تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
سوريا

بناء الإنسان السوري من جديد.. كيف فقد السوريون شعورهم بالانتماء؟

تحليل في جذور أزمة الانتماء وسبل استعادة المواطنة
ينطلق الكاتب بشار طفاش، في أحد مقالاته، من مقارنة بين تجربتي ألمانيا وسوريا، متسائلاً عن أسباب سرعة إعادة الإعمار الألمانية بعد الحرب. ويخلص إلى أن شعور الفرد الألماني بالانتماء إلى بلده ومجتمعه كان من العوامل التي ساعدت على النهوض وإعادة البناء.

ولا يمكن اختزال التجربة الألمانية في عامل الانتماء وحده، إذ ساهمت فيها ظروف سياسية واقتصادية ومؤسساتية ودولية متعددة. لكن المقارنة تفتح سؤالاً سورياً مشروعاً: كيف يمكن إعادة بناء بلد تضررت فيه علاقة الإنسان بالدولة والوطن والمجتمع؟

فالأزمة السورية لا تقتصر على الحجر الذي تهدم، أو الجسر الذي سقط، أو المصنع الذي توقف. هناك أيضاً ما تهدم داخل الإنسان نفسه: ثقته بالدولة، وشعوره بالمساواة، وإحساسه بأنه ينتمي إلى وطن يعترف به ويحمي حقوقه ويستحق أن يشارك في بنائه.

ولم تنشأ أزمة الانتماء مع الثورة السورية وحدها. فقد كشفت الثورة ما تراكم خلال عقود من القمع والإقصاء، ثم جاءت سنوات الحرب والاعتقال والتهجير والانقسام لتوسع الشروخ وتعمق شعور كثير من السوريين بالغربة عن بلدهم ومؤسساته.

ومن هنا يصبح السؤال الأساسي: كيف وصل السوريون إلى هذه المرحلة؟ وكيف يمكن إعادة بناء ما انهدم في الداخل قبل البدء بإعمار ما تهدم في الخارج؟

حين بُني الانتماء على الولاء

لفهم أزمة الانتماء في سوريا، لا يكفي النظر إلى أحداث عام 2011 وما تلاها. فالثورة كانت نتيجة لأزمة أقدم، تعود جذورها إلى سياسات أفرغت مفهوم المواطنة من مضمونه واستبدلته بعلاقة قائمة على الولاء للسلطة.

لم تتعامل الدولة، خلال عقود حكم الأسد، مع المواطن بوصفه شريكاً يمتلك حقوقاً وعليه واجبات، بل باعتباره فرداً مطلوباً منه إثبات الطاعة والانتماء السياسي للنظام.

وبذلك، لم تعد الكفاءة أو النزاهة أو خدمة المجتمع الطريق الطبيعي للوصول إلى مواقع المسؤولية، بل أصبح الولاء أحد أهم شروط التقدم داخل مؤسسات الدولة.

وساهم هذا النهج في تشكيل نخب سياسية واقتصادية ودينية ارتبطت مصالحها بالسلطة، مقابل تهميش شخصيات وكفاءات لم تنخرط في منظومة الولاء. ولم تكن هذه النخب تعبر بالضرورة عن المجتمع أو تطلعاته، بل ساعدت على تنفيذ إرادة النظام وترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة.

ونتيجة لذلك، تحول الانتماء من علاقة متبادلة بين المواطن والدولة، تقوم على الحقوق والواجبات، إلى علاقة خضوع بين الفرد والسلطة. وأصبح النظام يقدم نفسه باعتباره الوطن، فيما غُيّب التمييز بين الدولة بوصفها ملكاً لجميع المواطنين والسلطة بوصفها إدارة قابلة للتغيير والمحاسبة.

انتماء قائم على الخوف

توضح الباحثة الاجتماعية حلا الحاج علي أن الانتماء السائد قبل الثورة لم يكن انتماءً وطنياً متماسكاً، بل كان في جانب منه قائماً على الخوف.

فقد استخدم نظام الأسد الهويات والانقسامات الاجتماعية لإبقاء مكونات المجتمع خائفة من بعضها، ومنح امتيازات لفئات وأشخاص مقابل تهميش آخرين. وبقيت الصراعات مكتومة بفعل القمع، لكنها لم تكن غائبة أو معالجة.

ومع تراجع قبضة السلطة واتساع مساحة التعبير، ظهرت الشروخ التي كانت موجودة تحت السطح. فصراعات الهوية لا تنشأ خلال أيام، بل تتشكل نتيجة سنوات من الإقصاء والتمييز وغياب العدالة.

ولو كانت العلاقة بين السوريين ودولتهم قائمة على مواطنة حقيقية، وشعر المواطنون بأن المؤسسات تمثلهم وتحمي حقوقهم، لما وصلت حالة الاحتقان إلى الانفجار الذي شهدته البلاد عام 2011.

بهذا المعنى، لم تُنتج الثورة أزمة الانتماء من العدم، بل كشفت ضعف الأساس الذي قام عليه الانتماء الوطني خلال العقود السابقة. ثم أدت الحرب وما رافقها من قتل واعتقال وتهجير وتدخلات خارجية إلى تعميق الأزمة وتوسيعها.

غياب المشروع الوطني الجامع

يتمثل المستوى الأول من الأزمة في غياب مشروع وطني سوري جامع.

فقد تعاملت تيارات سياسية وفكرية متعددة مع سوريا، في مراحل مختلفة، بوصفها محطة ضمن مشروع يتجاوز حدودها؛ من القومية العربية إلى الأممية الشيوعية والخلافة الإسلامية.

وفي المقابل، انكفأت جماعات أخرى إلى هويات أضيق من الوطن، تقوم على الطائفة أو المذهب أو العشيرة أو المنطقة.

وبين هويات تتجاوز سوريا وأخرى تنكمش إلى ما دونها، غاب المشروع الذي يتعامل مع البلاد باعتبارها وطناً نهائياً لجميع مواطنيها، ويجعل المواطنة أساس العلاقة بينهم.

وظل الخطاب السياسي أسير التنافس بين المشاريع الكبرى والعصبيات الضيقة، فيما تراجع حضور المواطن السوري بوصفه صاحب حقوق متساوية، بصرف النظر عن دينه أو طائفته أو قوميته أو منطقته.

ولا يعني بناء هوية سورية جامعة إلغاء الانتماءات الدينية أو القومية أو الثقافية، بل وضعها داخل إطار وطني يضمن المساواة، ويمنع استخدام أي هوية لتبرير التمييز أو احتكار الدولة.

الاختلال المؤسساتي وانتقال الثقة إلى الجماعة

يتمثل المستوى الثاني في الاختلال المؤسساتي الذي أصاب الحياة السياسية والاقتصادية والدينية.

فحين تُستخدم المؤسسات لخدمة قلة مستأثرة بالنفوذ والثروة، يفقد المواطن شعوره بأنها تعمل من أجله. ومع اتساع الفجوة بين طموحاته وواقعه، تتراجع ثقته بالدولة ويبدأ البحث عن بدائل توفر له الحماية والفرص.

وهكذا انتقلت ولاءات كثير من السوريين تدريجياً من الدولة إلى شبكات اجتماعية واقتصادية بديلة، مثل العائلة والعشيرة والطائفة والحزب والجماعة المسلحة.

قدمت هذه الشبكات، في أحيان كثيرة، ما عجزت مؤسسات الدولة عن تقديمه: الأمان، والوظيفة، والمساعدة، والحماية من الاعتداء أو الملاحقة. وأصبح الانتماء إلى الجماعة الضيقة وسيلة للبقاء، في وقت بدت فيه الدولة بعيدة أو عاجزة أو منحازة.

ولا يمكن مطالبة المواطن بالتخلي عن هذه الولاءات ما دامت الدولة لا تقدم بديلاً عادلاً وموثوقاً. فالانتماء الوطني لا يُفرض بالخطب والشعارات، بل يتشكل عندما يرى الإنسان أن القانون يحميه، والمؤسسة تخدمه، والفرصة متاحة له على قدم المساواة مع الآخرين.

الإقصاء وتهميش الكفاءات

يظهر المستوى الثالث في الإقصاء الممنهج للكفاءات وتقديم الولاء على الخبرة والنزاهة.

فبناء نخب مرتبطة بالسلطة يعني بالضرورة إبعاد أشخاص قادرين على العمل والإدارة والإنتاج، بسبب مواقفهم السياسية أو خلفياتهم الاجتماعية والمناطقية أو رفضهم الانخراط في شبكة المصالح القائمة.

لم يكن كافياً أن يكون الإنسان سورياً وكفؤاً كي يصل إلى موقع يستحقه، بل كان عليه في كثير من الأحيان أن يثبت ولاءه للنظام.

وأدى ذلك إلى شعور قطاعات واسعة بأن الدولة لا تمثلها، وأن المؤسسات مغلقة أمامها، وأن النجاح لا تحدده الكفاءة بقدر ما تحدده الصلات والولاءات.

ثم جاءت عمليات التهجير الواسعة والاعتقال والتخوين والأعمال الانتقامية لتزيد اغتراب السوريين داخل بلدهم وخارجه. ولم يعد الاغتراب مرتبطاً بالمسافة الجغرافية وحدها؛ إذ يمكن أن يعيش الإنسان داخل وطنه وهو يشعر بأن مؤسساته لا تعترف به ولا تحميه.

الثورة والحرب وتعمق الانقسام

أضافت الثورة وما أعقبها من حرب طبقات جديدة إلى أزمة الانتماء. فقد انقسمت الجغرافيا وتعددت سلطات الأمر الواقع، وظهرت مؤسسات ومناهج تعليمية وخطابات سياسية مختلفة، وربطت كل منطقة حياتها اليومية بجهة محلية أو إقليمية مختلفة.

كما عاش ملايين السوريين خارج البلاد لسنوات طويلة، وأنشأ كثير منهم أعمالاً وعائلات وعلاقات جديدة في دول اللجوء. وبالنسبة إلى جيل من الأطفال والشباب، أصبحت سوريا مكاناً يعرفونه من روايات عائلاتهم أو من صور الحرب، أكثر مما يعرفونه من تجربة مباشرة.

وفي الداخل، ساهم الفقر والبطالة وغياب الخدمات وانتشار السلاح في إضعاف الثقة بفكرة الدولة. وحين يصبح الوصول إلى الحقوق الأساسية مرتبطاً بالواسطة أو الانتماء إلى جماعة، تتراجع المواطنة لمصلحة الولاءات الضيقة.

لذلك، لا يمكن تحميل الثورة وحدها مسؤولية تراجع الانتماء. فالثورة كشفت الأزمة البنيوية، بينما عمقتها الحرب ووسعت آثارها، وحولت الانقسام السياسي إلى واقع اجتماعي وجغرافي واقتصادي طويل الأمد.

كيف يُبنى الإنسان السوري من جديد؟

لا يمكن استعادة الانتماء الوطني عبر مطالبة السوريين بحب بلد لم يشعروا فيه بالأمان أو العدالة. فالانتماء ليس واجباً عاطفياً يُفرض على المواطن، بل نتيجة طبيعية لعلاقة سليمة بينه وبين الدولة.

وتبدأ إعادة بناء هذه العلاقة من الاعتراف بحقوق الضحايا، وكشف مصير المعتقلين والمفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، ورد الحقوق والممتلكات إلى أصحابها. فالإنسان الذي يشعر بأن معاناته جرى تجاهلها لن يثق بالدولة الجديدة أو يعتبرها امتداداً له.

كما يتطلب بناء الانتماء مؤسسات محايدة، وقضاء مستقلاً، وتكافؤاً في الفرص، وإدارة عامة تقوم على الكفاءة، لا على الطائفة أو المنطقة أو الولاء السياسي.

ويحتاج السوريون أيضاً إلى مشروع وطني يعترف بتنوعهم ولا يحوله إلى مصدر تهديد. فالوحدة الوطنية لا تعني صهر الجميع في هوية واحدة مغلقة، بل الاتفاق على مواطنة متساوية تسمح لكل فرد بالحفاظ على خصوصيته من دون أن تتحول إلى امتياز أو أداة إقصاء.

ويؤدي التعليم دوراً أساسياً في هذه العملية. فالمدرسة لا تنقل المعرفة فقط، بل تشكل وعي الأجيال بعلاقتها مع المجتمع والدولة. ومن دون مناهج تعزز التفكير النقدي وقبول الاختلاف وحقوق الإنسان، ستبقى الانقسامات قادرة على إعادة إنتاج نفسها.

ولا يقل عن ذلك أهمية فتح المجال أمام المجتمع المدني والنقابات والجامعات والإعلام كي تشارك في صياغة المجال العام، بدلاً من ترك مفهوم الوطنية حكراً على السلطة.

إعادة بناء الثقة قبل الحجر

يمكن إعادة بناء طريق أو مدرسة خلال مدة محددة، لكن إعادة بناء الثقة تحتاج إلى سنوات من السياسات العادلة والسلوك المؤسساتي المسؤول.

ولن يعود السوري إلى الشعور بالانتماء لأن مسؤولاً طلب منه ذلك، بل عندما يلمس أن الدولة تحميه ولا تراقبه، وتخدمه ولا تبتزه، وتعترف بحقه في الاختلاف ولا تطالبه بالطاعة.

وتبدأ إعادة إعمار سوريا الحقيقية من إعادة الاعتبار إلى الإنسان السوري بوصفه مواطناً، لا تابعاً أو رقماً أو عضواً في جماعة مغلقة.

فالحجر يمكن ترميمه بالمال والعمال والخطط الهندسية، أما الإنسان فلا يُعاد بناؤه إلا بالعدالة والكرامة والثقة. وإذا نجحت سوريا في استعادة هذه القيم، يصبح إعمار المدن نتيجة ممكنة. أما إذا بقي المواطن غريباً عن دولته، فقد ترتفع الأبنية من جديد، لكن الوطن سيظل مهدماً من الداخل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى