احتجاجات المنطقة الشرقية… أصوات تطالب بإنهاء التهميش واستعادة حق المدن المنسية
أصوات تطالب بإنهاء التهميش واستعادة حق المدن المنسية

لم تكن الوقفات الاحتجاجية التي شهدتها مدن المنطقة الشرقية، اليوم الأحد، مجرد تجمعات مطلبية عابرة، بل جاءت تعبيرًا عن حالة غضب تراكمت على مدى سنوات من الإهمال وتراجع الخدمات. فمن الميادين إلى البوكمال ودير الزور، خرج الأهالي في مشهد غير مسبوق، حاملين مطالب تجاوزت تحسين الواقع الخدمي لتلامس قضية طالما شغلت أبناء المنطقة، وهي حقهم في التنمية والعدالة وحضور الدولة بصورة فاعلة.
وانطلقت شرارة الاحتجاجات، أمس السبت، من مدينة الميادين، قبل أن تمتد سريعًا إلى مدينتي دير الزور والبوكمال، في مشهد عكس حجم الاحتقان الشعبي إزاء ما يصفه الأهالي بسياسات التهميش التي طالت المنطقة الشرقية لعقود، رغم ما قدمته من تضحيات خلال سنوات الحرب.
الميادين… مأساة جديدة أعادت الغضب إلى الشارع
في مدينة الميادين، بدأت أولى الوقفات الاحتجاجية على خلفية حادثة مأساوية هزّت مشاعر السكان، لتتحول إلى منصة عبّر خلالها الأهالي عن استيائهم من استمرار تردي الخدمات الأساسية وتكرار الأزمات التي تواجه المدينة.
وجاءت هذه التحركات بعد أيام من انقطاع كامل للتيار الكهربائي، ما فاقم معاناة السكان في ظل ارتفاع درجات الحرارة، ودفع المحتجين إلى المطالبة بالإسراع في تنفيذ مشاريع خدمية وتنموية تنهي حالة التراجع المستمرة، وتستجيب للاحتياجات الملحة لسكان المدينة.
البوكمال… إضراب شامل ورسالة احتجاج
وفي البوكمال، اتخذت الاحتجاجات منحى أكثر اتساعًا، إذ شهدت المدينة إضرابًا عامًا أغلقت خلاله الأسواق والمحال التجارية أبوابها، في خطوة عكست تضامن التجار مع مطالب الأهالي.
وخلال الوقفة الاحتجاجية، أكد المشاركون أن مدينتهم، رغم ما قدمته من تضحيات، ما تزال تعاني غياب المشاريع التنموية واستمرار التهميش، مشددين على أن مطالبهم لا تتجاوز الحقوق الأساسية التي تكفل لهم حياة كريمة، وأن حضور مؤسسات الدولة يجب أن ينعكس في الخدمات والتنمية، لا في الوعود وحدها.
دير الزور… احتجاجات مستمرة دون صدام
أما في مدينة دير الزور، فقد أعلن الأهالي عن اعتصام مفتوح عند دوار السبع بحرات، حيث نُصبت خيمتان استعدادًا للاحتجاج. ومع حلول المساء، انطلقت مظاهرة من دوار الدلة باتجاه السبع بحرات، قبل أن تتدخل قوات الشرطة لإزالة الخيام ومنع الاعتصام بالشكل الذي كان مخططًا له.
ورغم ذلك، أفادت مصادر محلية بأن التعامل الأمني اتسم بالهدوء، إذ اكتفت القوات بإزالة الخيام ثم انسحبت من محيط المحتجين، ما أتاح استمرار الوقفات الاحتجاجية دون تسجيل أي احتكاكات أو مواجهات، بينما واصل المشاركون رفع شعارات تطالب بإنصاف المحافظة وتحسين أوضاعها.
مطالب موحدة… من الخدمات إلى العدالة
ورغم اختلاف مواقع الاحتجاج، فإن المطالب جاءت متشابهة في المدن الثلاث، إذ دعا المحتجون إلى تحسين الخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، ومعالجة أوضاع الطرق التي حصدت أرواح العشرات فيما بات يعرف محليًا بـ”طريق الموت”.
كما طالبوا بإنصاف ضحايا نهر الفرات، ومحاسبة المسؤولين عن التقصير الذي أدى إلى استمرار الأزمات الخدمية، إلى جانب دعوة محافظ دير الزور إلى لقاء الأهالي والاستماع مباشرة إلى مطالبهم، والعمل على إيجاد حلول عملية لها.
وفي أحد أكثر المشاهد تعبيرًا عن حجم المعاناة، قال أحد شباب دير الزور:
“شهداء النهر، وضحايا طريق الموت، ووعود حكومية لم تتحول إلى أفعال… حتى اليوم لم يتغير شيء، وكأن أرواح أبناء دير الزور مجرد أرقام.”
كما تردد بين الحشود هتاف “بدنا نعيش”، في رسالة اختزلت مطالب المحتجين، الذين أكدوا أن تحركاتهم لا تنطلق من دوافع سياسية، بل من رغبتهم في الحصول على أبسط مقومات الحياة الكريمة، وإنهاء سنوات من التهميش والإهمال.
تكشف الاحتجاجات التي شهدتها مدن المنطقة الشرقية عن اتساع الفجوة بين احتياجات السكان والواقع الخدمي الذي يعيشونه، في وقت تتزايد فيه المطالب بترجمة الوعود الرسمية إلى خطوات ملموسة على الأرض. وبينما يؤكد المحتجون أن تحركاتهم سلمية وتهدف إلى إيصال صوتهم، يبقى مستقبل هذه الاحتجاجات مرهونًا بمدى استجابة الجهات المعنية لمطالب طال انتظارها، وبقدرتها على معالجة أسباب الاحتقان، بما يعيد الثقة بين الدولة وأبناء المنطقة، ويحول دون تكرار مشاهد الغضب التي باتت تعكس واقعًا يطالب سكانه بالتغيير أكثر من أي وقت مضى.




