بين أجنحة الملاك وجدران القتال: قصة “القناصة” التي كشفت ازدواجية التضامن الرقمي
ازدواجية التضامن الرقمي

في عالم وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تختلط الحقائق بالروايات، وتُختزل المآسي إلى صور جذابة قابلة للمشاركة، عادت قضية “القناصة الملاك” لتطرح أسئلة محرجة حول أخلاقيات النشاط الرقمي وحدود التضامن الانتقائي. قصة بدأت بصورة فنية وانتهت بكشف ملف تجنيد الأطفال في سوريا.
من “هاشتاغ” إلى حقيقة مؤلمة
قبل أسابيع، انتشر على منصات التواصل منشورٌ تضامني، بصريًا، مع قناصة مجرمة كانت في صفوف قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حيث ظهرت محاطة بهالة ضوئية وأجنحة بيضاء، في محاولة لتقديمها بصورة “ملاك”. وذلك عقب حادثة رميها من أحد الطوابق على يد بعض العناصر العسكريين، خلال المعركة التي شهدتها أحياء الشيخ مقصود في حلب الأسبوع الفائت.
سرعان ما تحوّل التفاعل الواسع مع الصورة إلى فضول: كيف تكون المجرمة “ملاكًا”؟ ومن يستطيع منح صفة الملائكة لمجرمة تقتل البشر؟ ثم إلى صدمة، عندما كشف نشطاء أن الوجه خلف بندقية القنص يعود لفتاة قاصر، وهي نفسها الفتاة التي ناشدت والدتها قبل سنوات قائد “قسد”، مطالبةً بإعادتها بعد اختطافها من طريق المدرسة.
هذا الاكتشاف كان من المفترض أن يقلب الحملة التضامنية رأسًا على عقب. فبدلًا من أن تكون الصورة تمجّد “البطولة” المزعومة، كان ينبغي أن تتحول إلى وثيقة اتهام غير مباشرة، تُظهر ضحية من ضحايا تجنيد الأطفال. السؤال الذي طُرح بقوة: كيف يمكن التضامن مع صورة مجتزأة، مع تجاهل الرواية الكاملة والمؤلمة للضحية وعائلتها؟
سوق التضامن الرقمي: عندما تصبح المأساة سلعة
تُظهر هذه الواقعة جانبًا مظلمًا مما يمكن تسميته “اقتصاد التضامن الرقمي”. ففي هذا السوق الافتراضي، تُقاس قيمة القضية ليس بعدد ضحاياها أو عمق معاناتها، بل بـ”قابليتها للانتشار”. تُختار القصص التي يمكن تحويلها إلى محتوى بصري عاطفي يجلب التفاعل والإعجاب، حتى لو كان ذلك على حساب تشويه الحقيقة أو تجاهل سياقها المعقّد.
لم يصدر عن النشطاء المعنيين أي اعتذار أو تصحيح يذكر حقيقة أن “المجرمة الملاك” في صورتهم هي طفلة مختطفة. ويبدو أن منطق “الترند” غلب على مبدأ المسؤولية الأخلاقية. هذا النمط من “التضامن التجاري” يحوّل المعاناة الإنسانية إلى خلفية لأداء مسرحي عابر، تُغتفر فيه التضحية بالدقة لصالح الانتشار.
الضحية الحقيقية: الطفولة المغتصبة والقانون المنتهك
وراء الجدل الإعلامي، تكمن جريمة حقيقية وممنهجة يحاول القانون الدولي مكافحتها. فظاهرة تجنيد الأطفال، التي توثقها تقارير منظمات حقوقية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”الشبكة السورية لحقوق الإنسان” في مناطق سيطرة فصائل مختلفة، تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل.
حالات مثل حالة الفتاة القناصة التي جرى تحويلها إلى مجرمة ليست فردية. وتشير تقارير ميدانية إلى ممارسات تشمل إغراء الأطفال بالمال أو الهواتف، أو تهديد عائلاتهم، أو حتى الخطف المباشر من المدارس والأحياء السكنية، لإجبارهم على الانضمام إلى القتال. الضحية هنا ليست مجرد طفولة تُسرق، بل مستقبل مجتمع بأكمله يُحكم عليه بالضياع في دوامة العنف.
ما وراء “الإعجاب”: كيف نتحول إلى تضامن حقيقي؟
في مواجهة هذه التعقيدات، يبرز سؤال حول دور مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرين: كيف يمكن تحويل التضامن الرقمي من تفاعل سلبي إلى فعل تغيير إيجابي؟
- التحقق قبل المشاركة: المسؤولية الأولى تقع على عاتق الفرد. البحث عن السياق الكامل لأي قضية وتدقيق المصادر هو حجر الأساس لأي تضامن ذي مصداقية.
- إعطاء الصوت للضحايا: يجب أن يتحول التركيز من تصميم الصور الجذابة إلى تضخيم صوت الضحايا الحقيقيين وعائلاتهم، ونقل مطالبهم كما هي، دون تزيين أو تحريف.
- دعم العمل المؤسسي: توجيه الاهتمام والموارد نحو المنظمات الحقوقية المحلية والدولية التي تعمل على الأرض لتوثيق الانتهاكات، والضغط القانوني، وإعادة تأهيل الأطفال المجنّدين.
- المطالبة بالمساءلة: استخدام الضغط الجماعي الرقمي لمخاطبة الجهات الفاعلة والمؤثرة، والمطالبة بوقف عمليات التجنيد والإفراج عن الأطفال.
قصة “القناصة الملائكية المجرمة” ليست مجرد حكاية عابرة في خلاصة أخبارك. إنها مرآة تعكس تناقضات عصرنا الرقمي، حيث يمكن أن تصبح الصورة أقوى من الحقيقة، وحيث يغيب أحيانًا العمق الأخلاقي خلف وابل من الإعجابات. التضامن الحقيقي معها، ومع آلاف الأطفال مثلها، لا يكتمل بمجرد مشاركة صورة، بل يبدأ عندما نرفض قبول الصورة كبديل عن الحقيقة، ونصرّ على سماع القصة كاملة، حتى وإن كانت مؤلمة




