سوريامقالات الرأي

سوريا على حافة النص: هل ينقذنا الدستور من أنفسنا؟

سوريا على حافة النص: هل ينقذنا الدستور من أنفسنا؟

من ريف الحسكة الشمالي، إلى ريف حلب الثائر و إلى محافظة إدلب وريفها ومنه إلى الساحل فجبل العرب الذي تحول إلى جبل الدروز حيث تتوزع في هذه الجغرافيا أحلام و آمال و مخاوف السوريين جميعا و من المخيمات على تخوم الحدود التركية،في الحسكة و القامشلي تقبع عائلات نازحة من عفرين منذ ثماني سنوات، تستعد اليوم للعودة إلى منازل لم يروها منذ 2018،الى مخيمات النزوح في ريف حلب الشمالي، حيث تدير فصائل “الحكومة السورية المؤقتة” السابقة مقاليد الأمور منذ عملية “غصن الزيتون”، يخشى آخرون أن تعيدهم صيغة الحكم الجديدة إلى مربع التهميش الأول. وفي مخيمات النزوح في إدلب، حيث جرب الناس حكم “حكومة الإنقاذ” لثماني سنوات تحت الحصار، يسأل المواطن البسيط: هل ما نبنيه اليوم سيحمينا من الغد، أم أننا نكرر أخطاء الماضي بصيغة جديدة؟

في الساحل السوري، حيث تتركز الطائفة العلوية، يسود قلق عميق من أن تتحول العدالة الانتقالية إلى انتقام جماعي، وسط مخاوف من التعامل مع الجميع كـ”فلول” للنظام السابق، حتى أولئك الذين لم تتلطخ أيديهم بالدماء . وفي جبل العرب بمحافظة السويداء، حيث الدروز يشكلون الأغلبية، يخشى أهالي المنطقة من أن تؤدي التطورات الأخيرة والاشتباكات مع العشائر العربية إلى تقويض السلم الأهلي، خاصة مع استغلال إسرائيل لهذه التوترات ذريعة للتدخل في الشأن السوري . المسيحيون في قرى وبلدات متفرقة يتساءلون: هل نحمله وحدنا ذنب نظام لم نكن ندعمه كلنا؟

بين هذه المخاوف المتعددة، يطل قلق آخر لا يقل أهمية: قلق أبناء الثورة الذين قدموا القصص والشهداء. يخشى هؤلاء من أن تعيد “صفقات التسوية” إنتاج النظام القديم بوجوه جديدة، كما حدث في اليمن عندما تحول علي عبدالله صالح من رئيس يواجه ثورة شعبية إلى شريك في قيادة المرحلة الانتقالية بموجب المبادرة الخليجية، ليظل لاعباً أساسياً في المشهد ويُحبط آمال التغيير الحقيقي . ويخشون أيضاً من سيناريو تونس، حيث انقلب الرئيس قيس سعيد على الدستور في 25 يوليو 2021، وأغلق البرلمان بالدبابة، وانهار المسار الديمقراطي الذي كلف التونسيين سنوات من النضال، ليحل محله حكم فردي قضى على مكتسبات الثورة . كما يخشون تكرار النموذج المصري بعد 30 يونيو، حين تحول الحلم الديمقراطي إلى كابوس استبدادي جديد باسم “مكافحة الإرهاب” و”تصحيح المسار”.

بين هذه المخاوف المتعددة، تبحث سوريا الجديدة عن إجابة لسؤالها الوجودي: كيف نعيش معاً ونحن مختلفون إلى هذا الحد، وقد جربنا نماذج حكم متباينة علمتنا أن الثقة لا تُبنى بين عشية وضحاها؟

أولاً: فخاخ الاختيار الثنائي في ظل تجارب متعددة

للوهلة الأولى، يبدو السؤال بسيطاً: هل نختار “المركزية” الموحدة، أم “اللامركزية” المحررة للخصوصيات؟ لكن هذا السؤال نفسه هو الفخ.

المركزية كما عرفها السوريون لعقود لم تكن مجرد نظام إداري، بل كانت أداة هيمنة واستلاب. هي التي جعلت من “الموحد” شعاراً قمعياً، ومن “الاختلاف” جريمة. لكن اللافت أن تجارب الحكم البديلة التي نشأت إبان الحرب لم تقدم بالضرورة نماذج مضيئة. ففي مناطق “الإدارة الذاتية” لـ”قسد”، جرب الأكراد والعرب والتركمان شكلاً من اللامركزية، لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى إدارة مركزية بامتياز داخل مناطقها، مع اتهامات بتهميش المكونات الأخرى. أما اتفاقيات الدمج الأخيرة (آذار 2025 وكانون الثاني 2026)، فتحمل وعداً بإنهاء الكيانات الموازية مثل “الإدارة الذاتية” و”الأسايش”، لكنها تثير قلقاً مشروعاً حول مصير الكوادر المحلية وخبراتها، وهل سيكون الدمج مجرد إجراء إداري، أم سيرافقه اعتراف حقيقي بالتنوع الثقافي واللغوي؟ .

في المقابل، جُرِبَ في إدلب تحت “حكومة الإنقاذ” نموذجاً إدارياً مختلفاً، وصفه البعض بالكفاءة العالية في ظروف الحصار، حيث تم توحيد المؤسسات وإدارة معابر حدودية وتشغيل مدارس. لكن هذا النموذج واجه بدوره انتقادات حادة حول القبضة الأمنية وتردي الأوضاع الاقتصادية، ما أدى لاحتجاجات شعبية طالبت بإعادة النظر في السياسات.
وفي ريف حلب الشمالي كان هناك نظام حكم محلي تحت مسمى الحكومة السورية المؤقتة خاض فيها الثوار تجارب الإدارة و الحكم ضمن المجالس المحلية للمدن و البلدات و ضمن وزارات في الحكومة السورية المؤقتة و استفادوا من الخبرات في تركيا و من خبرات السوريين المنشقين عن دوائر ومؤسسات الدولة السورية

وفي الساحل السوري، تتصاعد المخاوف مع عودة شعار “الأسد أو نحرق البلد” إلى الواجهة عبر مجموعات مسلحة تابعة للفلول، وهو الشعار الذي ارتبط بعمليات تدمير قرى ومدن وسحقها بالكامل في سبيل الإبقاء على حكم آل الأسد . هذا الاستحضار للشعارات القديمة يثير قلقاً عميقاً من أن الفلول لم يستسلموا بعد، وأنهم يعملون على تقويض أي استقرار، مستخدمين ورقة “الخوف الطائفي” لإعادة إنتاج الفوضى.

أما في السويداء، فإن العلاقة التاريخية المعقدة بين الدروز والبدو، والتي طالما استغلها النظام السابق لخلق توترات ثم تقديم نفسه كحامٍ، تعود للظهور مجدداً في ظل غياب الدولة القادرة على ضبط الأمن وحماية الجميع .

التجارب العالمية لا تقدم لنا وصفة جاهزة. فالنموذج الإسباني، الذي يُستشهد به كثيراً، وُلد في حضن الديمقراطية الأوروبية بعد عقود من الدكتاتورية، واستند إلى وعي وطني ناضج. هل نملك نحن هذا الوعي اليوم بعد أن جرب كل مكون “دولته” المصغرة الخاصة؟ أم أن جراحنا لا تزال تنزف وتجعلنا ننظر إلى أي صيغة توحيدية بريبة؟

ثانياً: الدستور كمرآة… لا كعكاز

هنا يبرز الحديث عن “الدستور الجامع”. دائماً ما نسمع أن الحل هو في نص يضمن حقوق الأغلبية والأقليات. هذا صحيح من الناحية النظرية. لكن المشكلة أن الدستور لا يُكتب في الفراغ.

ما فائدة نص دستوري يضمن حرية المعتقد، إذا كانت النفوس لا تزال متوجسة من الآخر؟
ما فائدة مادة قانونية توزع الصلاحيات بين المركز والأطراف، إذا كانت الثقة معدومة بين أبناء البلد الواحد بعد سنوات من الاقتتال؟

في مناطق شمال شرق سوريا، يُطرح اليوم سؤال جوهري: هل سيكون الدمج مجرد إجراء إداري، أم سيرافقه اعتراف حقيقي بالتنوع الثقافي واللغوي؟ وفي الساحل، هل ستشمل العدالة الانتقالية الجميع دون تمييز، أم ستتحول إلى أداة انتقام جماعي يدفع ثمنها أبرياء لم يشاركوا في جرائم النظام؟

الدستور في سوريا اليوم ليس “حلاً سحرياً”، بل هو مجرد مرآة تعكس ما إذا كنا مستعدين حقاً للعيش معاً. إن لم نكن مستعدين، فسيبقى الدستور مجرد ورقة، مثل سابقاته من الدساتير التي لم تحمِ سوريا من الانهيار.

وهنا يبرز قلق أبناء الثورة الأكبر: هل سنسمح لـ”فلول النظام” بأن يفعلوا في سوريا ما فعله علي عبدالله صالح في اليمن، حين تحول من مستهدف إلى شريك في المرحلة الانتقالية بفضل صفقات التسوية التي قدمت “حصانة” بدل المحاسبة ؟ هل سنسمح بتكرار السيناريو التونسي، حيث صفق البعض لانقلاب قيس سعيد على الدستور ظناً منهم أنه يستهدف خصوماً سياسيين، ليكتشفوا لاحقاً أن الانقلاب التهم الجميع دون استثناء ؟

الدستور الحقيقي ليس مجرد نصوص، بل هو ضمانات ألا تتكرر هذه الكوابيس. ضمانات بأن ثورة السوريين لن تُسرق كما سرقت ثورات الآخرين.

ثالثاً: من يكتب مستقبلنا؟ معضلة “الخبراء” و”النواب” في ظل تركة معقدة

حتى اللحظة، لم نتفق على من سيكتب هذه الورقة. هل ننتخب جمعية تأسيسية تمثل الشعب؟ أم نكل الأمر إلى لجنة خبراء قانونيين محايدين؟

التجربة التونسية علّمتنا أن الجمعية المنتخبة قد تتحول إلى ساحة صراع طائفي، وأن الخبراء قد يكتبون نصاً قانونياً رصيناً لكنه باهت، لا يلمس هموم الناس. كما علّمتنا أن الديمقراطية قد تنهار في أي لحظة إذا لم تكن هناك إرادة حقيقية لحمايتها . أما التجربة الكولومبية فقد أظهرت أن المزج بين الاثنين ممكن، حين تشرك كل القوى، حتى تلك التي كانت تحمل السلاح، في طاولة حوار واحدة.

في سوريا، الوضع يبدو أكثر تعقيداً. فلدينا اليوم تركة إدارية ضخمة: كوادر “حكومة الإنقاذ” التي اكتسبت خبرة في إدارة مؤسسات تحت الحصار، وكوادر “الإدارة الذاتية” التي تدير مناطق شاسعة منذ سنوات، وكوادر “الحكومة المؤقتة” السابقة في الشمال. هذا التنوع في الخبرات يمكن أن يكون ثروة وطنية إن أُحسن استثماره، أو مصدر صراع إن تم تهميش أي من هذه التجارب.

الحل ليس في اختيار أحد الخيارين، بل في جرأة الجميع على الجلوس معاً. جرأة الأغلبية على الاعتراف بأنها ليست الوصي الوحيد على الهوية، وجرأة الأقليات على الاعتراف بأن وحدتها لا تتحقق بالانكفاء على الذات. كما أن جرأة دمشق في فتح الأبواب أمام الكوادر المحلية في الحسكة وعفرين وإدلب والساحل والسويداء، يجب أن يقابلها جرأة هذه الكوادر في الانخراط ببناء مؤسسات وطنية جامعة.

الخلاصة: لسنا بحاجة إلى دستور مثالي، بل إلى ثقة حقيقية

ربما يكون أكثر ما نحتاجه اليوم هو التواضع. التواضع للاعتراف بأن لا أحد يملك الحقيقة المطلقة، وأن سوريا لن تنهض بنص قانوني مثالي، بل بنخبة وطنية تؤمن بأن الاختلاف ليس خيانة، والتعدد ليس بدعة.

النقاش الدستوري في سوريا لن ينتهي بكتابة مسودة. هو نقاش طويل وصعب، قد يستغرق سنوات، كما أن إعادة بناء الثقة بعد 14 عاماً من التباعد تحتاج إلى وقت. لكن الأهم من ذلك كله، أن نتذكر دائماً: ثورة السوريين لم تكن فقط لإسقاط نظام، بل لبناء دولة لا تعيد إنتاج الاستبداد بأي شكل من الأشكال. دولة لا تشبه اليمن بعد صالح، ولا تونس بعد الانقلاب، ولا مصر بعد 30 يونيو. دولة يستوي فيها المواطنون، دروزاً وعلويين وسنة وكرداً ومسيحيين، في الحقوق والواجبات.

يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن مستعدون حقاً لخوض هذا النقاش بصدق، واستثمار كل الخبرات المتراكمة في المناطق المختلفة لبناء سوريا جديدة، أم أن جراح الماضي لا تزال أكبر من أحلام المستقبل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى