
في المشهد الاقتصادي والصناعي السوري المشوه بفعل هيمنة نظام الأسد والميليشيات الداعمة له، برزت أسماء لم تبنِ ثرواتها عبر المنافسة الطبيعية في الأسواق، بل تشكلت داخل دهاليز الأفرع الأمنية وشبكات النفوذ العائلي. ومن بين هذه الأسماء يبرز عبد اللطيف حميدة، مالك الشركة الآسيوية للصناعات الورقية، ونائب رئيس غرفة صناعة حلب سابقاً، وهو اسم لا يمكن فصل صعوده عن مرحلة فارس الشهابي، الذي اشتهر بمواقفه التحريضية ودعوته لإبادة ريف حلب وزراعته بالبطاطا، في مشهد جسد أقصى درجات الولاء للنظام البائد.
لم يكن حميدة مجرد صناعي صعد بجهده الشخصي، بل ارتبط اسمه بالنفوذ التاريخي لعائلته في مخيم النيرب، مستفيداً من الغطاء الأمني الذي وفره اللواء عمر حميدة، رئيس فرع أمن الدولة الأسبق. هذا النفوذ أتاح للعائلة بناء إمبراطورية تجارية صناعية واسعة بعيدة عن الرقابة والمحاسبة، قبل أن يتحول عبد اللطيف حميدة لاحقاً إلى واجهة أكثر رسمية لهذا النفوذ عبر العمل النقابي والاقتصادي والصناعي، ما منحه شرعية محلية استمرت لسنوات.
في عام 2020، انفجرت واحدة من أكبر فضائح الكبتاغون في العالم، عندما ضُبطت في ميناء ساليرنو الإيطالي شحنة ضخمة بلغت نحو 14 طناً، قُدرت قيمتها بأكثر من مليار يورو. التقارير الدولية ربطت اسم حميدة ومصنعه للورق بهذه الشحنة، مشيرة إلى دوره كحلقة وصل أساسية في عمليات التغليف والتمويه، حيث استخدمت لفافات الورق الصناعية لإخفاء الحبوب المخدرة قبل شحنها إلى أوروبا.
وتشير تقارير متعددة إلى أن حميدة لم يكن مجرد اسم عابر في القضية، بل كان جزءاً من سلسلة توريد معقدة، لعبت فيها شركته دوراً لوجستياً محورياً، من خلال تغليف المنتجات التي كانت تُصنع في مختبرات يشرف عليها سامر كمال الأسد في اللاذقية، بما يعكس شراكة عابرة للحدود هدفها تمويل أنشطة مرتبطة بنظام الأسد، بحسب ما نشرته صحف وتحقيقات دولية.
ووفقاً لوزارة الخزانة الأمريكية، فإن عبد اللطيف حميدة صُنّف كرجل أعمال بارز في سوريا، ومالك لمصنع لفافات ورق في حلب، واعتُبر مصنعه بمثابة “شركة واجهة لتهريب الكبتاغون”. كما أشارت الوزارة إلى أن شحنات من حبوب الكبتاغون تزيد قيمتها على 1.5 مليار دولار تم تهريبها إلى أوروبا انطلاقاً من المصنع الذي يملكه، بعد إخفائها داخل لفافات ورقية صناعية.
ما أثار الجدل الواسع في الشارع الحلبي مؤخراً هو قيام وزير الداخلية السوري المهندس أنس خطاب بتوجيه كتاب رسمي إلى وزير الاقتصاد والصناعة، يطالب فيه بمخاطبة مديرية صناعة حلب لإلغاء كافة الإجراءات الاحترازية المفروضة على الشركة المملوكة لعبد اللطيف حميدة، وذلك بطلب وُقّع قبل نحو شهر.

بالتوازي مع ذلك، أصدرت إدارة مكافحة المخدرات في سوريا تعميماً تحت عنوان “إلى من يهمه الأمر”، جاء فيه أنه بعد التحقيق الرسمي تبين أن عبد اللطيف حميدة لا علاقة له إطلاقاً بشحنة المخدرات التي ضُبطت في إيطاليا عام 2020، وأن الشحنة كانت مرتبطة بأفراد آخرين موقوفين لدى السلطات، وأن أي نسبة سابقة للشحنة إلى شركة حميدة كانت خاطئة. كما أكدت الإدارة أن الشركة مسجلة قانونياً وتعمل وفق الأنظمة النافذة.

لكن اللافت أن إعلان هذه “البراءة” لم يظهر إلا عبر صفحة غرفة صناعة حلب، ما فتح الباب أمام تساؤلات حادة حول دور مجلس إدارة الغرفة ومكتبها الإعلامي، وهل تحولت المؤسسة الصناعية إلى منصة لتلميع صورة شخصيات ارتبطت بالشبيحة والاقتصاد الأسود، وتقديم التهاني لهم على “براءات” تفتقر إلى الشفافية الكاملة.

إن قضية بهذا الحجم، ترتبط بتمويل الإرهاب وتشويه صورة السوريين في الخارج، لا يمكن إغلاقها ببيان إداري مبهم أو تعميم داخلي مختصر. العدالة الحقيقية لا تتحقق بعبارات مثل “تبين بعد التحقيق”، بل بكشف الأسماء والرتب والمسارات اللوجستية الكاملة التي أوصلت أكبر شحنة كبتاغون في التاريخ إلى الموانئ الأوروبية.
يتساءل كثير من السوريين والصناعيين اليوم: أين هي محاضر التحقيق الرسمية؟ وأين الأدلة الفنية والجمركية التي تثبت المسار الحقيقي للشحنة؟ ولماذا لم تُكشف أسماء الضباط والمسؤولين في الفرقة الرابعة الذين أشارت بعض الروايات إلى تورطهم؟ وهل جرى أي تبادل للمعلومات مع السلطات الإيطالية أو الأوروبية، أم أن ما جرى كان مجرد إجراء داخلي هدفه رفع القيود عن شخصية اقتصادية مقربة من نظام الأسد؟
كما يبرز سؤال أكثر عمقاً: هل رفعت وزارة الخزانة الأمريكية عقوباتها عن عبد اللطيف حميدة؟ فالعقوبات لم تُفرض فقط بسبب ملف المخدرات، بل أيضاً بسبب دوره في دعم وتمويل مجموعات الشبيحة خلال سنوات سيطرة النظام على حلب. وقد ظهر حميدة أكثر من مرة إلى جانب فارس الشهابي، رافعين إشارات النصر بعد تهجير آلاف السوريين من مدينتهم، في مشهد لا يزال محفوراً في ذاكرة الحلبيين كرمز لانتصار النفوذ على العدالة.

إن قضايا بحجم “شحنة إيطاليا” لا يمكن طيّها بقرارات إدارية أو بيانات مقتضبة تحمل صياغات عامة. تبرئة شخصية اقتصادية بهذه الطريقة، دون شفافية حقيقية أو تعاون مع جهات تحقيق دولية، تضعف الرواية الرسمية أكثر مما تدعمها، وتوحي بأن الهدف هو غسل السمعة وإعادة تدوير النفوذ، لا الوصول إلى الحقيقة الكاملة.
يبقى ملف الكبتاغون جرحاً مفتوحاً في صورة السوريين أمام العالم، وتظل أسماء مثل عبد اللطيف حميدة شاهدة على مرحلة اختلطت فيها المصالح الاقتصادية بالأجهزة الأمنية، وتحالف فيها أصحاب البزات العسكرية مع أصحاب ربطات العنق الصناعية، على حساب القانون والسيادة والعدالة.





