نور نجمي وحملات التبليغ المنظمة باستخدام الملكية الفكرية والعلامة التجارية لإسكات النشطاء

حملات التبليغ المنظمة توقف حسابات نشطاء الثورة.. تبليغات جديدة لموالي الأسد
في السنوات الأخيرة لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات مفتوحة للتعبير، بل تحولت تدريجيا إلى ساحات صراع رقمية تستخدم فيها أدوات قانونية وتقنية للتأثير على المحتوى، بل وأحيانًا لإزالته بالكامل
ويؤكد عدد من النشطاء السوريين أن هذه الأدوات باتت تستخدم بشكل متزايد ضد الحسابات التي تنشر محتوى سياسيًا أو توثيقيًا يتعلّق بالثورة السورية وفضح أزلام النظام الساقط.
من بين أبرز هذه الظواهر، برزت حملات التبليغ المنظم (Mass Reporting)، إذ يتم تقديم بلاغات جماعية ومتزامنة ضد حسابات نشطاء الثورة، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى إزالة منشورات أو تقييد الحسابات وإلغاء تنشيطها بشكل تلقائي.
وتعتمد هذه الحملات، بحسب شهادات متقاطعة لموقع “وكالة الصحافة السورية”، على استخدام أدوات مثل “مدير حقوق العلامة التجارية” و“مدير حقوق الصور” داخل منصات مثل فيسبوك وإنستغرام.
وتشير هذه الشهادات إلى أن بعض الجهات تلجأ إلى خدمات خارجية كون Meta Business suits غير مخدّم في سوريا بسبب العقوبات المفروضة على سوريا وتدار هذه الحملات من قبل شركات متخصصة تقدم بلاغات جماعية مقابل مبالغ مالية.
وذلك، حتى ولو لم تكن الشركات لها حقوق ملكية المحتوى، فقد تسرق المحتوى وتضع الملكية لها، ولديها أدوات قادرة على حذف المحتوى الأصل من حسابات المالكين الأصلين.
ويكون المحتوى المزال من قبل شركة Meta من إنتاج النشطاء أنفسهم، أو منشور ضمن سياق نقدي أو توثيقي، أو حتى عبارة عن إعادة نشر (Screenshot) لمحتوى متاح للعموم، ما يثير تساؤلات جدية حول مدى دقة هذه البلاغات وآليات التحقق منها.
خلال الأيام الماضية، أفاد عدد من النشطاء بتعرض حساباتهم لحملات تبليغ مكثفة، قالوا إنها جاءت عقب نشر محتوى يتناول شخصيات مناصرة للأسد. ووفقًا لرواياتهم، فإن هذه الحملات ارتبطت باسم نور نجمي، حيث يقف خلف هذه البلاغات، بسبب نشر محتوى له كان يحرض جيش الأسد على تهجير أهالي حي بني زيد في حلب.
الناشط محمد أزرق ذكر أن حسابه تعرض لهجمة تبليغات بعد نشر صورة (Screenshot) لمنشور عام، قال إنها تعود لنجمي حين. كان يمجد جيش الأسد.

بدروه، الصحفي ميلاد الشهابي أفاد بأن حسابه تعرض لهجمة تبليغات بعد نشر صورة (Screenshot) لمنشور عام، قال إنها تعود لنجمي. تحدث فيها عن مواقفه المؤيدة للسردية نظام الأسد، وتحريض جيش الأسد وميليشياتها على قتل وتهجير أهالي حي بني زيد في مدينة حلب.
وأوضح لوكالة الصحافة السورية أن لقطة (Screenshot) متاحة بشكل علني على فيسبوك، والمنشور غير مستخدم لأغراض تجارية، ولا يتضمن أي ادعاء بملكية المحتوى، ورغم ذلك، تم حذف المنشور، كما تأثرت صفحات أخرى قامت بإعادة نشره.
كما أشار إلى أن البلاغات استمرت لاحقاً، ما أدى إلى تقييد حساباته على فيسبوك وإنستغرام، ضمن سلسلة من الإجراءات التي طالت محتوى شخصيات مرتبطة بنظام الأسد ومصنفين على قوائم العقوبات الدولية على سوريا.

في سياق متصل، أفادت الصحفية عائشة صبري بتعرض حسابها أيضاً لإجراءات تقييد، بعد نشر محتوى قالت إنه متداول ضمن حملة توثيقية أطلقها نشطاء الثورة في نيسان/أبريل 2025 تحت شعار “حاسبوا حتى لا تُحاسبوا”.

وقالت صبري: إن شركة ميتا في 18 نيسان/أبريل الحالي أرسلت عبر الإيميل رسالة تفيدها بإزالة محتوى منشور من تطبيقي “إنستغرام وفيسبوك” يتعلّق بالحملة وتحديداً شخصية مطيع بلوي المدرج على قائمة عقوبات “قانون قيصر” الأمريكية بتهـمة غسيل أموال لصالح الأسد، ومحتوى الرسالة: “لقد قمنا بإزالة المحتوى التالي الذي نشرته لأننا تلقينا إشعارًا من جهة خارجية يفيد بأنه ينتهك حقوق العلامة التجارية الخاصة بها”.
وأضافت صبري أن الشركة أرسلت إيميلاً في 27 الشهر الجاري يبلغها بإزالة منشور يتعلق بذات الحملة وتحديداً شخصية فاضل بلوي، المدرج على قائمة عقوبات “قانون قيصر”، ورغم تقديمها الطعن إلا أن ميتا أوقفت تنشيط حسابها بشكل كامل.
وتشير صبري إلى أن بعض المواد المستخدمة في الحملة هي مواد عامة ومتاحة للجميع على مواقع التواصل الاجتماعي وتمت إضافتها لاحقاً إلى أنظمة إدارة الحقوق، ما أدى إلى حذفها من حسابات النشطاء.

وأردفت: “أنا كنت ضحية لهجمات إلكترونية من جهة سرقت محتوى من حسابي ووضعتها في مدير الحقوق لها، ومن ثم تقدّمت ببلاغات ضد حسابي، وتعرض حسابي للتعليق الدائم”، لافتة إلى أنها على مدى السنوات الماضية تم تعطيل أكثر من حساب فيسبوك.
بينما وجدت قوانين الملكية الفكرية لحماية الإبداع، يرى بعض النشطاء أن إساءة استخدامها قد تحولها إلى أداة رقابية تستخدم لإزالة محتوى لا يتوافق مع مصالح جهات معينة.
وفي ظل اعتماد المنصات على أنظمة آلية للاستجابة السريعة للبلاغات، قد يتم حذف المحتوى قبل التحقق الكامل من صحته أو سياقه، ما يضع عبئًا إضافيًا على المستخدم لإثبات أحقيته عبر إجراءات قانونية معقدة مثل “الإشعار المضاد”.

وما يجري اليوم لا يبدو مجرّد خلل تقني عابر، بل يعكس تحديًا حقيقيًا يتعلّق بالتوازن بين حماية الحقوق الرقمية وضمان حرية التعبير.
وبين روايات النشطاء ونفي أو غياب ردود من الجهات المعنية، تبقى الحقيقة بحاجة إلى تحقيقات أعمق وشفافية أكبر من قبل المنصات.
ويبرز الوعي القانوني والتوثيق الدقيق كأدوات أساسية بيد النشطاء، في مواجهة بيئة رقمية أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا من أي وقت مضى.
وتثير مسألة توظيف أشخاص على صلة بنظام الأسد في شركة “ميتا” جدلاً واسعاً، لا سيما فيما يتعلق بتأثير ذلك على سياسات الإشراف على المحتوى المتعلق بالثورة السورية. ولا تتوفر حالياً تقارير رسمية أو قوائم معلنة تثبت توظيف “موالين” بشكل منهجي، إلا أن هناك انتقادات ومصادر صحفية وحقوقية تناولت هذا الملف من زوايا مختلفة.
وسبق أن وجهت منظمات حقوقية، مثل “الأرشيف السوري” و”المركز السوري للعدالة والمساءلة”، انتقادات لشركة ميتا بسبب خوارزمياتها وسياسات الإشراف التي أدت إلى حذف كميات هائلة من الأدلة على جرائم الحرب في سوريا.
وأشارت بعض التقارير إلى أن مستخدمين موالين للنظام استغلوا أنظمة التبليغ في فيسبوك لإغلاق حسابات المعارضة عبر تصنيف محتواها كـ “محتوى عنيف” أو “رسائل غير مرغوب فيها”.
وأكد “المركز السوري للعدالة والمساءلة” عبر تقريره عام 2021 أن جهات إعلامية موالية للنظام استخدمت قوانين حقوق الملكية الرقمية لمطالبة فيسبوك بحذف فيديوهات توثق الاحتجاجات المناهضة للنظام (مثل احتجاجات السويداء في صيف 2020)، وهو ما استجابت له الشركة في بعض الحالات.
وفي مراجعات حديثة لسياسات ميتا، طرح مستخدمون تساؤلات حول ازدواجية المعايير؛ حيث تمنع الشركة الإشارة إلى جماعات معارضة معينة بينما تسمح بنشر صور وخطابات لبشار الأسد، وهو ما اعتبره البعض دعماً غير مباشر للأنظمة الديكتاتورية.
مزاعم حول موظفين سابقين في أجهزة أمنية: رغم عدم وجود تأكيدات تخص “موالين للأسد” تحديداً، إلا أن تقارير إعلامية كشفت سابقاً عن توظيف ميتا لمئات الأشخاص الذين خدموا في أجهزة أمنية وعسكرية لدول أخرى (مثل الموساد والجيش الإسرائيلي)، مما عزز المخاوف من وجود اختراقات مماثلة من قبل أنظمة أخرى للتأثير على سياسات المحتوى.
وجاء في تقرير “المركز السوري للعدالة والمساءلة” أن منصة فيسبوك شكّلت فعليًا المنصة الرئيسية للنقاش العام للشعوب التي تعيش تحت أنظمة معادية للإعلام المستقل، كما هو الحال في سوريا. لذا، يقع على عاتق فيسبوك واجب حماية حرية التعبير لمستخدميها وحمايتهم من المعلومات العنيفة والمضللة.




