حين يصبح الفشل منهجاً… لا يعود تكرار التجربة صموداً، بل يصبح إعلاناً متجدداً عن فشلها.

مراجعة نقدية لتجربة المعارضة السورية بين إسقاط الاستبداد وبناء الدولة
شكلت السنوات الممتدة منذ انطلاق الاحتجاجات السلمية في آذار/مارس 2011 واحداً من أقسى المختبرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي مرّ بها السوريون في تاريخهم الحديث. بدأت الحركة الاحتجاجية بمطالب الحرية والكرامة والعدالة، ورفعت في ساحاتها شعاراً شديد البساطة والعمق ” واحد، واحد، واحد… الشعب السوري واحد” ، قبل أن تنزلق البلاد تدريجياً إلى مواجهة مسلحة مفتوحة، وتتحول سوريا إلى ساحة متداخلة للصراعات المحلية والإقليمية والدولية.
ولا يمكن فهم هذا التحول من دون تثبيت الحقيقة الأساسية، أن النظام السوري واجه المطالب السلمية بالاعتقال والرصاص والعنف المنظم، وأغلق أبواب السياسة، ودفع المجتمع نحو خيارات أكثر قسوة. لكن تثبيت المسؤولية الأصلية للنظام لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة تمنع مراجعة أداء المعارضة، كما أن نقد المعارضة لا يعني مساواتها بالنظام، أو إنكار عدالة مطالب السوريين، أو التقليل من تضحياتهم.
هناك فرق أخلاقي وسياسي واضح بين سلطة سخرت مؤسسات الدولة لقمع شعبها، وبين قوى نشأت في مواجهة ذلك القمع. غير أن عدالة القضية لا تمنح ممثليها حصانة من النقد، ولا تجعل جميع قراراتهم صحيحة، ولا تلغي مسؤوليتهم عن الأخطاء التي ارتكبوها بحق القضية والمجتمع.
المشكلة لم تكن في وقوع الأخطاء، فلا توجد ثورة أو حركة تحرر تخلو منها. المشكلة أن بعض الأخطاء تحولت إلى أنماط عمل ثابتة، ثم أعيد إنتاجها بأسماء ورايات ومؤسسات جديدة، من دون مراجعة جدية أو مساءلة علنية. وهنا تصبح إعادة التجربة بالأدوات والذهنيات نفسها ليست دليلاً على الصمود، ولا وساماً يعلّق على الصدور، بل إعلاناً متجدداً عن فشل المنهجية.
لم نخرج من الفشل لأننا كررنا المحاولة أكثر، بل عندما تغيرت طريقة العمل، وتبدلت قواعد التخطيط والتنظيم واتخاذ القرار.
من الحراك الشعبي إلى أزمة التمثيل
لم تظهر أزمة المعارضة السياسية مكتملة في عام 2011، بل نشأت تدريجياً مع محاولة تحويل حركة شعبية واسعة ومتنوعة إلى مؤسسات تمثيلية قادرة على اتخاذ القرار والتفاوض وقيادة الصراع. ومن المجلس الوطني، مروراً بالائتلاف الوطني الذي تأسس عام 2012، وصولاً إلى هيئات التفاوض المتعاقبة، توالت الأطر السياسية من دون أن تنجح بصورة مستقرة في معالجة سؤالين أساسيين: من يمثل السوريين؟ وكيف تصنع القرارات المصيرية؟
انقسمت القوى المعارضة بين من يفضل التفاوض ومن يرى أن النظام لا يفهم إلا لغة القوة، وبين من يتمسك بحل سياسي تدريجي ومن يعتبر أي تسوية تنازلاً عن أهداف الثورة، وبين قوى الداخل التي عاشت القصف والحصار والتهجير، وقوى الخارج التي تحركت ضمن حسابات العواصم والمؤسسات الدولية.
لم يكن هذا الاختلاف عيباً في ذاته، فالتنوع طبيعي في أي حركة وطنية. لكن المشكلة ظهرت عندما فشلت المعارضة في بناء آليات ديمقراطية لإدارة خلافاتها. تحولت الاختلافات السياسية إلى صراعات على الشرعية والتمثيل والمقاعد، وصدرت مواقف متضاربة عن الائتلاف وهيئات التفاوض والفصائل والكتل السياسية. وفي كثير من الأحيان، لم يكن السوريون يعرفون أي موقف يعبر عنهم، وأي جهة تملك فعلياً سلطة تنفيذ ما تعلنه.
كانت المآسي الكبرى توحد الخطاب مؤقتاً، لكن الانقسامات سرعان ما تعود عند مناقشة المصالح والمناصب والخيارات السياسية. وهكذا لم يظهر التنوع السوري بوصفه مصدر قوة وغنى، بل ظهر في صورة تنازع دائم بين مراكز تمثيل متنافسة.
كما تعرضت شخصيات وقوى مدنية مستقلة للتهميش، إما لأنها عارضت العسكرة، أو انتقدت أداء المؤسسات السياسية، أو لم ترتبط بالكتل الأكثر نفوذاً. وتحول الاختلاف، شيئاً فشيئاً، من حق سياسي إلى شبهة، وأصبح النقد يفسر باعتباره إضعافاً للثورة أو خدمة للخصوم أو خروجاً عن الإجماع.
لكن أي إجماع لا يسمح بالنقد يتحول إلى استبداد مصغر، وأي ثورة تخشى الأسئلة تفقد قدرتها على تصحيح مسارها.
“هل ستشرق الشمس من موسكو؟”: السياسة خارج منطق التخوين
في عام 2014، أثار أحمد معاذ الخطيب جدلاً واسعاً بعد زيارته موسكو وكتابته مقالاً بعنوان “هل ستشرق الشمس من موسكو؟” اختزل العنوان لاحقاً، وحذف منه الاستفهام، وشاع وكأن الخطيب أعلن يقينه بأن الخلاص سيأتي من روسيا. لكنه أوضح أن العنوان كان سؤالاً لا تقريراً، وأن “الشعب هو الذي يصنع شمس حريته ومستقبله” ، مع ضرورة طرق جميع الأبواب السياسية وعدم القفز فوق القوى المؤثرة.
في ذلك الوقت، رأى بعضهم في مجرد زيارة موسكو خيانة أو تطبيعاً مع حليف النظام، بينما رأى آخرون أن السياسة لا تمارس مع الأصدقاء وحدهم، بل مع الخصوم أيضاً. ولم يكن الخلل في نقد الزيارة أو مناقشة نتائجها، بل في تحويلها إلى محاكمة وطنية وأخلاقية للرجل، واستبدال السؤال السياسي “ماذا يمكن أن تحقق الزيارة؟” بسؤال التخوين “كيف تجرأ على الذهاب؟”.
بعد سقوط النظام، عادت الدولة السورية الجديدة نفسها إلى التفاوض مع موسكو، وزار الرئيس أحمد الشرع روسيا مرتين خلال أقل من أربعة أشهر، في تشرين الأول/أكتوبر 2025 وكانون الثاني/يناير 2026، لمناقشة العلاقات الاقتصادية والسياسية ومستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا. وهذا لا يعني أن “الشمس” أشرقت من موسكو، أو أن روسيا تحولت إلى حليف أخلاقي للثورة، بل يعني أن الدول لا تبني سياساتها على الذاكرة العاطفية وحدها، وإنما على مزيج من الحقوق والمصالح والوقائع وموازين القوى.
لقد ثبتت وجاهة الفكرة الأساسية لا العبارة المختزلة، لا دولة أجنبية ستنقذ سوريا نيابة عن السوريين، لكن لا يجوز أيضاً إغلاق أبواب السياسة لأن الجهة المقابلة كانت خصماً أو شريكاً في المأساة. التفاوض ليس غفراناً، والانفتاح ليس نسياناً، والواقعية لا تعني التخلي عن العدالة.
المطلوب أن تدخل سوريا إلى أي تفاوض وهي تعرف ما تريد، وما الذي لا يمكنها التنازل عنه، لا أن تدخل بوهم الصداقة الدائمة، ولا بعقلية العداء الأبدي.
العسكرة من ضرورة دفاعية إلى بنية سياسية
لم تكن عسكرة الثورة السورية خياراً نظرياً اتخذه السوريون في ظروف طبيعية. جاءت العسكرة في سياق عنف متصاعد، وانشقاقات عسكرية، وحاجة المجتمعات المحلية إلى حماية نفسها. تجاهل هذه الظروف يفضي إلى قراءة ظالمة ومبتسرة.
لكن فهم أسباب العسكرة لا يعني إعفاء التجربة العسكرية من النقد. فمع مرور الوقت، لم يعد السلاح مجرد أداة لحماية المدنيين أو مواجهة قوات النظام، بل أصبح في مناطق كثيرة مصدراً للسلطة والشرعية والنفوذ الاقتصادي والسياسي.
تكاثرت الفصائل، وتعددت غرف العمليات والمرجعيات والولاءات، وأصبح لكل فصيل داعموه وخطابه ومصالحه ومؤسساته. وبدلاً من أن تخضع القوة العسكرية لمشروع وطني سياسي جامع، خضعت السياسة، في حالات كثيرة، لمن يملك القوة العسكرية الأكبر.
هنا بدأ انقلاب خطير في العلاقة بين الثورة والمجتمع. فبدلاً من أن يكون المقاتل في خدمة المدنيين، صار المدنيون في بعض المناطق مطالبين بالتكيف مع سلطة الفصيل. وبدلاً من أن يكون السلاح وسيلة مؤقتة لتحقيق هدف سياسي، أصبح امتلاكه سبباً كافياً للمشاركة في صناعة القرار وفرض القوانين وتحديد المقبول والمرفوض.
إن منطق المعركة يقوم على السرية والطاعة وسرعة القرار، أما منطق الدولة فيقوم على الشفافية والمساءلة وتوزيع السلطات والحقوق المتساوية. وحين ينقل منطق المعركة إلى إدارة المدن، يتحول القائد العسكري إلى حاكم، وتتحول الأوامر إلى قوانين، ويتحول الاعتراض إلى عصيان.
وهذا واحد من أكبر الأخطاء التي ينبغي ألا تتكرر، ما يصلح لإدارة جبهة عسكرية لا يصلح بالضرورة لإدارة مدرسة أو بلدية أو محكمة أو جامعة أو مجتمع متنوع.
“هذه الدبابات دباباتنا”: التمييز بين النظام والدولة
وسط أجواء الحرب والانقسام، قال العقيد الشهيد يوسف الجادر، المعروف بأبي فرات، بعد السيطرة على مدرسة المشاة في حلب:
“أنا حزين جداً، لأن هذا العتاد عتادنا، وهذه الدبابات دباباتنا، والذين يموتون إخوتنا، وكل هذا بسبب تمسك الأسد بالكرسي”.
كان من الممكن أن يتحدث بفرح المنتصر عن غنائم المعركة وعن هزيمة الخصم، لكنه رأى في الدبابة المدمرة مالاً عاماً سورياً، وفي الجندي المقابل سورياً دفعته سلطة مستبدة إلى مواجهة أخيه.
بدت هذه الكلمات، في ذروة الدم والغضب، مثالية أو شديدة التسامح بالنسبة إلى بعضهم. لكن السنوات اللاحقة أثبتت عمقها. فالثورة التي تريد بناء دولة لا تستطيع أن تتعامل مع جميع مؤسسات الدولة بوصفها غنائم للمنتصر، ولا مع جميع العاملين في مؤسسات النظام بوصفهم كتلة إجرامية واحدة.
هناك فرق بين الجيش بوصفه مؤسسة وطنية يفترض أن تحمي البلاد، وبين استخدام النظام لتلك المؤسسة في قمع السوريين. وفرق بين محاسبة من أصدر الأوامر وارتكب الجرائم، وبين الانتقام الجماعي من جنود ومجندين وموظفين لم يكونوا متساوين في المسؤولية أو القدرة على الاختيار.
كانت مقولة أبي فرات إعلاناً مبكراً عن معنى الدولة، الدبابة ليست ملكاً للحاكم، والمؤسسة ليست ملكاً للنظام، والوطن لا يتحول إلى غنيمة بعد سقوط السلطة. إن بناء جيش وطني جديد لا يبدأ من محو كل ما سبق، بل من استعادة المؤسسات من قبضة الاستبداد، وإعادة تشكيلها على أساس المهنية والقانون والولاء للدولة لا للأشخاص.
الاقتتال الداخلي: حين التهم السلاح قضيته
مع تصاعد التشرذم، لم يعد السلاح موجهاً دائماً إلى النظام، بل استخدم لحسم الخلافات بين الفصائل نفسها. شهد شمال سوريا والغوطة الشرقية ومناطق أخرى جولات متكررة من الاقتتال، واستنزفت معارك الإخوة الرجال والذخائر والموارد، وحولت جزءاً من الجهد العسكري بعيداً عن الجبهات الأساسية.
ولم تكن هذه المواجهات مجرد نزاعات عسكرية محدودة، بل كانت تعبيراً عن أزمة أعمق، غياب المرجعية السياسية والقضائية المشتركة، وتضارب الولاءات، وتحول القوة إلى الوسيلة شبه الوحيدة لتسوية الخلافات.
جرى تكفير الخصوم أو تخوينهم، واتهم القادة والناشطون بالعمالة لمجرد اختلافهم في الأولويات أو المواقف. وتحولت اللغة التي ثار السوريون على النظام بسببها، لغة الاتهام والإلغاء واحتكار الوطنية، إلى أداة مستخدمة داخل معسكر الثورة نفسه.
لقد ألحق الاقتتال ضرراً يتجاوز خسائره العسكرية. فالمدني الذي خرج مطالباً بالحرية لم يستطع أن يفهم كيف يمكن لقوتين ترفعان شعار إسقاط النظام أن توجها سلاحهما إحداهما نحو الأخرى، أو كيف يتحول الخلاف على حاجز أو معبر أو منطقة نفوذ إلى معركة يدفع السكان ثمنها.
وفي كل مرة كانت الفصائل تقتتل ثم تتصالح، كانت البيانات تتحدث عن “طي صفحة الخلاف” والبدء بايات من القران الكريم والختام بها، من دون كشف الأسباب المسؤوليات والتعامل معها أو تعويض الضحايا أو معالجة الأسباب. ولذلك لم تكن الصفحة تطوى فعلاً، بل كانت تؤجل حتى تنفجر في مكان آخر وتحت اسم جديد.
أبو يزن الشامي: حين حذر قائد فصيل من تحول الجماعات إلى أصنام
قبل استشهاده مع عدد من قادة الصف الأول في حركة أحرار الشام عام 2014، كتب أبو يزن الشامي، عضو مجلس شورى الحركة، واحدة من أكثر العبارات نقداً للذات في بيئة كانت تميل إلى تقديس الجماعة والقائد والمنهج:
“لا بد من غرس مفهوم أن مسير أي جماعة إسلامية هو مسير اجتهادي يعتريه الصواب والخطأ… وإلا ستبقى الجماعات تتحول لأصنام”.
لم يكن هذا الكلام صادراً عن ناقد خارجي أو خصم للفصائل الإسلامية، بل عن قائد داخل واحدة من أكبر حركاتها. ولذلك كانت جرأته مضاعفة، فقد قال إن الجماعة، مهما علا شعارها، عمل بشري يعتريه الخطأ والهوى ونقص العلم، وإنها عندما ترفض النقد تتحول من وسيلة لخدمة القضية إلى صنم يطلب من الناس الدفاع عنه.
كانت هذه المراجعات مثار جدل في زمنها، لأنها اصطدمت بثقافة ترى الاعتراف بالخطأ ضعفاً، وتعتبر نقد الجماعة خدمة لخصومها. لكن ما وقع لاحقاً من انقسامات واندماجات هشة واقتتال داخلي وتقديس للقادة والمناهج أثبت وجاهة تحذيره.
لقد تحول بعض الفصائل من وسائل يفترض أن تخدم السوريين إلى هويات مغلقة تطلب من السوريين خدمتها. وصار الحفاظ على اسم الجماعة ونفوذها أحياناً أهم من الحفاظ على وحدة المجتمع أو نجاح الثورة.
لا يوجد فصيل مقدس، ولا قيادة فوق المساءلة، ولا منهج بشري يحتكر الحقيقة. وحين يصبح بقاء التنظيم أهم من الغاية التي تأسس من أجلها، يكون التنظيم قد بدأ يتحول إلى عبء على قضيته.
وهذه الفكرة لا تخص الفصائل الإسلامية وحدها، فالأحزاب القومية والليبرالية واليسارية، والمجالس والائتلافات والحكومات، يمكنها جميعاً أن تتحول إلى أصنام إذا رفضت مراجعة نفسها، وربطت مصير القضية ببقائها ومصالح قياداتها.
استنساخ الاستبداد الذي ثرنا عليه
لم تقتصر المشكلة على السياسة والسلاح، بل امتدت إلى الإدارة والقضاء والعلاقة بالمجتمع. ففي بعض المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، تشكلت هيئات قضائية وأمنية وإدارية مرتبطة بالفصيل الأقوى، ولم تكن دائماً خاضعة لرقابة المجتمع أو لمؤسسات مدنية مستقلة.
تعرض ناشطون وإعلاميون ومدنيون للتهديد أو الاعتقال بسبب آرائهم، واستخدمت تهم العمالة والتجسس والإساءة إلى الثورة لتبرير التضييق عليهم. وفي حالات متعددة، افتقرت الإجراءات الأمنية إلى الأدلة والمحاكمات العادلة والحق في الدفاع.
كان السوريون قد ثاروا ضد دولة أمنية تجعل المواطن متهماً إلى أن يثبت ولاءه. لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط بقاء الاستبداد القديم، بل إعادة إنتاجه داخل القوى التي قامت لمواجهته.
وقد لخص عبد الرحمن الكواكبي جوهر المسألة بقوله “الاستبداد أصل لكل فساد” ، والاستبداد لا يصبح مقبولاً حين يرفع راية الثورة، كما أن الظلم لا يتغير جوهره بتغير هوية من يمارسه.
إن الثورة التي تبرر الاعتقال بلا محاكمة لأنها في خطر، وتصمت عن التعذيب لأن مرتكبيه من أبنائها، وتمنع النقد بحجة وحدة الصف، تخاطر بأن تنتصر على المستبد ثم تحتفظ بمنطقه.
لماذا لم نتعلم؟
تحدثت قيادات سياسية وعسكرية مراراً عن «أخطاء المرحلة الانتقالية»، وعن أن التجربة جديدة وأن المجال سيبقى مفتوحاً للتصحيح. لكن المرحلة المؤقتة طالت، والأخطاء المؤقتة تحولت إلى مؤسسات وسلوكيات دائمة.
تبدلت أسماء الحكومات والهيئات والفصائل، وأُعلنت اندماجات وتشكيلات جديدة، لكن تغيير الأسماء لم يكن مصحوباً دائماً بتغيير بنية القرار أو طبيعة العلاقات الداخلية. أعيد ترتيب الرايات، بينما بقيت الولاءات والمصالح والذهنيات القديمة فاعلة في العمق.
كانت كل محاولة جديدة تقدم كما لو أنها بداية منفصلة عما سبقها، من دون تقييم علني للتجربة السابقة، لماذا أخفقت؟ من يتحمل المسؤولية؟ ماذا تغير فعلاً؟ وما الضمانات التي تمنع تكرار الفشل؟
لا يمكن لمن يرفض الاعتراف بخطئه أن يتعلم منه. وكان من الأسهل دائماً تحميل القوى الخارجية المسؤولية الكاملة، تخاذل المجتمع الدولي، وتناقض مصالح الدول الداعمة، والتدخل الروسي والإيراني، وصعود التنظيمات المتطرفة، وتراجع الاهتمام الدولي بالقضية السورية.
كل هذه العوامل حقيقية ومؤثرة. كانت سوريا ساحة صراع دولي وإقليمي، وتعرض القرار الوطني لضغوط وتدخلات عميقة. لكن وجود العامل الخارجي لا يلغي المسؤولية الداخلية. فالدول تتدخل حيث تجد فراغاً، وتستثمر في الانقسام حين تجد قوى مستعدة للانقسام، وتفرض أولوياتها حين يغيب المشروع الوطني القادر على التفاوض والممانعة.
المراجعة الجدية لا تنكر المؤامرات والمصالح الدولية، لكنها ترفض استخدامها ستاراً دائماً لإخفاء العجز الذاتي. فالقول إن الآخرين أخطأوا بحقنا لا يجيب عن السؤال الأصعب، ماذا فعلنا نحن حين امتلكنا هامشاً من القرار؟
الساروت: الإيمان بالنصر في زمن الهزيمة
في سنوات الحصار والتهجير وتراجع المساحات التي تسيطر عليها المعارضة، بدا الحديث عن النصر لكثيرين تعبيراً عاطفياً بعيداً عن الوقائع. ومع ذلك، بقي عبد الباسط الساروت يردد:
“هي الثورة مالها حل إلا النصر”.
وقال في إحدى وصاياه:
“إذا كنت شهيداً بإذن الله، رح أشوف النصر بعيوني”
لم تكن عبارة الساروت خطة سياسية أو قراءة عسكرية لموازين القوى، بل كانت تعبيراً عن يقين أخلاقي بأن الشعوب قد تهزم في معركة، لكنها لا تهزم نهائياً ما دامت ترفض الاعتراف بشرعية القهر.
عندما سقط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، ودخلت قوى المعارضة دمشق وفر بشار الأسد إلى روسيا، استعاد السوريون كلمات الساروت، ورأى كثيرون فيها نبوءة تحققت بعد سنوات من الشك والانكسار.
لكن الوفاء الحقيقي للساروت لا يكون بتحويل كلماته إلى شعار انتصار دائم، بل بفهم المعنى الأعمق للنصر. فإسقاط رأس النظام انتصار تاريخي، لكنه ليس نهاية الثورة ولا اكتمال أهدافها. النصر الذي يستحق تضحيات السوريين هو بناء دولة لا يضطر فيها جيل جديد إلى الثورة على الاستبداد من جديد.
لقد ثبت أن الإصرار على الحرية لم يكن وهماً، لكن ذلك لا يعني أن كل وسيلة استخدمت للوصول إليها كانت صائبة، ولا أن كل من انتصر عسكرياً أصبح محصناً من الخطأ. فقد تثبت الأيام صحة الهدف، لكنها لا تمنح البراءة لجميع الطرق التي اتبعت في سبيله.
ماذا تغير في أواخر عام 2024؟
أظهر سقوط النظام أن نتائج الصراعات لا تتغير بمجرد الرغبة، وإنما عندما تتغير المنهجيات والظروف وموازين القوى معاً. جاء الانهيار بعد هجوم منظم وسريع، في وقت كان فيه جيش النظام يعاني ضعفاً كبيراً، بينما تراجع حضور حلفائه أو انشغلوا بصراعات أخرى..
ولا يجوز اختزال ما حدث في عامل واحد. فلم يكن الانتصار نتيجة التنظيم العسكري وحده، كما لم يكن مجرد هدية قدمها ضعف الخصوم. لقد تلاقت عوامل متعددة: التخطيط، وتركيز القرار والجهد، واختيار التوقيت، وتطور القدرات، مع انهيار بنية النظام وتراجع قدرة حلفائه على إنقاذه.
لكن ثمة درساً واضحاً, حين تراجعت الفوضى النسبية، وتوحد القرار العملياتي، وأصبح التحرك جزءاً من خطة متسلسلة بدلاً من مبادرات متناثرة، تغيرت النتيجة. لقد أثبتت التجربة أن الشجاعة وحدها لا تكفي، وأن كثرة التضحيات لا تعوض غياب التنظيم، وأن البطولة الفردية لا تبني انتصاراً استراتيجياً إذا لم تنتظم داخل مشروع واضح.
ومع ذلك، فإن النجاح العسكري لا يجيب تلقائياً عن أسئلة الدولة. فالقدرة على إسقاط سلطة لا تعني امتلاك القدرة على بناء نظام سياسي عادل، كما أن إدارة عملية عسكرية موحدة لا تضمن النجاح في إدارة مجتمع شديد التنوع والتعقيد.
المنهجية التي تنجح في الوصول إلى العاصمة قد تفشل في بناء مؤسسات شرعية، ما لم تتغير مرة أخرى من منطق القيادة العسكرية إلى منطق الدولة والمواطنة.
الخطر اليوم: تحويل المنتصر إلى مالك للدولة
دخلت سوريا بعد سقوط النظام مرحلة جديدة تحمل فرصاً تاريخية ومخاطر كبيرة في الوقت ذاته. والخطر الأكبر بعد سقوط أي نظام استبدادي هو أن تعتبر القوى المنتصرة الدولة غنيمة أو مكافأة مستحقة، لا مؤسسة عامة لجميع المواطنين.
الشرعية الثورية أو العسكرية قد تفسر كيف وصلت قوة ما إلى الحكم، لكنها لا تكفي لتفسير لماذا ينبغي أن تستمر فيه، أو كيف تمارس سلطتها، أو من يراقبها ويحاسبها. فالشرعية المستدامة لا تأتي من الانتصار وحده، بل من رضا المواطنين، وسيادة القانون، والانتخابات الحرة، والفصل بين السلطات، وضمان الحقوق والحريات.
ليس المطلوب تجاهل التحديات الأمنية أو مطالبة الدولة الناشئة بالكمال الفوري. المطلوب وجود اتجاه واضح وضمانات قابلة للقياس، هل تتوسع المشاركة أم تضيق؟ هل تصبح المؤسسات أكثر استقلالاً أم أكثر تبعية؟ هل يسمح بالنقد أم ينظر إليه كتهديد؟ هل تندمج التشكيلات المسلحة ضمن جيش وطني مهني، أم يعاد توزيعها تحت أسماء رسمية؟ هل تصبح العدالة الانتقالية شاملة، أم تستخدم لمعاقبة الخصوم وحماية الحلفاء؟
المرحلة الانتقالية ليست منطقة خارج الأخلاق والقانون، ولا ينبغي أن تتحول إلى مصطلح يستخدم لتبرير كل تأخير أو تجاوز. قد تكون الظروف استثنائية، لكن الاستثناء إذا طال من دون رقابة يصبح قاعدة، والسلطة المؤقتة إذا لم تحاصر بالدستور والمؤسسات قد تتحول إلى سلطة دائمة.
من مشروع الغلبة إلى مشروع المواطنة
يتطلب الخروج الحقيقي من الماضي تغييراً في تعريف الانتصار نفسه. فالانتصار ليس أن يحكم المنتصرون مكان المهزومين، بل أن تنتهي القواعد التي سمحت بالاستبداد أصلاً.
ولا تتحقق هذه الغاية من خلال استبدال مركز أمني بمركز آخر، أو حزب مهيمن بتشكيل مهيمن، أو عبادة قائد بعبادة قائد جديد. المطلوب بناء دولة لا يحتاج فيها المواطن إلى واسطة فصيل أو طائفة أو منطقة ليحصل على حقه.
المواطنة تعني أن تكون الحقوق متساوية، وأن يشعر العربي والكردي، والسني والعلوي والدرزي والمسيحي والإسماعيلي، والمؤيد السابق والمعارض، والنازح واللاجئ، بأن الدولة ليست ملكاً لفئة، وأن القانون لا يسأل المواطن عن هويته قبل أن يحميه.
وهنا يستعيد شعار “الشعب السوري واحد” معناه الحقيقي. فالوحدة ليست إنكاراً للاختلاف، ولا إجباراً للناس على التماثل، بل إقامة نظام يسمح لهم بأن يختلفوا من دون خوف، وأن يتنافسوا من دون سلاح، وأن يتشاركوا الدولة من دون أن يحتكرها أحد.
كما يتطلب بناء الدولة فصلاً واضحاً بين المؤسسة العسكرية والقرار السياسي. فالجيش الوطني ليس تحالفاً دائماً بين الفصائل، بل مؤسسة مهنية تحت قيادة مدنية دستورية، لا تتدخل في السياسة أو الاقتصاد أو القضاء، ولا تدين بالولاء للأفراد والجماعات.
وتحتاج سوريا إلى مجالس محلية منتخبة، وقضاء مستقل، وإعلام حر، ونقابات وجامعات ومنظمات مدنية قادرة على العمل من دون وصاية أمنية. فالدولة لا تبنى من الأعلى وحده، ولا يمكن لمركز سياسي واحد، مهما بلغت كفاءته، أن يدير مجتمعاً أنهكته عقود من المركزية والخوف.
النقد ليس خيانة
واحدة من أهم المعارك التي ينبغي للسوريين خوضها اليوم هي تحرير النقد من تهمة الخيانة. فقد اعتاد النظام وصف كل معارض بأنه عميل ومتآمر، ثم تسللت هذه اللغة إلى صفوف معارضيه، فأصبح المنتقد متخاذلاً، أو مثبطاً، أو مندساً، أو عدواً للانتصار.
لكن المجتمعات لا تتعلم تحت التهديد، والسلطات لا تصلح نفسها طوعاً إذا لم تجد مؤسسات ورأياً عاماً يراقبانها. وكل جهة تعتبر نفسها فوق النقد تبدأ، ولو من حيث لا تدري، السير في طريق الاستبداد.
المطلوب ليس جلد الذات أو إنكار التضحيات، بل تحويلها إلى معرفة سياسية. الاعتراف بالأخطاء لا يهين الشهداء، بل يحمي المعاني التي ضحوا من أجلها. أما تبرير الأخطاء باسم الدماء، فهو استخدام لتضحياتهم في حماية ممارسات ربما كانوا أول من سيرفضها.
لقد تحدث سعد الله ونوس عن “الجوع إلى الحوار”، وعن ضرورة احترام التعددية وكبح النزعة العدوانية. وهذه الحاجة اليوم ليست ثقافية فقط، بل سياسية ووطنية. فالسوريون يحتاجون إلى حوار لا يكون احتفالياً ولا شكلياً، بل يسمح بطرح الأسئلة الصعبة عن المسؤولية والعدالة والهوية، والدستور، والسلطة، والسلاح.
من الاعتراف إلى التصحيح
لا تكفي عبارة “لقد أخطأنا” إذا لم يتبعها تغيير في المؤسسات والسلوك. والاعتذار الذي لا يقترن بالمساءلة ليس أكثر من خطاب عاطفي.
التصحيح يبدأ بإخضاع جميع مؤسسات الدولة للقانون، وكشف مصير المعتقلين والمختفين لدى جميع الأطراف، والتحقيق في الانتهاكات من دون انتقائية، وتعويض المتضررين، ومنع من تورطوا في جرائم جسيمة من استخدام نفوذهم لحماية أنفسهم.
كما يبدأ بالاعتراف بأن السوريين ليسوا كتلة سياسية واحدة، وأن من حقهم تشكيل الأحزاب، ومعارضة الحكومة، والاحتجاج على قراراتها. فلا معنى لثورة قامت من أجل الحرية إذا كان المطلوب من المواطنين بعد انتصارها أن يلتزموا الصمت باسم الاستقرار.
ولا بد أيضاً من إعادة تعريف العلاقة مع الخارج. فليست الوطنية في معاداة العالم، ولا في الارتهان له. السياسة الخارجية الناجحة تحمي المصالح السورية، وتنفتح على التعاون، لكنها ترفض أن تتحول البلاد مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات أو تقاسم النفوذ.
ما مر به السوريون منذ عام 2011 لا يمكن اختزاله في بطولة مطلقة أو فشل مطلق. كانت هناك تضحيات هائلة وشجاعة نادرة وتجارب مدنية وإنسانية تستحق الاحترام، إلى جانب انقسامات وأخطاء وانتهاكات لا يجوز إنكارها.
المراجعة المتوازنة لا تقول إن الثورة كانت خطأ، بل تقول إن بعض من تصدوا لتمثيلها أخطؤوا. ولا تقول إن النظام والمعارضة متساويان، بل ترفض أن تتحول جرائم النظام إلى ذريعة تبرر أخطاء الآخرين. ولا تنكر أثر التدخلات الخارجية، لكنها ترفض أن تجعل السوريين بلا إرادة أو مسؤولية عن خياراتهم.
من معاذ الخطيب الذي حذّر من انتظار دولة تنقذ السوريين، إلى يوسف الجادر الذي رأى في الدبابات المدمرة ملكاً للسوريين لا غنائم حرب، ومن أبي يزن الشامي الذي حذّر من تحول الجماعات إلى أصنام، إلى عبد الباسط الساروت الذي آمن بأن الثورة ستنتصر رغم كل الهزائم، تركت التجربة السورية كلمات تجاوزت أصحابها.
لم تكن جميع هذه الكلمات مفهومة أو مقبولة في زمنها. بعضها عد تنازلاً، وبعضها مثالية، وبعضها تشكيكاً في الجماعة، وبعضها حلماً بعيداً عن الواقع. لكن السنوات أثبتت أن الأفكار التي تملك شجاعة تجاوز المزاج العام قد ترى ما لا يراه المنغمسون في لحظة الغضب والحرب.
لقد حان الوقت للانتقال من تمجيد التجربة إلى فهمها، ومن تقديس الأشخاص إلى بناء المؤسسات، ومن شرعية السلاح إلى شرعية المواطن، ومن وحدة تفرضها الغلبة إلى وحدة تصنعها المساواة.
الفشل الحقيقي ليس أن نخطئ، بل أن نكرر الخطأ ونمنع الآخرين من تسميته. والانتصار الحقيقي ليس أن يصل طرف إلى السلطة، بل أن تصبح السلطة نفسها مقيدة بالقانون، وقابلة للنقد ،والتداول، والمحاسبة.
قال سعد الله ونوس “إننا محكومون بالأمل” لكن الأمل الذي يستحقه السوريون ليس انتظاراً سلبياً، ولا ثقة عمياء بأن التاريخ سيصحح أخطاءنا نيابة عنا. إنه أمل يقوم على العمل والنقد والمساءلة، وعلى امتلاك الشجاعة لنقول، لقد أخطأنا، ولن نكرر الخطأ.
فالاتعاظ من أخطائنا ليس انتقاصاً من نضالنا، بل هو الفارق بين إعادة إنتاج الماضي، وبناء نجاح سوري مختلف




