سوريامقالات الرأي

ماكرون في دمشق: حبل الضغوط الذي تمشي عليه سوريا

ماكرون في دمشق: حبل الضغوط الذي تمشي عليه سوريا

قبل أن تطأ قدم إيمانويل ماكرون مطار دمشق، وقبل المصافحة المرتقبة مع الرئيس أحمد الشرع، كان السوريون في شوارع العاصمة وأحياء حلب وخيام إدلب يطرحون سؤالاً واحداً: “هل سنشعر بفرق حقيقي في بيوتنا؟”

منذ زيارة الشرع إلى الإليزيه في أيار 2025، تغيرت اللغة الأوروبية من “الانخراط من أجل التغيير” إلى أسئلة أكثر إلحاحاً: ماذا فعلتم بشأن المقاتلين الأجانب؟ أين الدستور الجديد؟ كيف ستُحمى حقوق الأقليات بعد أحداث الساحل والسويداء؟

ماكرون يصل اليوم ليس كضيف يُستقبل، بل كمفتش يختبر. تحولت العلاقة من “الانفتاح الرمزي” إلى “الشراكة المشروطة”، وكسر الجليد لم يعد كافياً.

لكن ما لا ترصده العدسات هو حقيقة أكثر قسوة: الدولة السورية تمشي على حبل رفيع بين مطالب الغرب وإملاءات الجوار وتطلعات شعب أنهكه الحصار. ليست المسألة تقصيراً، بل معادلة إقليمية مستحيلة تحاول دمشق الإمساك بخيوطها كلها دون أن ينقطع أحدها.

باريس: نفوذ بميزانية محدودة

يدرك ماكرون أن 80% من الأصول السورية المجمدة لا تزال تحت القبضة الأميركية، وأن أي إعفاءات فرنسية لن تكفي لخلق سيولة مصرفية حقيقية. لذا، استراتيجيته لا تقوم على رفع العقوبات، بل على تقديم استثناءات إنسانية وتسهيلات فنية لشركاته، وبيع “الوصول إلى البوابة الأوروبية” مقابل عقود مربحة، دون أن تدفع باريس الثمن من خزينتها المنهكة.

يرافقه وفد اقتصادي يضم عمالقة الطاقة والنقل، لكن الحقيقة المرة أن تكلفة إعادة الإعمار تبلغ 216 مليار دولار وفق البنك الدولي، بينما ترفع أرقام سورية السقف إلى 900 مليار. فرنسا لن تقدم تمويلاً مباشراً، بل ستدخل شركاتها عبر “القروض السيادية” المضمونة دولياً. سوريا تتحمل الدين والفوائد، وباريس تجني الأرباح الهندسية والسياسية.

إنها وصاية اقتصادية بثوب جديد: دعم فني لكتابة الدستور، خبراء لإعادة هيكلة البنك المركزي، واستثمارات مربوطة بمعايير حوكمة تضمن بقاء النفوذ الفرنسي طويلاً. الغرب يطلب إصلاحات عميقة، لكنه لا يمنح الأدوات لتحقيقها.

الاستقرار: سلعة دمشق الاستراتيجية

في الغرف المغلقة، سيوجه الرئيس الشرع رسالة مباشرة: “تحتاجون إلى حارس للحدود الشرقية لأوروبا، وهذا الحارس هو أنا. إذا انهار هذا البلد، ستعبر الفوضى المتوسط نحو شواطئكم.” ليس تهديداً، بل قراءة واقعية.

الاستقرار الهش هو الورقة الأقوى. فدمشق قادرة، نظرياً، على ضبط الحدود ومنع تدفق اللاجئين والمخدرات واحتواء الجماعات المسلحة. هذه الخدمات تُقدم لأوروبا، وثمنها ليس تنازلات سياسية داخلية، بل اعتراف وشرعية وموارد.

لكن دمشق تواجه ضغوطاً متقاطعة لا تُحتمل: باريس تفرض شروطاً قد تُعتبر تدخلاً في الشأن الداخلي، وأنقرة تنظر بريبة إلى أي حضور فرنسي، والتوغلات الإسرائيلية جنوباً تستمر كأنها تقول للعالم: “لا أحد يملك السيادة هنا سوانا.”

في هذا المشهد المتشابك، تحاول الحكومة الإمساك بخيوط اللعبة جميعها: تفتح نافذة لباريس، ولا تغلق الباب أمام أنقرة، وتراعي حساسيات الخليج، وتتعامل بحذر مع الملف الإسرائيلي، وتحاول إقناع مواطنيها بأن هذه المفاوضات الطويلة ستؤتي ثمارها.

ملفات ساخنة على طاولة واحدة

خمسة ملفات ستتصدر المحادثات: المقاتلون الفرنسيون الذين تحولوا إلى أداة تفاوضية مستمرة، عقود الطاقة حيث تتنافس توتال مع الشركات الروسية والصينية، إعادة هيكلة القطاع المصرفي، الضمانات الأمنية للحدود، والملف الدستوري الذي تتعامل معه دمشق بحذر بالغ.

واللافت أن كل هذه الملفات تعكس ضغوطاً متبادلة. باريس تطالب، ودمشق تطالب بضمانات ملموسة، وغالباً ما تتحول المطالبات إلى حلقة مفرغة من التأجيل.

ثلاثة سيناريوهات

الأكثر ترجيحاً: اتفاق إطاري عام ولجان فنية، وتسهيلات إنسانية محدودة، وتبقى العلاقة في دائرة “الوعود المؤجلة”. السيناريو المتفائل: عقود استثمارية أولية في الطاقة والموانئ، تنتعش منها المدن الساحلية بينما تبقى المحافظات الداخلية مهملة. السيناريو المتشائم: فشل في تحقيق اختراق، فتسرّع دمشق تحالفها مع الصين وروسيا وتتحول الزيارة إلى استعراض بروتوكولي.

في المحصلة

ستعود الطائرة الفرنسية إلى باريس، وستبقى دمشق تحت سمائها الملبدة، وسيعود السوري إلى طابوره اليومي. لكن ما ينبغي أن يُقال هو أن الحكومة السورية تخرج من هذه المواجهة الدبلوماسية مثقلة بضغوط لا تقل عن تلك التي يعيشها المواطن العادي.

السؤال الذي سيظل معلقاً ليس فقط “هل حمل ماكرون مفاتيح حقيقية للإعمار؟”، بل أيضاً: “هل تستطيع هذه الدولة، بكل ما تواجهه، أن تحول الزيارة إلى نقطة تحول فعلية، أم أنها حلقة أخرى في مسلسل المفاوضات الذي يستهلك العمر دون نتيجة؟”

السوري الذي تعلم الصبر على مدار سنوات الحرب لم يعد ينتظر كثيراً. كل ما يريده إشارة بسيطة أن هذه الدولة، رغم كل الضغوط، ما زالت تعمل من أجله، وأن مستقبله لم يعد مجرد رهان في لعبة شد الحبل بين القوى الكبرى.

التحدي الأكبر لدمشق هو إقناع مواطنيها بأنها تفعل ما بوسعها في ظل معادلة بالغة التعقيد، وأن الطريق طويل لكنه ليس مستحيلاً. ففي النهاية، الدولة مشروع جماعي يحتاج إلى وقت وصبر وشراكة حقيقية تتجاوز حسابات المصالح الضيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى