والخدمات اللوجستية. كما أن إعادة تشغيلها وفق نظم إدارية حديثة قد يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة.

أما في قطاع الصناعات الخفيفة، فيُعد دعم الورش الصغيرة والمتوسطة في مجالات مثل الألمنيوم والبلاستيك والألبسة عبر آليات تمويل تشاركية، أحد المسارات الممكنة لتقليص البطالة، وفتح المجال أمام الشباب لإطلاق مشاريع إنتاجية صغيرة تسهم في تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية.

وفي القطاع الزراعي، تحتل حمص موقعاً مهماً كونها تضم مساحات زراعية واسعة تنتج محاصيل أساسية مثل القمح والشعير والزيتون. ويُنظر إلى تعزيز الإنتاج الزراعي والحيواني بوصفه ركيزة أساسية لتعزيز الأمن الغذائي وترسيخ الاستقرار الاجتماعي، حيث إن ربط الاستهلاك بالإنتاج المحلي يعزز الشعور بالانتماء ويدعم الاقتصاد المحلي.

كما يُطرح إنشاء مشاريع تصنيع غذائي، مثل معامل الألبان في منطقة الرستن التي تمثل مركزاً محورياً في الريف الشمالي، كأحد الحلول التي يمكن أن تدعم سلاسل الإنتاج الزراعي وتزيد من القيمة المضافة للمنتجات المحلية.

وعلى الصعيد التجاري، تتمتع حمص بموقع استراتيجي يربط بين دمشق وحلب والساحل السوري والداخل، كما تمتد شبكتها الطرقية نحو الحدود اللبنانية، ما يمنحها قدرة كبيرة على أن تكون مركزاً لوجستياً وتجارياً محورياً. ويُعد إنشاء أسواق مركزية حديثة لتجميع وتوزيع المنتجات الزراعية والغذائية خطوة من شأنها تنشيط حركة التجارة الداخلية والخارجية، وخلق آلاف فرص العمل في مجالات النقل والخدمات.

في المحصلة، يظهر الاقتصاد بوصفه العامل الحاسم في إعادة تشكيل مستقبل حمص، إذ إن أي عملية تنموية حقيقية تتطلب رؤية عملية تتجاوز الخطاب النظري، نحو سياسات تنفيذية قادرة على تحويل الإمكانات الجغرافية والبشرية إلى واقع إنتاجي فعّال، بما يضمن بناء اقتصاد مستدام يعزز الاستقرار والتنمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى