سوريا

سوريا بعد الانتصار.. مجلس الشعب بين المطرقة والسندان

مجلس الشعب بين المطرقة والسندان

سقط رأس النظام في ثامن كانون الأول 2024، لكن المنظومة لم تمت. هي تتنفس تحت الركام، تتربص. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: هل نستطيع تفكيك بنية الفساد المستعصية، وبناء دولة قانون على أنقاضها؟

في قلب هذا السؤال، يقف مجلس الشعب الجديد بين مطرقة الزمن الثقيل وسندان هموم شعب حر.

مجلس الأمس لم يكن مجرد “خاتم مطاطي”، بل أداة فاعلة في مسرح الجريمة. شاهد زبر يحترف الشرعية على الانتهاك. في عام 2000، عُدّل الدستور بخفض سن الرئيس من 40 إلى 34 سنة، ليتطابق مع عمر الوريث بشار الأسد. لم يُناقش، لم يُجادَل. مجرد تصفيق وتمرير. وعلى امتداد خمسة عقود، ظل المجلس يشرعن القبضة، ويصمت عن الدم.

مجلس اليوم جاء بعد الإعلان الدستوري في آذار 2025، بتشكيل هيئة من 210 أعضاء، ثلثاهم بالانتخاب غير المباشر والثلث بالتعيين. لكن منذ اللحظات الأولى، ثارت أسئلة مشروعة: هل تراعي التركيبة حجم التحدي؟ تمثيل النساء، الحقوقيين، الاقتصاديين لا يتناسب مع ثقل المهمة.

وفي الشارع، يسمع صوت المواطن يقول: “بدي حدا من المجلس يطلع يحكي معنا، مش بس تمرير بيانات. الثورة قامت لتغير الوجوه، مش لتغير الجدران.” هذا هو سندان الهموم الذي يطحن صدر السوري: لقمة العيش، عودة النازحين، كشف مصير المفقودين، كهرباء، مدرسة، أمن.

أربعة جبال على صدر المجلس:

أولاً: التشريع. قوانين تسترد الأموال المنهوبة، وتصلح القضاء، وتفتح باب الاستثمار الحقيقي والطاقة المتجددة. قانون استرداد الأموال المنهوبة إن لم يخرج بنص حازم، سنشهد نهباً جديداً تحت يافطة “تسويات”.

ثانياً: العدالة الانتقالية. كيف تمسك بيد القصاص وبالأخرى المصالحة، دون انتقام يدمر البلاد؟ يحتاج عقولاً قانونية وقلوباً تتسع لوجع الضحايا.

ثالثاً: إعادة الإعمار. الفساد ينتظر فرصة جديدة. على المجلس سن قوانين تجعل الشفافية هي الأصل، وتمنع عودة لصوص الماضي من بوابة الاستثمار الوهمي.

رابعاً: حصن الهوية. تشريعات تكرس المواطنة المتساوية وتحمي التنوع، وتكون سداً أمام التطرف والتفتيت.

ومع كل هذا، يبقى التواصل جوهر النجاة. لا قيمة لتشريعات تكتب في أبراج عاجية. على المجلس بناء جسور حقيقية مع الناس: لقاءات مفتوحة، منصات تفاعل، لجان تذهب حيث الناس وتسمع.

في النهاية، يظل السؤال: هل ننتصر فعلاً؟ ليس انتصار اللحظة، بل ذاك الاستراتيجي الذي نستأصل فيه الفساد من جذوره، ونبني إنساناً سورياً حراً بتعليمه وصحته وكرامته.

مجلس الشعب لن يصنع المعجزات وحده. الانتصار الحقيقي رهين بيقظة الشعب وإرادته. إن نجحنا، كرّمنا دماء من رحلوا. وإن غفلنا، استبدلنا وجهاً بوجه، وبقيت المنظومة كما هي. والخيار، كما كان وسيبقى، في يد هذا الشعب الحي الذي لا يموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى