سوريا

حقوق على الورق وأبواب مغلقة أمام الأشخاص ذوي الإعاقة

حقوق على الورق وأبواب مغلقة أمام الأشخاص ذوي الإعاقة

سبع ساعات من الانتظار تحت شمس دمشق الحارقة، بلا موعد، نحمل مطالب لم يجب عليها أحد. هكذا تصف ديما أكتع، في حديث لوكالة الصحافة السورية، لحظة وقوفها برفقة زميلها عبادة العاسمي، وكلاهما من الأعضاء المؤسسين في الحراك السوري للإعاقة، أمام بوابة القصر الجمهوري، بعد غياب دام أكثر من 13 عاماً عن سوريا، في محاولة لإيصال مطالب الحراك إلى أعلى سلطة في البلاد.

ومع غياب الاستجابة الرسمية للمطالب المقدمة من الحراك، وفي لحظة يعاد فيها الحديث عن بناء الدولة ومؤسساتها، يرى أعضاء الحراك أن إدراج حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة اليوم في كافة مسارات البناء والتنمية هو محاولة لتجنب إقصاء جديد في مرحلة ما بعد الحرب في سوريا.

توضح ديما، أن تلك الخطوة لم تكن مغامرة فردية، إنما واحدة من عشرات المحاولات التي لم تلقَ استجابة حتى الآن، للتواصل مع الجهات المسؤولة في سبيل انتزاع اعتراف حقيقي بحقوق طال انتظارها.

نشأة الحراك السوري للإعاقة

من خلال منشور على فيسبوك تم إطلاق نداء لاستقطاب الناشطين العاملين بالمجال الحقوقي من ذوي وذوات الإعاقة وأهالي الأطفال ذوي الإعاقة، انطلق الحراك مباشرة بتاريخ 11 كانون الأول 2024 بعد سقوط النظام من منطلق حقوقي بعيداً عن المقاربات الرعائية أو الخيرية.

وبعد انضمام مجموعة من أهل الخبرة داخل سوريا وخارجها، وعبر اجتماعات الكترونية لتنظيم البنية الداخلية، تم تطوير ملف يتضمن مطالب وتوصيات مرتبطة ببناء ملف حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

يقول منسق الحراك السوري، مصطفى دنو: بدأنا بتحديد الأولويات وتم الإجماع على أن قضية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة متشعبة في عدة جوانب لذلك تم اختيار العمل على المطالبة بتشكيل وتأسيس مجلس وطني لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، كجهة للتنسيق مع جميع مؤسسات الدولة بمختلف المجالات لمتابعة تنفيذ الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

بنية الحراك التنظيمية

ويتابع دنو: يركز الحراك على تمكين وبناء قدرات أهل القضية من خلال تدريبات في مهارات القيادة، والتنظيم المجتمعي، وأيضاً فهم السردية العامة والعلاقات الاستراتيجية في إطار العمل العام، ليتمكنوا من المطالبة بقضاياهم بشكل فعّال وذلك بالاستناد إلى النهج القائم على حقوق الإنسان.

وتركز منهجية الفريق على التشاركية من خلال تنظيم بنية مشتركة تجمع بين الفرق وتنظّم عملها، لتحقيق الهدف، حيث يتم التركيز على بناء القيادات داخل الفريق ويكون كل عضو قائد، لضمان استمرارية عمل الحراك في حال تعرض أحد الأعضاء لظرفٍ ما.

ويتابع دنو حديثه: من المهم عند وضع استراتيجيات العمل مراعاة سياق المنطقة، وتوقيت ومكان التنفيذ، إذ قد تنجح بعض التكتيكات في بلدٍ ما، لكنها لا تناسب بلداً آخر، وفي السياق السوري الراهن من غير الملائم فرض ضغط إضافي على الدولة، في ظل سعيها لإعادة إعمار البنى التحتية، واستعادة مواردها، والعمل على قضايا تهم كل المواطنين بمن فيهم الأشخاص ذوي الإعاقة.

لذلك في هذه الأثناء بدأ الحراك بالعمل على التوعية المجتمعية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة كأشخاص لهم حقوق يكفلها القانون وليس ضعفاء يستجدون العطف والشفقة، وتواصل الحراك مع العديد من المسؤولين في الوزارات بشكل مباشر لبحث سبل التعاون لضمان دمج حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في كافة السياسات والبرامج.

إشراك الأهالي يعكس تمثيلاً حقيقياً

يتابع دنو: بالنظر إلى تعدد أنواع الإعاقة نجد بعض الأشخاص قد تحدث الإعاقة لديهم في عمر البلوغ، فهم قادرون على قيادة قضيتهم بأنفسهم، وليسوا بحاجة لوجود أولياء أو أوصياء، لكن هذه الفئة لا تشمل كل الأشخاص ذوي الإعاقة.

فعلى سبيل المثال فئة الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية والتطورية وبعض البالغين منهم قد لا يستطيعون مناصرة حقوقهم وقضاياهم بأنفسهم، لذلك وجود الأهل يُعتبر ضرورة مُلحة في حراكات الأشخاص ذوي الإعاقة، لكونهم يملكون الخبرة والمعرفة في تنظيم شؤونهم ومعرفة أبرز العوائق التي يواجهونها.

تقول ديمة الأصيل، منسّقة فريق الأهالي بالحراك السوري للإعاقة، وأم لطفلة ذات إعاقة: كنت أقارن دائماً بين واقع الأشخاص ذوي الإعاقة في سوريا والواقع الذي أعيشه في إسبانيا والفجوة الكبيرة بينهما، وبعد سقوط النظام شعرت بمسؤولية للمشاركة ببناء سوريا الجديدة من خلال مشاركة التجربة التي عايشتها وتوظيف خبراتي في المطالبة بدمج حقيقي.

ومن خلال رحلة البحث عن شركاء لديهم الأهداف ذاتها التقيت بأعضاء الحراك، ووجدت أن الفريق نواة جامعة لأهل القضية، ولا يستثني أحد، ووجود فريق أهالي الأطفال ذوي الإعاقة يُعتبر في غاية الأهمية كونهم جزءٌ لا يتجزأ من هذه القضية ومن مطالبها.

وتتابع: عملنا في فريق الأهالي على حملة حشد من خلال لقاءات مع شخصيات عامة، وأهالي أشخاص ذوي إعاقة ومن غير ذوي إعاقة للتعريف بالحراك وأهدافه، ورؤيته. في البداية ترددت عبارات مثل: «هالحكي مو وقته هلق» و«لسا السليم لم يحصل على حقوقه»، وكأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة درجة ثانية.

لكن مع الوقت بدأ هذا الخطاب يتبدل إلى تفاعل إيجابي واتسعت حلقة المناصرين والداعمين مع كل لقاء أو نشاط، وانضم أعضاء من داخل القضية وخارجها لديهم رغبة بالمشاركة والمناصرة. وكان قياس التغيير من خلال سرعة تجاوب المجتمع، وتغيير لغتهم ومصطلحاتهم، وعدد الأشخاص المنضمين والداعمين للفريق.

أثر الحملات والتنسيق والتشبيك

لم تقتصر حملات الحراك على رفع الوعي بقضايا حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة فقد انضم الحراك للبيان الصادر عن مجموعة من الناشطين والناشطات الذي أشار إلى الاعتراض على إقصاء الأشخاص ذوي الإعاقة وأهالي الأطفال من المشاركة والتمثيل في مؤتمر الحوار الوطني.

وأصدر الحراك بياناً ثانياً لرفض نسبة تمثيل الأشخاص ذوي الإعاقة في مجلس الشعب، وتقييد التمثيل والمشاركة في نوع الإعاقة الجسدية، وعدم إشراك وتمثيل الأهالي مع حشد 35 كياناً لتبني البيان.

وكان نتاج هذا البيان أن اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب تواصلت مع الحراك لتنسيق اجتماع لمناقشة المطالب، بعد اطلاعها على البيان، ونتج عن اللقاء رفع نسبة المشاركة من 2 إلى 3%، وعدم تقييد نوع الإعاقة، وعدم الخلط ما بين مصابي الثورة والأشخاص ذوي الإعاقة، مع الالتزام باستخدام المصطلحات الحقوقية.

وشارك الحراك في ورشة عمل لمناقشة تعديل المرسوم رقم 19 لعام 2024 الخاص بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، لبحث ودراسة التعديلات المقترحة والتي تضمن موائمة المرسوم التشريعي مع ما ورد في الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وفي هذا الصدد قدّم الحراك أوراق عمل خاصة بطرح رؤية جديدة لتشكيل المجلس الوطني لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

ومؤخراً حصل الحراك على عضوية رسمية في الشبكة العالمية للاجئين ذوي الإعاقة ومجلس إدارتها، كممثلين عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

مطالب بلا استجابة مُرضية

يتابع دنو حديثه عن استجابة المسؤولين للحملات ويقول: هناك مستوى مقبول من الاستماع والإنصات للمطالب، لكن تحتاج القضية جهد أكبر.

وما تزال القضية تحتاج توعية وتعريف المسؤولين بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وأهمية المشاركة الفعّالة لأهل القضية في كافة مراحل البناء والتنمية، وكيفية تطبيق الاتفاقية بشكل يضمن تمتع الأشخاص ذوي الإعاقة في كافة حقوق الإنسان على أساس المساواة مع الآخرين.

وتعود ديما أكتع لتروي تفاصيل ذهابها إلى القصر الجمهوري في تاريخ 2 أيلول 2025، برفقة زميلها عبادة مشيرة إلى أن الزيارة لم يتم التخطيط لها مسبقاً، إلا أنها صُدمت باستحالة الدخول إلى القصر الجمهوري ومقابلة الرئيس من غير موعد مسبق، وبعد جدال مطول مع الحرس ومحاولة شرح أسباب تواجدهم.

اختاروا الانتظار تحت أشعة الشمس، وبعد أن أمضوا سبع ساعاتٍ من الانتظار وتمكن التعب منهم، غادرت ديما وزميلها القصر، مع وعود من قبل أحد مسؤولي الحرس في القصر بإيصال المطالب، وفي اليوم التالي تم تقديم طلب رسمي لمقابلة رئيس الجمهورية عبر وزارة الخارجية إلا أنه لم يصل أي رد على الطلب حتى لحظة إعداد هذا التقرير.

ويختم دنو حديثه: سيبقى عمل الحراك مستمر بعد تشكيل المجلس الوطني لضمان الوصول إلى كافة الحقوق، وتشكيل المجلس هو بمثابة خطوة أولى وبعدها سنركز بشكل تدريجي على كافة القضايا المرتبطة بتنفيذ الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى