سوريا

برمودا البيانات في سوريا MTN وسيرياتل شركاء مع وزارة الاتصالات في سرقة الشعب السوري

"إذا حاسس إنهم عم ينصبوا عليك بباقة النت، فاحساسك محلو."


“إذا حاسس إنهم عم ينصبوا عليك بباقة النت، فاحساسك محلو.” استهلّ المستشار والمختصّ السوري في تجربة المستخدم والهندسة الاجتماعية علاء درويش حديثه بهذه العبارة، الذي يقود اليوم حملة ضد الشركتين لفضح التلاعب والمطالبة بالمحاسبة ، تحقيقَه الرقمي ليس مجرد تعبير عاطفي، بل خلاصة تجربة قابلة للتكرار تؤكد ما يعانيه ملايين السوريين يومياً ، سرقة منظمة ومنهجية لرصيد بياناتهم، تحت غطاء احتكار رسمي وفوضى بنيوية، وبمشاركة شركتي الاتصالات الرئيسيتين في البلاد ووزارة الاتصالات التي تغطي هذه الممارسات بصمتها.

ما سأعرضه في هذا المقال ليس نظرية مؤامرة، بل وثيقة رقمية تفنّد آليات احتساب مفترسة تمارسها MTN وسيرياتل، وتكشف عن شراكة ضمنية مع وزارة الاتصالات لاستنزاف جيوب السوريين في ظل بنية تحتية متعمدة الضعف، وأسعار تفوق أغنى دول الجوار.

التجربة التي لا تكذب… سرقة مؤكدة بنسبة 69%

في تجربة عملية موثقة، اتبع علاء درويش منهجية دقيقة:

  1. تصفير رصيد البيانات بالكامل.
  2. إيقاف جميع التطبيقات والتحديثات التلقائية.
  3. تنزيل برنامج لمراقبة الاستهلاك وتصفير عداده.
  4. الاشتراك بباقة 5 غيغابايت.
  5. رفع ملفات بحجم معروف (290 ميغابايت).

النتيجة الصادمة: بعد رفع ملفات بحجم 290 ميغابايت، اكتشف أن الباقة نُقصت ضعف الاستهلاك تقريباً، بزيادة بلغت 69% عن الاستهلاك الفعلي. الفجوة ليست خطأً عابراً أو مشكلة تقنية، بل نظاماً متبعاً في احتساب البيانات.

آليات الاحتساب المجحفة… كيف تعمل الشركتان في وضح النهار؟

  1. سياسة الحد الأدنى للجلسة (Minimum Session Charging)

عالمياً، يتم احتساب استهلاك البيانات بالبايت الفعلي، لكن في سوريا، تُحتسب البيانات بوحدات مجمعة (Blocks). بسبب عدم استقرار الشبكة وانقطاع الاتصال المتكرر، يتم فتح وإغلاق مئات “الجلسات” في الساعة الواحدة. في كل مرة، يُطبق الحد الأدنى للاحتساب.

مثال توضيحي: أنت ترسل إشارة واتساب بحجم 10 كيلوبايت. الشركة تفتح جلسة جديدة بسبب انقطاع سابق. الحد الأدنى للجلسة هو 1 ميغابايت. النتيجة: تدفع ثمن 1 ميغابايت مقابل 10 كيلوبايت فقط!

هذا المصطلح معتمد في أدبيات هندسة الاتصالات، وهو أحد مسببات الشكاوى الرئيسية في الشبكات غير المستقرة.

  1. تحميل المستخدم كلفة إعادة الإرسال (Retransmission Charging)

بسبب ضعف الإشارة أو انقطاع الكهرباء، تصل الحزم مشوهة للبرج، فيطلب البرج إعادة الإرسال. عالمياً، تستبعد الخوارزميات الذكية هذه الحزم الفاشلة من الفاتورة. في سوريا، أنت تدفع كلفة الإرسال الفاشل + كلفة إعادة الإرسال. ضعف التكلفة مقابل نفس الخدمة!

مقارنة دولية: في منطقة هاتاي الجبلية بتركيا، توجد مشاكل كهرباء وتقطيع نت، لكن الشركات هناك تمتلك خوارزميات استبعاد الحزم الفاشلة. في سوريا، المشترك هو من يتحمل كلفة فشل البنية التحتية.

  1. البيانات الإدارية لفحص الحزم (DPI Overhead)

تقنية DPI (Deep Packet Inspection) تُستخدم لفحص نوع حركة المرور. هذه العملية تولد بيانات إضافية “وصفية”. عالمياً، تتحمل شركة الاتصالات تكلفة هذه البيانات الإدارية. في سوريا، يتم تحميلها على فاتورة المستخدم. أنت تدفع ثمناً لإجراءات الرقابة الداخلية للشركة!

  1. تضخيم استهلاك الـ VPN

ذريعة الشركات الدائمة: “الـ VPN بيستهلك كتير”. الحقيقة التقنية: الـ VPN يضيف غلاف تشفير يزيد حجم البيانات 10-15% فقط. الكارثة: عندما يُضاف هذا الغلاف إلى نظام “التقريب الجائر” و”إعادة الإرسال”، يتحول 15% إلى 70% أو أكثر.

  1. التلاعب بتعريف الوحدات: 1000 مقابل 1024

1 غيغابايت = 1024 ميغابايت (بالنظام الثنائي). هناك مؤشرات قوية على برمجة أنظمة الاحتساب على أساس 1 غيغا = 1000 ميغا. النتيجة: تخسر 1.2 غيغابايت من كل 50 غيغابايت تشترك بها، قبل أي استهلاك فعلي.

  1. الإشارات النبضية (Keep-alive Signals)

جهازك يرسل إشارات صغيرة للبرج لتأكيد الاتصال. في الأنظمة العادلة، هذه الإشارات إما لا تحتسب أو تحتسب ضمن هامش ضئيل. في سوريا، هناك شكوك بتعامل كل إشارة على أنها “بداية جلسة جديدة”، مما يطبق عليها “الحد الأدنى للاحتساب” مئات المرات يومياً.

الوزير يعترف… ثم يتمادى في الخطأ!

في تصريح مثير على شاشة التلفزيون السوري، اعترف وزير الاتصالات والتقانة بأن الموافقة على الزيادة الأخيرة للأسعار كانت “هفوة إدارية” . تصريح صادم بحق، فالهفوات الإدارية قد تعني تأخير معاملة أو خطأ في كتابة تقرير، لا أن تفرض على شعب يعاني ويلات الحرب والفقر زيادات تصل إلى 200% على خدمة أساسية كالإنترنت.

لكن الأكثر إثارة للصدمة، أنه رغم هذا الاعتراف الصريح بالخطأ، رفض الوزير التراجع عن القرار! نعم، لم يقل سأصلح الخطأ، لم يقل سأعيد النظر، لم يقل سأحاسب المسؤولين عن هذه “الهفوة”. قال بكل برود: هفوة إدارية، لكن الزيادة ستبقى.

هذا التناقض الصارخ يفضح حقيقة العلاقة بين الوزارة والشركتين:

· إذا كانت هفوة، فلماذا يدفع ثمنها المواطن وحده؟
· إذا كانت هفوة، فلماذا لا تُلغى فوراً؟
· إذا كانت هفوة، فأين مساءلة من ارتكبها؟

الجواب واضح: ما حدث ليس هفوة، بل سياسة مدروسة، والإفلات من المساءلة يتم عبر تغليف القرارات الفاسدة بعبارات فضفاضة.

هذا التواطؤ يثير تساؤلات جوهرية: إذا كانت البنية التحتية ضعيفة فعلاً، فلماذا يتحمل المشترك وحده تكلفة هذا الضعف؟ وإذا كانت المشكلة بنية تحتية فقط، فلماذا تعاني MTN وسيرياتل من الشكوى ذاتها بدرجات متقاربة رغم الفروقات النظرية في بنيتها التحتية؟

الجواب بسيط ومرعب: السرقة منظمة، والمشترك هو الضحية، والوزارة هي الغطاء، والوزير يعترف بالخطأ ثم يمضي فيه!

من المستفيد؟… شراكة الظل بين الشركات والوزارة

في نوفمبر 2025، وبعد أيام فقط من عودة الرئيس أحمد الشرع من واشنطن حاملاً وعوداً بالإصلاح الاقتصادي، فاجأت MTN وسيرياتل السوريين برفع أسعار الإنترنت حتى 200%، وإلغاء الباقات اليومية التي يعتمد عليها الطلاب والفقراء. لم يكن هناك إنذار، ولم تتحسن الخدمة قيد أنملة.

وزارة الاتصالات، بدلاً من إلغاء القرار، أصدرت بياناً هزلياً أمهلت فيه الشركتين 60 يوماً لتحسين الخدمة، وهددت بغرامات لم تفرضها يوماً. لم تلغ الوزارة الزيادة، ولم تعد الباقات القصيرة، ولم تجب على السؤال المشروع لملايين السوريين: لماذا ندفع أكثر مقابل خدمة أسوأ؟

وبعد كل هذا، يأتي الوزير ليقول إنها “هفوة إدارية” ويصر على إبقائها! هذا ليس تواطؤاً فقط، بل استهانة بقدرة الشعب على الفهم، وإعلان صريح أن القرارات تُتخذ في مكان آخر، والوزارة مجرد ختم مطاطي.

ستة أسئلة تنتظر الإجابة… لكن لن يجيب أحد

موجهة إلى الإدارة التنفيذية في MTN وسيرياتل ووزير الاتصالات الذي اعترف بالخطأ ورفض تصحيحه:

  1. شو هو حجم أصغر وحدة بيانات بتخصموها من الرصيد بالجلسة الواحدة؟ بدنا نعرف نظام “التقريب” شو هو.
  2. ليش المشترك السوري مجبر يدفع كلفة البيانات المعاد إرسالها بسبب ضعف إشارتكم، بينما شركات العالم بتستبعد هالحزم من الفاتورة؟
  3. شو هي المدة الزمنية يلي بتحددوها لإغلاق جلسة البيانات قسرياً؟ وهل بتخصموا على فتح كل جلسة جديدة؟
  4. ليش في فرق يصل لـ 50% بين سجلات استهلاكي (ببرامج المراقبة) وسجلاتكن (CDR)؟ وين راحت هالفجوة؟
  5. في ظل أزمة سعة الشبكات، هل بتستخدموا تقنيات ضغط البيانات (GGSN Optimization) لتوفير الاستهلاك على المستخدم، متل كل شركات العالم؟
  6. إذا كانت الزيادة “هفوة إدارية” كما قال الوزير، فلماذا لا تُلغى هذه الهفوة؟ ومن سيعوض الشعب عما دفعوه خلال فترة سريان هذا “الخطأ”؟
    سادساً: خلفية الفساد… من رامي مخلوف إلى “لجنة الظل”

تعود جذور هذه الممارسات إلى عقود مضت. كانت سيرياتل الذراع التجارية لرامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، الذي بنى ثروته عبر الامتيازات الحصرية لا عبر المنافسة. حتى بعد إقصاء مخلوف في 2020 ووضع الشركة تحت الإدارة القضائية، لم يتم الإعلان عن هيكل ملكية شفاف، وانتقلت سلطة القرار إلى لجان مرتبطة بقصر الرئاسة ، دون الكشف عن نتائج التحقيقات أبداً.

التساؤل المشروع: إذا كان مشغلا الاتصالات يخضعان لهذه الترتيبات غير الشفافة، فكيف يمكن محاسبتهما؟ وكيف يمكن لوزير الاتصالات أن يدّعي الجهل بهذه الممارسات، ثم يعترف بالخطأ ويصر على إبقائه؟

ما عرضته ليس مجرد تحقيق صحفي عابر، بل توثيق دقيق لفجوة احتساب منهجية تمارسها MTN وسيرياتل بحق ملايين السوريين، بغطاء صريح من وزارة الاتصالات. الفجوة تصل إلى 69%، أي أنك تدفع ثمن 1.7 غيغابايت مقابل كل غيغابايت تستهلكه فعلياً.

في بلد يعيش 90% من سكانه تحت خط الفقر، و12.9 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي، ويحتل المرتبة 177 عالمياً في مؤشر مدركات الفساد، لا يمكن السكوت عن هذه السرقة المنظمة.

السؤال الأخير والأهم: إذا كان الوزير يعترف علناً أن الزيادة كانت “هفوة إدارية”، فلماذا لا يصحح هذه الهفوة؟ لماذا يصر على إبقاء الخطأ؟ أليس هذا دليلاً قاطعاً على أن الوزارة ليست مجرد غطاء، بل شريك أساسي في هذه السرقة المنظمة؟

الشعب السوري لن ينسى. كما قال أحد المهندسين الشباب في دمشق: “الناس استنوا 14 سنة عشان يحصلوا على مساءلة. بدالها، زادت فاتورة النت، وجاء الوزير وقال هفوة إدارية وخلاص!”

هذه ليست هفوة… هذه جريمة منظمة بغطاء رسمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى