الحكومة بين إنجازات كبرى واختلالات التنسيق: عام أول يفتح أسئلة المرحلة القادمة
الحكومة بين إنجازات كبرى واختلالات التنسيق: عام أول يفتح أسئلة المرحلة القادمة

بعد مرور أكثر من عام على تشكيل الحكومة الجديدة في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، لا يزال تقييم أدائها العام يثير نقاشاً متجدداً بين المتابعين والمهتمين بالشأن العام. فبينما فرضت طبيعة المرحلة وظروفها الاستثنائية تحديات معقدة منذ اليوم الأول، ودفعت الحكومة إلى التركيز على ملفات أمنية وسياسية ثقيلة، فإن حصيلة هذا العام تكشف في المقابل عن مفارقة لافتة: نجاحات واضحة على مستوى القرارات الكبرى، مقابل هشاشة ملحوظة في آليات العمل الإداري الداخلي.
إنجازات سياسية وأمنية تعيد رسم المشهد
خلال عامها الأول، تمكنت الحكومة من تحقيق اختراقات مهمة في عدد من الملفات المفصلية، أبرزها عقد مؤتمر الحوار الوطني الذي شكّل منصة جامعة لمختلف القوى السياسية والمجتمعية، وأسهم في فتح مسار سياسي أكثر شمولاً للحوار الوطني.
كما شهدت المرحلة خطوات باتجاه توحيد الأراضي السورية، في تطور اعتُبر من أبرز التحولات على المستوى السياسي والأمني، إلى جانب تشكيل مجلس الشعب بوصفه إطاراً تشريعياً يهدف إلى دعم مسار بناء مؤسسات الدولة وتعزيز البنية القانونية للمرحلة الانتقالية.
هذه الإنجازات، وفق مراقبين، تعكس قدرة الحكومة على إدارة الملفات الاستراتيجية ذات الحساسية العالية، وإحداث قدر من التقدم في بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد.
إدارة داخلية بلا إيقاع مؤسسي واضح
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يبرز في المقابل تساؤل جوهري حول نمط إدارة العمل الحكومي داخلياً. فالمعطيات تشير إلى غياب واضح لاجتماعات دورية منتظمة تتيح مراجعة القرارات الحكومية وتقييم نتائجها على أرض الواقع، وهو ما يُفترض أن يشكل ركيزة أساسية في أي عمل حكومي منظم.
كما يعاني المشهد الإداري من ضعف ملحوظ في التنسيق بين الوزارات، إلى جانب محدودية آليات المتابعة المركزية للأداء التنفيذي، الأمر الذي ينعكس على سرعة اتخاذ القرار وجودة تنفيذه.
هذا الغياب في الإيقاع المؤسسي للعمل الحكومي لا يقتصر على الجانب التنظيمي فحسب، بل ينعكس أيضاً على قدرة الدولة في الاستجابة السريعة للتحديات اليومية، ويطرح تساؤلات حول مدى فاعلية منظومة صنع القرار وآليات الرقابة الداخلية.
بين نجاحات الخارج وتحديات الداخل
تبدو الحكومة، حتى الآن، أكثر حضوراً في الملفات الكبرى ذات الطابع السياسي والأمني، مقارنة بقدرتها على بناء نموذج إداري متماسك داخلياً. وهذه المفارقة تضع التجربة برمتها أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع السلطة التنفيذية الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات والملفات الاستراتيجية إلى مرحلة بناء مؤسسات فعالة تعمل بإيقاع منتظم ومنسّق؟
في هذا السياق، يرى مراقبون أن استمرار ضعف التنسيق قد يحدّ من أثر الإنجازات المحققة، ويخلق فجوة بين مستوى القرار السياسي وقدرة الجهاز الإداري على التنفيذ.
اختبار المرحلة الثانية
مع دخول الحكومة عامها الثاني، يزداد الضغط باتجاه تصحيح مكامن الخلل في البنية الإدارية وتعزيز آليات العمل المؤسسي، بما يضمن رفع كفاءة الأداء وتوحيد الجهود بين مختلف الوزارات.
ويبقى السؤال المطروح بإلحاح: هل تنجح الحكومة في معالجة هذا الخلل البنيوي وبناء نموذج إداري أكثر تماسكاً وفعالية، أم أن غياب التنسيق سيستمر كأحد أبرز التحديات التي ترافق مسار المرحلة الانتقالية؟
في كل الأحوال، يبدو أن العام الثاني سيكون اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على الانتقال من “إنجاز الملفات الكبرى” إلى “ترسيخ الدولة كمؤسسة تعمل بكفاءة واستمرارية”.




