عالمي

تصاعد الخطاب الطائفي في الفضاء الرقمي السوري بين مطالب العدالة ومخاطر التعميم

شهدت الساحة الرقمية السورية خلال الأيام الماضية حملة واسعة دعت إلى مقاطعة أبناء الطائفة العلوية، وذلك عقب الكشف عن تورط أمجد اليوسف في مقتل أطفال الدكتورة رانيا العباسي الستة. وتداول مستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي منشورات وصوراً ووسوماً تضمنت دعوات إلى مقاطعة المناطق ذات الغالبية العلوية وعدم التعامل معها تجارياً أو اجتماعياً، في مشهد عكس حالة من التفاعل تجاوزت حدود المنصات الرقمية، ليطرح تساؤلات أوسع حول انعكاسات هذا الخطاب على العلاقات المجتمعية في مرحلة ما بعد النزاع.

ولا تبدو هذه الموجة معزولة عن السياق السوري العام، إذ شهدت البلاد خلال المرحلة الأخيرة تصاعداً متكرراً في الخطابات ذات الطابع الطائفي على الفضاء الرقمي، في ظل استمرار المطالب الشعبية بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات الصراع. وبين محاولات ترسيخ السلم الأهلي من جهة، وتصاعد مشاعر الغضب والرغبة في تحقيق العدالة من جهة أخرى، يظهر تحدٍ متزايد يتمثل في الفصل بين المساءلة القانونية والتعميم القائم على الانتماء الديني أو المذهبي.

وفي هذا السياق، يرى عبد الفتاح شيخ عمر، استشاري وباحث متخصص في مجال بناء السلام، أن الخطاب الطائفي في مرحلة ما بعد النزاع لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد رد فعل عاطفي أو حالة غضب عابرة، بل بوصفه مؤشراً على هشاشة الثقة بين مكونات المجتمع واستمرار تأثيرات النزاع داخل البنية الاجتماعية.

ويقول إن انتقال الأفراد إلى تفسير المواقف والسلوكيات من زاوية الهوية الطائفية يعكس أن آثار الصراع لا تزال قائمة، وأن المجتمع لم يتمكن بعد من معالجة جراحه ضمن مسار عادل وواضح. ويضيف أن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تنتقل المطالبة بالمحاسبة من إطار العدالة إلى منطق العزل والتعميم والانتقام، وهو ما يهدد الاستقرار المجتمعي ويقوض فرص بناء السلام.

ويؤكد أن السلم الأهلي لا يتحقق عبر تجاهل الانتهاكات أو تجاوز مطالب الضحايا، وإنما عبر مسار يربط بين الاعتراف بالضرر والمساءلة الفردية والعدالة. ويشدد على أن المسؤولية يجب أن تبقى فردية، وأن أفعال أفراد أو جهات سياسية أو عسكرية لا يجوز أن تتحول إلى أحكام جماعية على مكونات اجتماعية كاملة، لأن المساءلة يجب أن تستند إلى القانون والأدلة لا إلى الهوية والانتماء.

كما يلفت إلى أن الحد من مشاعر الانتقام لا يتحقق عبر الدعوات العامة إلى التهدئة أو تجاوز الماضي، وإنما يبدأ من الاعتراف بمعاناة الضحايا وفتح مسارات حقيقية للمحاسبة. وعندما يشعر الأفراد بوجود آلية عادلة لإنصافهم، تتراجع احتمالات اللجوء إلى الانتقام الفردي أو الجماعي.

ويعلم الجميع أن في الواقع السوري لا تقتصر خطورة هذه الظواهر على تصاعد التوتر داخل الفضاء الرقمي، بل تمتد إلى إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية على أسس الانتماء والخوف المتبادل. فخطابات المقاطعة والعزل والتحريض، حتى عندما تبدأ كردود فعل على أحداث أو جرائم محددة، قد تؤدي إلى إضعاف الروابط المدنية، وتعميق الانقسام بين المكونات الاجتماعية، وتكريس شعور جماعي بعدم الأمان أو الإقصاء. كما أن استمرار تداول هذا النوع من الخطابات دون مساءلة أو تفكيك مجتمعي قد يحول وسائل التواصل من مساحة للتعبير إلى بيئة تعيد إنتاج الاستقطاب وتغذي احتمالات النزاعات المستقبلية، خاصة في المجتمعات الخارجة من الحرب التي لا تزال مؤسساتها وهياكل الثقة فيها في طور إعادة البناء.

من جهتها، ترى الناشطة والمدافعة عن حقوق الإنسان عفراء هاشم أن تصاعد الخطاب الطائفي ليس ظاهرة جديدة، بل نتيجة تراكمات امتدت لسنوات وارتبطت بالعنف والانتهاكات وغياب العدالة والمحاسبة، إلى جانب الاستقطاب السياسي وانتشار المعلومات المضللة والتضليل الإعلامي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وتوضح أن مواجهة هذا الواقع تتطلب توجيه الجهود نحو تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، لا نحو تحميل المسؤولية لطائفة أو جماعة كاملة بسبب الانتماء أو الهوية، حتى وإن كان بعض أفرادها أو جهات محسوبة عليها متورطين في أعمال عنف أو انتهاكات.

وتؤكد أن المحاسبة تعني مساءلة الأفراد أو المؤسسات المتورطة استناداً إلى القانون والأدلة والإجراءات القضائية، بينما يؤدي التعميم إلى نقل المسؤولية من الفاعلين إلى جماعات كاملة، وهو ما يضعف مفهوم العدالة ويعمق الانقسام المجتمعي.

وترى أن المخاطر الاجتماعية والسياسية لهذا الخطاب تتمثل في تكريس الكراهية وفقدان الثقة بين مكونات المجتمع، وإضعاف الشعور بالانتماء المشترك، وعرقلة جهود المصالحة وبناء دولة المواطنة، إضافة إلى احتمال تبرير موجات جديدة من العنف الانتقامي، خاصة عندما يشعر الضحايا أو ذووهم بأن العدالة مؤجلة أو غائبة.

وتشير إلى أن دور الدولة ينبغي أن يتركز على تعزيز خطاب المواطنة والتعددية، ومحاسبة المحرضين على الكراهية والعنف، وعدم توفير المنابر التي تسمح بإعادة إنتاج هذا الخطاب، مع تطبيق القوانين بصورة عادلة ومتساوية وضمان حماية حرية التعبير وعدم تحويل مكافحة خطاب الكراهية إلى أداة لتقييد النقاش العام.

وتضيف أن ما يحدث اليوم لا يمكن اعتباره مجرد ظاهرة رقمية عابرة، بل يعكس توترات اجتماعية وتاريخية حقيقية، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع انتشارها وتوسيع نطاق تأثيرها. كما تؤكد أن بناء خطاب إعلامي وطني يتطلب التركيز على القواسم المشتركة بين السوريين، والاستماع إلى مختلف السرديات دون تمييز، والالتزام بالمهنية والدقة والحياد، وتغطية الانتهاكات بمعايير واحدة تضمن شعور مختلف الفئات بأن أصواتها مسموعة وأن معاناتها تحظى بالتمثيل العادل.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو العدالة والمساءلة اليوم شرطاً أساسياً لحماية السلم الأهلي، لا بديلاً عنه. فالمجتمعات الخارجة من النزاع لا تستعيد استقرارها عبر الصمت أو التعميم أو تأجيل معالجة الانتهاكات، بل من خلال بناء ثقة قائمة على الإنصاف، وربط المحاسبة بالقانون، وتحويل الألم الجماعي إلى فرصة لإعادة تأسيس عقد اجتماعي يحمي الجميع على قدم المساواة، ويمنع إعادة إنتاج الانقسام تحت أي مسمى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى