تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
سوريا

أزمة «آلية التنسيق» بين تفسير الضوء الأخضر وحدود السيادة

تباينت ردود الفعل حول القصف الذي طال الجنوب السوري أمس، ورغم انتظار الشارع السوري اعتذارًا من الحكومة الأردنية، جاء الرد الأردني صادمًا، ما أدى إلى تصاعد ردود فعل غاضبة. وقد بدت الحادثة وكأنها عمّقت الفجوة بين روايتين: رواية سورية تتحدث عن استهداف للسيادة وغياب للتنسيق المسبق، ورواية أردنية تتمسك بحقها في حماية أمنها الوطني وملاحقة تهديدات ترى أنها تنطلق من الأراضي السورية. وفي هذا السياق، تبرز أسئلة جوهرية: هل جاء القصف نتيجة قراءة أردنية لآلية التنسيق باعتبارها ضوءًا أخضر دائمًا، أم أنه كان عملية أمنية طارئة لم تُنسّق مسبقًا؟ ولماذا جاء الرد الأردني على نحو أثار موجة غضب بدلًا من احتواء الموقف؟ وهل تكشف الحادثة عن خلل أعمق في آلية التنسيق المشتركة بين عمّان ودمشق، أم عن غياب بروتوكول واضح للإخطار وقواعد الاشتباك؟



أصل التناقض… آلية تنسيق أم «ضوء أخضر دائم»؟

 يقول المحلل سياسي عبد الوهاب عاصي للوكالة ، فإن سبب التناقض الرئيسي يعود إلى تفسير عمّان لآلية التنسيق المشتركة مع الحكومة السورية بشأن مكافحة الإرهاب باعتبارها ضوءًا أخضر مستمرًا لمكافحة التنظيمات الإرهابية أو أي تهديد تتوقع عمّان أنه قادم من الطرف السوري، واعتمادها على هذه الآلية لتنفيذ عمليات داخل الأراضي السورية. في المقابل، يشير بيان وزارة الخارجية السورية وبيان الإعلام السوري إلى أنه لم يحصل أي تنسيق مسبق بين الطرفين، وبالتالي فإن الحكومة السورية لا تعتبر آلية التنسيق ضوءًا أخضر دائمًا يعفي من الإخطار أو من تنسيق العمليات قبل تنفيذ أي هجوم أو عملية ردع ترى الأردن أنها قد تشكل خطرًا عليها. هنا يقع الخلاف في منطقة رمادية بين «التنسيق القائم» و«التفويض الدائم»، وهي منطقة تسمح لكل طرف بقراءة الوقائع بما يخدم روايته.

 مأزق الأردن ورهان اللجنة المشتركة

يرى عاصي أن الأردن وقعت في مأزق وحرج كبير بشأن العملية، وهو ما يفسر تمسكها بالنتائج العملية وبخطابها حول وجود مجموعات إرهابية داخل الأراضي السورية. ويلاحظ أنه لا يوجد حتى اللحظة بيان سوري بشأن منفذي عملية الكرك، ومن المرجح أن الأردن تريد التحفظ على خطابها إلى حين التنسيق مع سوريا بشأن اللجنة المشتركة التي يفترض أن تتولى متابعة العمليات. وعلى أساس نتائج هذه اللجنة، يُتوقع أن تعدّل عمّان موقفها أو تثبته مجددًا. أي أن الموقف الأردني ليس نهائيًا، بل يبدو مرحليًا مرتبطًا بمخرجات التنسيق.

 دمشق بين الاستنكار وتجنب التصعيد

فيما يتعلق بعدم ظهور إدانة سورية صريحة، يرى عاصي أن الحكومة السورية كانت واضحة في بيان وزارة الخارجية من حيث استنكار الهجوم ورفضه، وإن لم يرد لفظ الإدانة بصورة صريحة. ويفسر ذلك برغبة دمشق في دراسة الأزمة التي حدثت، لأنها غالبًا نتيجة احتكاك بين الطرفين، وبمحاولة تجنب تصعيد غير مرغوب فيه أو توتر غير مقبول مع الجانب الأردني. ويضاف إلى ذلك أن الأردن من أكثر الدول العربية تنسيقًا وقدرة على بناء علاقة جيدة مع الحكومة السورية بعد سقوط نظام الأسد. بعبارة أخرى، تبدو دمشق حريصة على عدم تحويل الحادثة إلى أزمة ثنائية مفتوحة، دون أن يعني ذلك قبولها بما تعتبره انتهاكًا لسيادتها أو تجاوزًا لآلية التنسيق.

آلية غير متطورة وغياب البروتوكول العملياتي

المشكلة الجوهرية أن آلية التنسيق الأمني بين البلدين لا تزال في مراحل غير متطورة، ولم يبدُ أن هناك اندفاعًا من الطرفين لتعزيزها. ويذكر عاصي أن الأردن نفّذت منذ سقوط نظام الأسد ما لا يقل عن 17 عملية داخل الأراضي السورية، وقد يصل الرقم إلى ما بين 17 و19، وهو رقم كبير جدًا يستدعي أن تصل الآلية إلى مرحلة متقدمة من حيث تحديد آليات التعاون والتنسيق العملياتي والإخطار والإبلاغ وكل المتطلبات الأمنية التي يقتضيها تحسين التنسيق وتخفيف التوتر بين الطرفين. غياب هذه البروتوكولات الواضحة يخلق حالة من عدم اليقين: فكل طرف قد يعتبر تصرفه دفاعيًا أو وقائيًا، بينما يراه الطرف الآخر تجاوزًا للسيادة أو خرقًا للتنسيق. وبناءً على ذلك، يقدّر عاصي أن التنسيق وفق الآلية المذكورة ما زال غير متطور، وأن هناك حاجة إلى تعزيزه من الجانبين.

السيناريوهات المحتملة

على المدى القريب، يبدو أن الموقف الأردني سيظل معلقًا على نتائج اللجنة المشتركة. فإذا أنتجت اللجنة تفاهمات عملية واضحة بشأن الإخطار والتنسيق والمتابعة، فمن المرجح أن تعدّل عمّان موقفها أو تثبته مجددًا على أساس هذه النتائج. أما إذا استمر الغموض وتباين الروايات، فإن التوتر سيبقى محتملًا، مع خطر أن تتحول الخلافات التكتيكية إلى أزمة ثقة أوسع لذلك، فإن المخرج السياسي لا يكمن في تبادل الاتهامات، بل في تحويل «آلية التنسيق» من صيغة غامضة إلى بروتوكول عملياتي واضح يحدد صلاحيات الإخطار، وقواعد الاشتباك، وآليات التحقق، ومسؤوليات اللجنة المشتركة.


الخلاف بين الأردن وسوريا ليس خلافًا على مكافحة الإرهاب بحد ذاته، بل على معنى التنسيق وحدوده. فالأردن يرى في الآلية ضوءًا أخضر دائمًا، بينما ترى دمشق أنها مجرد إطار تعاون لا يلغي الإخطار أو السيادة. وبين القراءتين، يجد الطرفان نفسيهما أمام حاجة مزدوجة: حماية الأمن الوطني من جهة، وتجنب التصعيد غير المرغوب فيه من جهة أخرى. والحل المستدام يقتضي الانتقال من التفسيرات المتباينة إلى قواعد مكتوبة وواضحة للتنسيق الأمني، وإلا فإن كل حادثة جديدة ستُقرأ من زاوية مختلفة، وستعيد إنتاج الأزمة نفسها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى