تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
سوريا

اليوم شبيح وغداً بريء: حين يموت المتهم قبل أن يصل إلى المحكمة، لا تحاربوا منظومة الأسد بأدواتها

لا تحاربوا منظومة الأسد بأدواتها

ليست قيمة المبادئ في تطبيقها على من نتعاطف معهم، بل في التمسك بها عندما يتعلق الأمر بمن نختلف معهم أو نعدّهم مجرمين. ومن هنا، فإن وفاة «الشبيح» لؤي محمد ظروف داخل سجن النبك، وسط معلومات عن احتمال تعرضه للتعذيب، تطرح قضية تتجاوز شخصه وسجله إلى طبيعة مؤسسات الدولة التي يريد السوريون بناءها بعد عقود من القمع والاستبداد.

وصفي لظروف بـ«الشبيح» ليس موضع الخلاف، كما أن الحديث عن وفاته لا يهدف إلى تبرئته من أعماله في عهد الأسد أو الدفاع عن الجرائم والانتهاكات التي قد يكون ارتكبها. كل من تورط في جرائم بحق السوريين يجب أن يحاسب من دون تساهل أو محاباة، لكن المحاسبة شيء، والتعذيب والقتل خارج إطار القانون شيء آخر تماماً.

المشكلة الأساسية أن شخصاً توفي داخل مركز احتجاز، بينما قالت مصادر حقوقية إن جثمانه كان يحمل كدمات أثارت الشكوك حول ظروف وفاته. وإذا ثبت تعرضه للتعذيب، فنحن أمام انتهاك لا يجوز تبريره بسجل الضحية أو بموقف السوريين منه. فالمتهم، مهما بلغت خطورة الجرائم المنسوبة إليه، يجب أن يمثل أمام سلطة قضائية مستقلة، وأن يحاكم استناداً إلى الأدلة ووفق إجراءات قانونية واضحة. أما أن يترك مصيره لمزاج محقق أو سجان أو مسؤول أمني، فهذا ليس عدالة، بل استمرار لمنطق الدولة الأمنية.

ولؤي محمد ظروف ليس الاسم الوحيد الذي ارتبطت وفاته باتهامات بالتعذيب أو الاعتداء داخل مؤسسات الاحتجاز في سوريا الجديدة. فقد سبقته حالات عدة تختلف في تفاصيلها وفي درجة ثبوت أسباب الوفاة، لكنها جميعاً تستوجب تحقيقات قضائية مستقلة وشفافة.

وفاة لؤي محمد ظروف العنصر بقوات الأسد خلال احتجازه ثلاثة أشهر باللاذقية
Screenshot

في آب/أغسطس 2026، وفي محافظة اللاذقية نفسها، توفي محمد غميرة، وهو شاب يبلغ 29 عاماً ومتطوع سابق في الدفاع المدني السوري، بعد توقيفه في قسم شرطة الحفة. نُقل غميرة إلى المستشفى إثر تدهور حالته الصحية، وتوفي متأثراً بمضاعفات نزيف في الدماغ والجهاز الهضمي. وأعلنت وزارة الداخلية في البداية توقيف سبعة أشخاص كانوا موجودين في نظارة القسم خلال فترة احتجازه، قبل تشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات القضية.

المتطوع السابق في الدفاع المدني محمد غميرة الذي قتل إثر التعذيب في مخفر الحفة باللاذقية

وبحسب النتائج التي أعلنتها اللجنة لاحقاً، فإن الأطباء الذين عاينوا جثمان غميرة لم يجدوا علامات ظاهرة على العنف أو الشدة، ولا كسوراً في الجمجمة أو جروحاً رضّية. لكنها أكدت في الوقت نفسه ثبوت قيام أحد المحققين بصفعه على منطقة الرقبة، وأعلنت إحالته إلى النيابة العامة، إضافة إلى توسيع التحقيق المسلكي مع مسؤولين آخرين. كما أقرت بوجود قصور وإهمال مهني بسبب عدم تثبيت إصابة غميرة بمرض الناعور في ضبط التحقيق، رغم أنه أبلغ عناصر الأمن بمرضه. وأكدت النيابة العامة أن التحقيق القضائي ما زال مستمراً.

أمام هذه المعطيات، لا ينبغي أن تتحول القضية إلى سجال بين من يريد تبرئة عناصر الأمن مسبقاً ومن يريد إدانتهم قبل اكتمال التحقيق. المبدأ الذي يجب أن يحكمها أبسط من ذلك: إذا ثبت وقوع اعتداء أو إهمال أسهم في الوفاة، فيجب أن يحاسب كل من تثبت مسؤوليته، وإذا بقيت شبهات حول أسباب الوفاة، فيجب أن تحسمها الأدلة الطبية والتحقيقات القضائية المستقلة.

المؤتمر الصحفي الخاص بقضية الشاب محمد غميرة.

الدولة التي نريدها لا تحمي رجل الأمن من المحاسبة، ولا تدينه لمجرد الاتهام، وإنما تضعه، مثل سائر المواطنين، تحت سلطة القانون. وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي سلطة تقول إنها تريد بناء دولة مؤسسات: أن يكون القانون فوق الجميع، وأن تكون حياة الإنسان وكرامته مصانتين، بصرف النظر عن ماضيه أو انتمائه أو التهم الموجهة إليه.

وفي العاشر من آب/أغسطس 2025، توفي عبد الرحمن جعجول أثناء احتجازه في قسم شرطة الكلاسة بمدينة حلب، بعد توقيفه للاشتباه بسرقة دراجة نارية. وقال أحد أقاربه إن العائلة شاهدت آثار ضرب على جسده، فيما أفاد تقرير الطب الشرعي، وفق منظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة»، بأن سبب الوفاة كان ضربة شديدة على الأعضاء التناسلية.

عبد الرحمن جعجول الذي قتل إثر التعذيب في مخفر الكلاسة بحلب

وفي أيلول/سبتمبر من العام نفسه، أفادت تقارير بمقتل عطا الله صالح الفياض في حي مساكن برزة بدمشق نتيجة تعرضه للتعذيب على يد عناصر الدورية التي اعتقلته. وأعلنت وزارة الداخلية توقيف العناصر المعنيين وفتح تحقيق في القضية، لكن المعلومات المنشورة لم توضح لاحقاً نتائج التحقيق أو ما إذا كان المتهمون قد أحيلوا إلى القضاء.

عطا الله صالح الفياض الذي قتل إثر التعذيب في حي مساكن برزة بدمشق

ومن الحالات التي تكشف أهمية التحقيق المستقل أيضاً قضية يوسف اللباد، الذي توفي في سجن الحميدية التابع للأمن الداخلي في دمشق في تموز/يوليو 2025. اتهمت عائلته عناصر أمن بتعذيبه، بينما قالت لجنة طبية شكلتها السلطات إن الوفاة نجمت عن نقص أكسجة الدماغ بسبب نوبة اختلاج، وإن الإصابات الظاهرة على جسده لم تكن سبب الوفاة.

مثل هذا التناقض بين رواية العائلة والنتيجة الرسمية لا يحسم بالاتهامات المتبادلة، بل بتحقيق قضائي مستقل يتيح للعائلة الاطلاع على الأدلة والتقرير الطبي الكامل، ويحدد ما إذا كان المحتجز قد تعرض للاعتداء، وما إذا كان الإهمال أو التأخر في تقديم الرعاية الطبية قد أسهما في وفاته.

يوسف اللباد، الذي توفي في سجن الحميدية التابع للأمن الداخلي

وقد وردت هذه الحالات في تحقيق موسع نشرته منظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة»، تناول 14 حالة تعرض أصحابها للتعذيب أو توفوا في الاحتجاز بين حزيران/يونيو 2025 وحزيران/يونيو 2026. وشددت المنظمة على أنها لم تتمكن من الجزم طبياً بسبب الوفاة في جميع الحالات، بسبب غياب التقارير الطبية المستقلة أو نتائج التحقيقات المنشورة. لذلك يجب تقديم هذه الوقائع بوصفها حالات وفاة في الاحتجاز تحيط بها أدلة أو اتهامات جدية بالتعذيب أو سوء المعاملة، لا بوصفها أحكاماً قضائية نهائية. (تقرير سوريون من أجل الحقيقة والعدالة)

هذه الوقائع، التي لم أذكر سوى جزء منها، تؤكد أن المسألة لا تتعلق بالدفاع عن شبيح أو مجرم، ولا بحالة فردية يمكن تجاوزها. فقبول التعذيب عندما يقع على شخص مكروه اجتماعياً يفتح باباً بالغ الخطورة؛ لأن السجان الذي يعتاد التعذيب، والمحقق الذي يعتاد انتزاع الاعترافات بالقوة، والمسؤول الذي يضمن الإفلات من العقاب، لن يتوقفوا بالضرورة عند المتهمين بارتكاب الجرائم.

الأداة التي تستخدم اليوم ضد شخص نصفه بالمجرم قد تستخدم غداً ضد مدني بريء، أو ثائر، أو معارض للسلطة، أو مواطن لا علاقة له بالسياسة. وحين تصبح مراكز الاحتجاز مؤسسات مغلقة تتصرف بمنطق أمني ولا تخضع لرقابة القضاء، لن يبقى السؤال: من يستحق التعذيب؟ بل سيصبح: من يستطيع المسؤول الأمني أن يعذبه من دون أن يحاسب؟

إن شرعنة عبارة «هذا شبيح، لا بأس أن يموت تحت التعذيب» لا تمثل قطيعة مع منظومة الأسد، بل تعيد إنتاج جوهرها. فقد قامت تلك المنظومة على تجريد المعتقل من إنسانيته وتحويله إلى رقم، واستخدام التعذيب وسيلة للانتقام والإذلال وإخضاع المجتمع. وكان بعض مجرميها يتفاخرون بقتل المعتقلين وكأن ذلك بطولة، بينما تحولت مراكز الاحتجاز إلى أماكن مغلقة لا يصل إليها القانون ولا تخضع للمساءلة.

لا يمكن بناء دولة مختلفة باستخدام الأدوات نفسها، حتى لو تبدلت أسماء الضحايا والجلادين.
رفض التعذيب لا يعني التساهل مع مجرمي الأسد، كما أن المطالبة بمحاكمة عادلة لا تعني الدفاع عنهم. على العكس، العدالة القانونية الجادة هي الطريق الوحيد إلى محاسبة حقيقية تحفظ حقوق الضحايا، وتوثق الجرائم، وتكشف المسؤولين عنها.

من تثبت إدانته بقتل السوريين أو تعذيبهم يجب أن ينال العقوبة التي يقررها القانون، وأن يقضيها كاملة من دون عفو أو وساطة أو صفقة مالية. ولا يجوز أن يفلت أصحاب النفوذ والثروة من العقاب، كما لا يجوز أن يصبح المال أو القرب من مراكز القوة وسيلة لتبييض السجل والعودة إلى المشهد العام.

وهنا تثار أسئلة مشروعة حول أسماء مثل حمشو والمرسومي والمرعي وفادي صقر وغيرهم ممن ارتبطت أسماؤهم، في الخطاب العام، باتهامات تتعلق بدعم منظومة الأسد أو المشاركة في انتهاكاتها، بينما لا يزال بعضهم يتمتع بالحرية أو يعاود الظهور في المشهد العام. المطلوب ليس إصدار أحكام شعبية بحق هؤلاء أيضاً، وإنما إخضاع ملفاتهم لتحقيقات قضائية مستقلة، ومحاسبة من تثبت إدانته، ومنع المال والنفوذ والعلاقات الجديدة من التحول إلى حصانة من العدالة.

المحاسبة الانتقائية لا تصنع عدالة. فإذا كان شخص يعاقب لأنه بلا حماية، بينما يترك آخر لأنه يملك المال أو العلاقات، فنحن لا نكون أمام دولة قانون، بل أمام إعادة ترتيب لموازين القوة داخل دولة العصابة نفسها.

العدالة الحقيقية لا تختصر بموت المتهم داخل زنزانة. إنها تبدأ بتوثيق جرائمه، والاستماع إلى الضحايا والشهود، وكشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، ثم إصدار حكم قضائي علني وعادل. بهذه الطريقة يعرف المجتمع ما حدث، ويحصل الضحايا على اعتراف قانوني بما تعرضوا له، وتثبت الدولة الجديدة أنها لا تحمي المجرمين ولا تتحول في الوقت نفسه إلى جلاد جديد.

السكوت عن انتهاك وقع بحق شخص لأنه كان مجرماً في عهد الأسد يعني القبول بالقاعدة التي قامت عليها المنظومة الأمنية السابقة: هذا يعاقب وذاك يترك، وهذا محمي من فلان، وذاك يدفع ثمن خصومة مع مسؤول، وهذا يقتل لأن أحدهم قرر أنه يستحق الموت، ثم ينتهي النقاش بعبارات من نوع: «بلا ما تروح على بيت خالتك» أو «الشيخ هيك بدو».

هكذا تبدأ إعادة بناء دولة الخوف؛ بالتسامح مع انتهاك يبدو مقبولاً لأنه وقع بحق شخص لا يتعاطف معه أحد. ثم تتسع دائرة الاستثناءات، ويصبح التعذيب إجراءً معتاداً، وتعود ثقافة «الحيطان لها آذان»، ويجد السوريون أنفسهم مرة أخرى أمام أجهزة تملك سلطة الاعتقال والعقاب من دون رقابة أو محاسبة.

وحتى أغلق الباب أمام أبواق السلطة التي قد تختصر موقفي باتهام جاهز من نوع «أنت من الفلول»، فأنا أخ لاثنين من المعتقلين اللذين لا أعرف مصيرهما منذ عام 2012 حتى اليوم. لذلك لا أنظر إلى جرائم منظومة الأسد من موقع المحايد أو البعيد، وما أدافع عنه هنا ليس شبيحاً، بل قيم الثورة السورية ومبادئها، وفي مقدمتها الكرامة والحرية والعدالة.

القاتل والمجرم مكانهما المحكمة العادلة، لا أقبية التعذيب. وبالنسبة إليّ، فإن الموت السريع لمجرمي الأسد قد يكون رحمة لا يستحقونها؛ أما العقاب الحقيقي فهو أن يبقوا أحياء خلف القضبان، وأن يواجهوا الأدلة والشهادات، ويتذكروا كل يوم ما ارتكبوه بحق المدنيين الذين عذبوهم وقتلوهم.

لا تُبنى الدولة الجديدة بالشعارات، بل بالطريقة التي تطبق بها القانون، ولا سيما على الأشخاص الذين يكرههم المجتمع. فمن السهل احترام حقوق من نحبهم، لكن الاختبار الحقيقي للمؤسسات يبدأ عندما يمثل أمامها شخص متهم بجرائم خطيرة، فتضمن له محاكمة عادلة، ثم تنزل به العقوبة التي يستحقها وفق القانون إذا ثبتت إدانته.

العدالة ليست انتقاماً، والقصاص لا يعني أن نصبح نسخة أخرى ممن حاربناهم. وإذا كنا نريد دولة مختلفة عن دولة الأسد، فعلينا أن نثبت ذلك بمنع التعذيب، وضمان المحاكمات العادلة، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات أياً كانت مواقعهم، وعدم السماح لأي جهاز أمني أو عسكري أو مؤسسة رسمية بأن تضع نفسها فوق القضاء.

إما أن يكون القانون فوق الجميع، بمن فيهم المجرمون والسجانون والمسؤولون، أو أننا لم نغادر دولة العصابة بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى