بعد كارثة طريق دير الزور – دمشق.. هل تتحرك الجهات المعنية قبل أن يسقط المزيد من الضحايا؟
بعد كارثة طريق دير الزور – دمشق.. هل تتحرك الجهات المعنية قبل أن يسقط المزيد من الضحايا؟

لم يكن صباح ذلك اليوم مختلفاً عن غيره بالنسبة لعشرات المسافرين الذين استقلوا حافلاتهم على الطريق الواصل بين دير الزور ودمشق، إلا أن الرحلة انتهت بكارثة جديدة أضيفت إلى سجل طويل من الحوادث التي جعلت السكان يطلقون على هذا الطريق اسم “طريق الموت”.
فقد أسفر حادث التصادم الذي وقع في منطقة السخنة، على بعد نحو 120 كيلومتراً من مدينة تدمر، عن مقتل 35 شخصاً وإصابة 31 آخرين، في واحدة من أكثر الحوادث دموية التي شهدها الطريق خلال السنوات الأخيرة، وسط مطالبات متجددة بضرورة التحرك العاجل لمعالجة أسبابه المتكررة.
وبحسب المعطيات الأولية، وقع الاصطدام بين حافلة تقل عناصر من قوات الأمن الداخلي وأخرى تقل مدنيين، على طريق صحراوي يفتقر إلى مقومات السلامة المرورية الأساسية، من إنارة وإشارات تحذيرية وبنية تحتية قادرة على استيعاب حركة النقل بين المحافظات الشرقية والعاصمة.
وسارعت فرق الإسعاف والدفاع المدني إلى موقع الحادث، فيما دفعت وزارة الدفاع بمروحيتين من مطار دير الزور العسكري لنقل المصابين ذوي الحالات الحرجة إلى مشفى حمص، نظراً لقربه الجغرافي من موقع الحادث، بينما جفي أول تعليق رسمي، عبّر عضو مجلس الشعب السوري مروان النزهان عن حزنه لسقوط هذا العددرى توزيع بقية المصابين على مشافي محافظة دير الزور لتلقي العلاج.
دعوات برلمانية لتحرك عاجل
في أول تعليق رسمي، عبّر عضو مجلس الشعب السوري مروان النزهان عن حزنه لسقوط هذا العدد الكبير من الضحايا، مؤكداً أن المأساة تتطلب تحركاً سريعاً لمنع تكرارها.
وقال النزهان في تصريح للوكالة الصحافة السورية: “الضحايا هم أهلنا وناسنا، نسأل الله أن يتقبل الشهداء ويشفي الجرحى ويصبر ذويهم، لكن الواجب اليوم هو العمل حتى لا يتكرر هذا المشهد.”
وطالب النزهان بخطة تدخل عاجلة تشترك فيها ثلاث وزارات، تبدأ بوزارة النقل من خلال إصلاح الطريق وردم الحفر العميقة التي تحولت إلى مصائد للمسافرين، وإعادة تأهيل الأجزاء المتضررة، مع وضع خطوط مرورية واضحة تساعد السائقين على الالتزام بمسارات آمنة.
كما دعا وزارة الداخلية إلى تسيير دوريات مرورية دائمة لمراقبة السرعات وضبط المخالفات على امتداد الطريق، فيما طالب وزارة الصحة بإنشاء نقاط إسعاف متقدمة وفرق طبية موزعة على طول الطريق، بما يضمن سرعة الاستجابة للحوادث وتقليل أعداد الوفيات الناجمة عن تأخر وصول المصابين إلى المستشفيات.
ورغم أهمية هذه الإجراءات، شدد النزهان على أنها تبقى حلولاً إسعافية مؤقتة، مؤكداً أن الحل الحقيقي يتمثل في الإسراع بإقرار مشروع الطريق الدولي الجديد بين دمشق ودير الزور وتنفيذه وفق معايير هندسية حديثة، محذراً من أن استمرار تأجيل المشروع سيجعل الطريق الحالي يستمر في حصد المزيد من الأرواح.
المحيميد: المسؤولية مشتركة
من جانبه، رأى المحلل السياسي وأحد أبناء المنطقة الشرقية، الدكتور حمزة المحيميد، أن تكرار الحوادث لا يمكن اختزاله في خطأ مروري عابر، بل هو نتيجة تراكمات تتحمل مسؤوليتها عدة جهات.
وفي تصريح خاص للوكالة الصحافة السورية، قال المحيميد إن الحكومة تتحمل مسؤولية مباشرة نتيجة تأخرها في الاستجابة للمطالب المستمرة بإعادة تأهيل الطريق وتوسعته ليصبح بمسارين بدلاً من المسار الواحد، مشيراً إلى أن الطريق يفتقر إلى الخدمات الأساسية رغم كونه شرياناً حيوياً يربط شرق البلاد بوسطها.
وأضاف: “كأن قدر أهل دير الزور أن يدفعوا ثمناً باهظاً في كل مرة، سواء في نهر الفرات أو على هذا الطريق.”
كما حمّل شركات النقل جانباً من المسؤولية، موضحاً أن عدداً كبيراً من الحافلات العاملة على هذا الخط قديم ويعاني من ضعف إجراءات السلامة، فضلاً عن تشغيل سائقين يفتقرون إلى الخبرة الكافية، وإلزامهم برحلات متتالية دون فترات راحة مناسبة، الأمر الذي يزيد من احتمالات وقوع الحوادث.
ولم يستثنِ المحيميد الجهات المرورية من المسؤولية، داعياً إلى تشديد الرقابة على السائقين، ووضع معايير أكثر صرامة لمنحهم تراخيص العمل، إضافة إلى فرض حدود سرعة تتناسب مع واقع الطريق وإمكاناته، مؤكداً أن السماح بسرعات مرتفعة على طريق غير مؤهل يجعل وقوع الكوارث أمراً متوقعاً.
وفي ختام حديثه، دعا المحيميد إلى التعامل مع هذه الحوادث باعتبارها قضية تتعلق بالسلامة العامة، لا مجرد حوادث سير متفرقة، مؤكداً أن غياب الحلول الجذرية سيؤدي إلى تكرار المشهد ذاته مستقبلاً.
طريق يحصد الأرواح
لا تبدو هذه الحادثة استثناءً في سجل الطريق الواصل بين دمشق ودير الزور، بل تأتي ضمن سلسلة طويلة من الحوادث التي خلّفت على مدى سنوات مئات الضحايا والمصابين، في ظل استمرار تدهور البنية التحتية، وغياب أعمال الصيانة الدورية، وضعف الرقابة المرورية، واعتماد وسائل نقل تفتقر في كثير من الأحيان إلى معايير السلامة.
وبين المطالبات الشعبية، والدعوات الرسمية، والتحذيرات المتكررة من المختصين، يبقى السؤال مطروحاً: كم من الأرواح يجب أن تُفقد قبل أن يتحول الحديث عن إصلاح الطريق من وعود وتصريحات إلى خطوات عملية على الأرض؟
فكل حادث جديد لا يمثل مجرد رقم يُضاف إلى إحصاءات الضحايا، بل يفتح مجدداً ملفاً قديماً طال انتظاره، ويعيد التذكير بأن معالجة هذا الطريق لم تعد خياراً تنموياً، بل أصبحت ضرورة إنسانية ملحة لحماية حياة آلاف السوريين الذين يسلكونه يومياً.




