سوريا

نحو عقد اجتماعي جديد للطاقة في سوريا

نحو عقد اجتماعي جديد للطاقة في سوريا

لا يمكن لأحد في سوريا اليوم أن يجهل حجم المعاناة اليومية التي تسببها أزمة الكهرباء. فغلاء أسعارها لم يعد مجرد رقم في فاتورة شهرية، بل تحول إلى مشكلة مجتمعية كبرى تمس حياة السوريين في أدق تفاصيلها اليومية وتعيد تشكيل علاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية بطرق مقلقة.

من أبرز الآثار السلبية الحقيقية لغلاء الكهرباء، نزيف الدخل الأسري الذي تعاني منه غالبية الأسر السورية ، ففي وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية للمواطن بشكل كبير، أصبحت فاتورة الكهرباء تشكل عبئاً إضافياً يهدد قدرة الأسرة على تلبية احتياجاتها الأساسية من غذاء ودواء وتعليم. كثير من الأسر باتت تضطر للاختيار بين دفع فاتورة الكهرباء وشراء الدواء للأطفال، أو بين تشغيل الأدوات الكهربائية وشراء الخبز ، هذا الواقع المرير يتجسد في قصص حقيقية، ففي العاصمة دمشق، تفاجأ المواطن ه . م ، وهو موظف متقاعد يعيش على معاش تقاعدي لا يتجاوز 70 دولاراً شهرياً، بأن فاتورته الشهرية قفزت من 15-20 ألف ليرة (أقل من دولارين) إلى أكثر من 800 ألف ليرة (نحو 72 دولاراً)، أي ما يفوق دخله الشهري بالكامل، فغادر مكان الدفع دون أن يسدد ، هذا الوضع خلق توتراً داخل الأسر وضغطاً نفسياً لا يقل خطورة عن الضغط المادي نفسه.

هذا الوضع أدى إلى تراجع واضح في المستوى المعيشي للأسر السورية ، فلم تعد الكهرباء سلعة متاحة للجميع، بل أصبحت ترفاً لا يستطيعه إلا من يملكون دخلاً إضافياً ، بعض الأسر ذات الدخل المحدود باتت تقطع التيار عن نفسها طوعاً لتجنب الفواتير المرتفعة، أو تقنع باستخدام الحد الأدنى الذي لا يفي باحتياجاتها الحقيقية ، السيدة س .ز قالت إنها اضطرت للحد من استهلاكها للكهرباء لأنها وزوجها يعيشان على معاشين تقاعديين متواضعين، وأضافت: “لا نستخدم التكييف، وهذه السنة لم نستخدم السخان الكهربائي للاستحمام، ونشاهد التلفاز لفترات قصيرة فقط، خوفاً من ارتفاع الفواتير” . أما في فصل الشتاء، فإن مشكلة التدفئة تفاقمت، فالعديد من الأسر تعتمد على الكهرباء لتشغيل المدافئ، ومع غلاء الأسعار، تضطر هذه الأسر للاختيار بين البرد القارس وبين فاتورة كهرباء مرتفعة قد لا تستطيع تسديدها.

وهناك تأثير اقتصادي لا يقل أهمية، وهو تراجع الإنتاجية الوطنية. فالمشاريع الصغيرة وأصحاب الحرف اليدوية، الذين يشكلون العمود الفقري للاقتصاد المحلي، يجدون أنفسهم عاجزين عن مواصلة العمل بسبب ارتفاع تكاليف الكهرباء ، النجار الذي يحتاج للكهرباء، المصنع الذي يعتمد على أدواته الكهربائية، والخياطة التي تعمل على ماكينتها، جميعهم يجدون أن أرباحهم تذهب لشراء الكهرباء أو تشغيل المولدات. وهذا يدفع الكثيرين إما لإغلاق مشاريعهم أو لرفع أسعار منتجاتهم، مما يزيد من حدة التضخم ويعمق الأزمة الاقتصادية.

تحركات شعبية غير مسبوقة

لقد ولد غلاء الكهرباء موجة احتجاجية غير مسبوقة في سوريا، حيث خرجت تظاهرات للمطالبة بتخفيض الأسعار تحت شعار “الكهرباء حق وليست ترفاً” أمام وزارة الطاقة في دمشق، مع دعوات لتظاهرات مماثلة في حمص . المتقاعد م.ظ أحد المشاركين في الاحتجاج، عبر عن صدمته عندما اكتشف أن فاتورته تجاوزت 350 ألف ليرة (31 دولاراً) رغم ترشيد استهلاكه، متسائلاً: “من أين لي بهذا المال؟” بينما كان دخله الشهري لا يتجاوز 62 دولاراً . الأهم من ذلك، أن كثيرين أعلنوا رفضهم دفع الفواتير المرتفعة والبحث عن وسائل بديلة لتأمين الكهرباء، في تحدٍ واضح لسياسات التسعير الجديدة .

هذه المشاهد السورية تندرج في سياق إقليمي أوسع، حيث شهدت مدن عربية أخرى احتجاجات مشابهة. ففي محافظة الأنبار العراقية، دخلت المدن أسبوعها الثاني دون كهرباء وطنية، مما اضطر السكان للاعتماد كلياً على المولدات الخاصة التي ارتفع سعر الأمبير الواحد فيها إلى 30 ألف دينار ( 23 دولار ) ، مما أثار استياء واسعاً ودفع المواطنين للتساؤل عن كيفية بقاء بلد “يطفو على بحر من النفط والغاز” عاجزاً عن إنارة بيوت أهله . أما في اليمن، فقد شهدت مدينة المكلا موجة احتجاجات غاضبة بسبب انهيار خدمة الكهرباء، حيث تجاوزت ساعات انقطاع التيار 18 ساعة يومياً في ظل ارتفاع درجات الحرارة، مما دفع الآلاف للنزول إلى الشوارع وقطع الطرق بالإطارات المحترقة .

دروس من تجارب الدول الأخرى

تقدم تجارب الدول الأخرى نماذج متنوعة في التعامل مع أزمات الطاقة، بعضها نجح وبعضها الآخر لا يزال يعاني. في الاتحاد الأوروبي، تلجأ حكومات الدول الكبرى إلى ضخ مليارات اليورو كدعم لأنظمة الكهرباء لمواجهة ارتفاع الأسعار. ألمانيا، على سبيل المثال، خصصت حزمة دعم كبيرة للصناعة تقدر بعدة مليارات سنوياً (بين 3 و 6 مليارات يورو)، بالإضافة إلى دعمها المستمر للطاقة المتجددة الذي تجاوز 15 مليار يورو في السنوات السابقة . فرنسا وبولندا أيضاً لديهما برامج دعم كبيرة، تعكس حجم التحدي حتى في أغنى اقتصادات العالم.

الأرجنتين تقدم نموذجاً مثيراً للاهتمام في إصلاح دعم الطاقة. بالتعاون مع بنك التنمية للبلدان الأمريكية، طورت الحكومة الأرجنتينية منهجية متطورة لاستهداف الدعم بشكل دقيق. قبل الإصلاح، كان أغنى 30% من السكان يحصلون على 43% من دعم الكهرباء، بينما كان أفقر 30% يحصلون على 21% فقط. بعد الإصلاح، انخفضت تغطية الدعم للأسر الغنية من 60% من فواتيرهم إلى 7% فقط، بينما بقي الدعم للأفقر عند 74%. هذا التوجه وفر للحكومة نحو 4% من ناتجها المحلي الإجمالي، ورسخ مبدأ العدالة في توزيع الدعم .

أما الفلبين، فتواجه تحديات مشابهة، حيث تعترف الحكومة بوجود تسرب للدعم يصل إلى الأسر غير المستحقة. معهد التنمية الفلبيني يوصي بدمج قواعد البيانات بين مختلف الجهات الحكومية لتحسين استهداف الدعم، وإدخال آليات التناقص التدريجي لمنع استمرار الدعم إلى أجل غير مسمى. هذه الإصلاحات، وفق المعهد، يمكن أن توفر أموالاً كبيرة وتحسن كفاءة النظام مع الحفاظ على الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجاً .

في العراق، يقدم إقليم كردستان نموذج “مشروع روناكي” (النور) الذي يعتمد على شراكة مع القطاع الخاص لتوفير الكهرباء 24 ساعة يومياً باستخدام العدادات الذكية وتسعير مدروس، مما أنهى معاناة المواطنين من المولدات الخاصة وضجيجها وتكاليفها المتقلبة. هذا النموذج يثبت أن استقرار الطاقة ممكن من خلال الإدارة السليمة والشراكات الفاعلة مع القطاع الخاص.

عندما ننظر إلى واقع الطاقة في سوريا اليوم، نجد أنفسنا أمام معادلة صعبة تتطلب حلاً عادلاً ومستداماً في آن واحد. ليس المطلوب مجرد تخفيض للأسعار، بل إعادة هيكلة جذرية لدعم الطاقة تضمن وصوله إلى مستحقيه وتحد من الهدر، وتؤسس لثقافة جديدة في التعامل مع هذا المورد الحيوي ، وهذا ما يدفعني للتفكير بصيغة متكاملة تبدأ من دعم التدفئة وتخفيض أسعار الكهرباء وصولاً إلى تشجيع كفاءة الاستهلاك على مستوى الأفراد والمؤسسات على حد سواء.

في ما يخص المحروقات المستخدمة للتدفئة، أرى أن الدعم العيني المباشر هو الأكثر عدالة وفعالية ، بدلاً من دعم الأسعار للجميع، وهو ما يستفيد منه الأغنياء قبل الفقراء وقد يؤدي إلى التهريب والاستهلاك غير الرشيد، يمكن تخصيص حصة سنوية ثابتة لكل عائلة سورية تقدر ببرميلين من مادة التدفئة ، هذا الإجراء البسيط في ظاهره يحقق عدالة عميقة في جوهره، فهو يضمن أن تصل حرارة الشتاء إلى كل بيت سوري، في الريف والمدينة، في الساحل والجزيرة والبادية، دون تمييز أو محسوبية ، إنه نموذج للدعم الذي يضع المواطن في صميم اهتمامات الدولة، ويمنع تحول الدعم إلى سلعة تباع وتشترى في السوق السوداء أو وسيلة لإثراء التجار على حساب حق الناس بالدفء.

في الوقت نفسه، لا يمكن إغفال أهمية تخفيض سعر الكهرباء بشكل جريء وواضح، ليصبح في متناول جميع السوريين ويعالج هذه المشكلة المجتمعية المستفحلة ، إن تخفيض سعر الكيلوواط سيكون له أثر إيجابي فوري على حياة الناس اليومية، وسيرد إليهم شيئاً من الاستقرار النفسي والمادي الذي فقدوه بسبب ارتفاع الفواتير ، كما سيسهم هذا التخفيض في إنعاش المشاريع الصغيرة والمنشآت الحرفية التي تعتمد على الكهرباء في عملها، وهي عصب الاقتصاد المحلي وأمل الشباب في إيجاد فرص عمل تخرجهم من دائرة البطالة. لكن التخفيض وحده ليس كافياً إذا لم يرافقه وعي وثقافة في الترشيد، وهنا تظهر أهمية المحور التالي في هذه الرؤية.

لا يمكن الحديث عن حلول طويلة الأمد لأزمة الطاقة دون التطرق إلى كفاءة الاستهلاك، وهذا يتطلب تشجيعاً حقيقياً لاقتناء الأدوات والأجهزة الموفرة للطاقة. تخيلوا معي لو أن كل أسرة سورية استبدلت ثلاجتها القديمة المستهلكة للكهرباء بأخرى حديثة موفرة، واستبدلت مصابيحها التقليدية بمصابيح الـ LED، كم سينخفض الاستهلاك العام؟ كم ستنخفض الفاتورة الوطنية للطاقة؟ ولهذا يجب أن تترافق حملات التوعية مع حوافز حقيقية، كتقديم قروض ميسرة أو إعفاءات ضريبية لمن يشتري هذه الأجهزة، إلى جانب تسهيل استيرادها بل وتشجيع تصنيعها محلياً عبر إزالة العوائق الجمركية والإدارية التي تزيد من أسعارها وتحول دون وصولها لمحدودي الدخل الذين هم بأمس الحاجة لها. إن فتح باب الاستيراد والتصنيع لهذه التقنيات لن يوفر الطاقة فقط، بل سيخلق فرص عمل وينعش السوق المحلية وينقل السوريين نقلة نوعية في ثقافة التعامل مع الطاقة.

لكن الأهم من ذلك كله، أن يبدأ التغيير من مؤسسات الدولة نفسها. فقبل أن نطلب من المواطن الترشيد، يجب على الدولة أن تكون القدوة والمثل في هذا المجال. لا معنى لأن تخفض سعر الكهرباء للمواطن، بينما تظل مباني الوزارات والمدارس والمستشفيات والجامعات والمرافق العامة تعتمد على أدوات إنارة وتكييف قديمة ومستهلكة للطاقة بشكل كبير ، إن تحويل جميع مؤسسات الدولة إلى الاعتماد على الأدوات الموفرة للطاقة، واستبدال لمبات الإنارة التقليدية بأخرى موفرة، وتحديث أنظمة التدفئة والتبريد في المباني الحكومية، سيكون له أثر مضاعف بالغ الأهمية: أولاً، سيخفض فاتورة الكهرباء الضخمة التي تدفعها الدولة من ميزانيتها، مما يوفر أموالاً طائلة يمكن توجيهها لقطاعات أكثر إلحاحاً كالصحة والتعليم والبنية التحتية. وثانياً، سيرسل رسالة واضحة للمجتمع بأن الترشيد مسؤولية وطنية مشتركة، تبدأ من أعلى الهرم قبل أن تطلب من المواطن البسيط، ويعزز الثقة بين المواطن والدولة عندما يرى أن الجميع يتحملون المسؤولية سوياً.

إن التعامل الجاد مع هذه المشاكل المجتمعية التي خلفها غلاء الكهرباء ليس ترفاً فكرياً أو رفاهية سياسية، بل هو ضرورة وطنية ملحة. فالمجتمع السوري الذي تحمل ويلات الحرب وصبر على صنوف المعاناة، يستحق اليوم أن تلتفت الدولة إلى همومه اليومية، وأن تضع حلولاً عملية لمشاكله المعيشية. الاستقرار الاجتماعي الذي ننشده جميعاً يبدأ من قدرة الأسرة على تدبير أمورها بكرامة، ومن شعور المواطن بأن الدولة إلى جانبه لا تثقل كاهله. إن معالجة أزمة الكهرباء بمنظور مجتمعي شامل هو استثمار في مستقبل سوريا واستقرارها، فالمواطن المطمئن على قوت يومه وفاتورته هو المواطن القادر على الإنتاج والعطاء وبناء وطنه.

إن هذه الرؤية المتكاملة التي تجمع بين الدعم العيني العادل للمحروقات، والتخفيض الجريء لأسعار الكهرباء، والتشجيع الحقيقي لكفاءة الطاقة على مستوى الأفراد والمؤسسات، تشكل حلاً وطنياً بامتياز لأزمة الطاقة التي طال أمدها. إنها رؤية تراعي البعد الاجتماعي عبر عدالة التوزيع وضمان وصول الدعم لمستحقيه، وتراعي البعد الاقتصادي عبر تخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين ودعم المشاريع الصغيرة وتخفيف النفقات الحكومية، كما تراعي البعد البيئي عبر ترشيد الاستهلاك وتقليل الانبعاثات. وهي في النهاية تؤسس لثقافة مجتمعية جديدة تتعامل مع الطاقة كمورد وطني ثمين يجب الحفاظ عليه، ليس فقط من خلال دفع سعر أقل، بل من خلال استهلاك أكثر وعياً وحكمة على جميع المستويات. إنها دعوة لعقد اجتماعي جديد يقوم على المشاركة والشفافية والمسؤولية المتبادلة بين الدولة والمواطن في إدارة ثروات البلاد، وأولها الطاقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى