
بعد اثني عشر عاماً من مغادرة الميادين، عادت الكاتبة إلى منزل جدها ومدرستها، لكنها لم تستطع الوصول إلى قبره بسبب الألغام. في المدينة وريفها، ما تزال مخلفات الحرب تحصد أرواح المدنيين والمتطوعين وتمنع السكان من الوصول إلى أراضيهم وبيوتهم.
في شباط/فبراير 2014، كانت الميادين عالقةً في فكي كماشة الموت، براميل نظام الأسد المتفجرة تمطرها من السماء وزحف تنظيم “داعش” يضيق الخناق عليها من الأرض.
كنت في غرفتي، أُمسك بدفتر الرسم محاولةً اقتناص لحظة من الحياة الطبيعية، حين ابتلع وميضٌ خاطف بلونين أحمر وأزرق كل شيء. ارتجت الأرض بعنف يخلع القلوب، وتطايرت النوافذ، لتتحول الغرفة في ثانية واحدة إلى دوامة خانقة من الغبار والحطام.
كانت طائرات النظام قد ألقت للتو برميلاً متفجراً على المقبرة الملاصقة لجدارنا الخلفي. انقشع غبار تلك الضربة عن تسعة أطفال ابتلعهم الموت، وعن شرخ في الجدار ضرب طمأنينة بيتنا للأبد.
بعد شهرين وبحلول نيسان/أبريل، كانت المعلومات تؤكد أن سقوط المدينة بيد تنظيم “داعش” بات وشيكاً، لتصل رسالة صريحة ومرعبة إلى والدي الذي كان يشغل حينها منصب رئيس المجلس المحلي: “أنت أول من سنقطع رأسه عند دخولنا الميادين”.
أمام هذا الخناق، أخذ والدي قراره الأصعب تركنا المنزل خلفنا هاربين نحو تركيا ثم إلى السعودية، لنبدأ رحلة غياب قسرية امتدت لاثني عشر عاماً.
غادرنا الميادين، الواقعة على الضفة الغربية لنهر الفرات، بعدما عشنا انخراطها المبكر في الحراك السلمي عام 2011، ثم خروجها عن سيطرة النظام أواخر 2012. وفي صيف 2014، سيطر تنظيم “داعش” على المدينة، لتصبح واحدة من أبرز معاقله في دير الزور، وهدفاً لاحقاً لغارات مكثفة شنها التحالف الدولي وروسيا.
ورغم استعادة قوات النظام السوري بدعم روسي السيطرة عليها أواخر 2017، إلا أن الميادين لم تعد لأهلها، فقد تحولت إلى مركز أمني ولوجستي للميليشيات التابعة لإيران، لتبقى رهينة تحولات عسكرية وموجة نزوح أفرغت شوارعها من سكانها.
طوال اثني عشر عاماً من الغياب، بقيت الميادين حاضرة في ذاكرتي من خلال ثلاثة أمكنة كنت أعود إليها كلما فكرت بالمدينة. أولها منزل جدي في حي “مساكن الشرقية”، وثانيها “مدرسة الميادين الابتدائية” والطريق الذي كنت أقطعه إليها كل صباح في خمس دقائق، حاملةً حقيبتي. أما الثالث، فكان قبر جدي الذي توفي بعد عام من مغادرتنا الميادين، وبقيت أنتظر اليوم الذي أستطيع فيه الوقوف أمامه وقراءة الفاتحة.

مدفوعة بهذا الحنين، عدت للمرة الأولى إلى دير الزور برفقة بعض الأقارب. طوال الطريق، لم أستطع النوم رغم سهري في الليلة السابقة. كنت متوترة ومتحمسة في الوقت نفسه لرؤية المدينة من جديد.
توقفنا عند محطة وقود على مشارف الميادين. وما إن دخلنا المدينة وبدأت مشاهد الخراب تتكشف أمامي، حتى تبدد حماس العودة سريعاً. عندها فقط بدأت أستوعب حجم ما حلّ بالمكان الذي ظل طوال سنوات الغياب محفوظاً في ذاكرتي بصورته القديمة.
ورغم قسوة المشهد، قررت أن أبدأ بالأماكن الثلاثة التي بقيت حاضرة في ذاكرتي، وكان أولها منزل جدي، حيث قضيت جزءاً كبيراً من طفولتي. كان المنزل يتألف من طابقين، وكان جدي يشغل الطابق الأول الواسع، وفيه فناءان: أمامي صغير لاستقبال الزوار، وخلفي أكثر اتساعاً، تظلله نخلة وتنتشر فيه رائحة الورد والفل.
في الصالة الرئيسية، كان سرير جدي الخشبي، وبالقرب من مخرجها يقع المطبخ حيث كانت جدتي تعد أشهى الأطباق للعائلة كل يوم. وفي الجهة المقابلة، تمتد غرفة الضيوف بمكتبتها التي تغطي جداراً كاملاً، وتحتضن مئات الكتب في الأدب والتاريخ والفقه.
كانت تلك المكتبة جزءاً من طقوس جدي اليومية، يقرأ لنا منها في ليالي الشتاء. شكل المنزل مساحة للتجمع اليومي. نتحلق كل مساء حول جدي لنستمع إلى حكاياته، ونركض في الفناء الخلفي مع أبناء العمومة تحت أنظار النخلة التي شهدت ضحكاتنا التي لا تنقطع.
في اليوم الأول لعودتي، توجهت برفقة عمي إلى منزل العائلة بالقرب من السوق الرئيسي. وبعد 12 عاماً من الغياب، وقفت مجدداً داخل المنزل. الهيكل كما هو، لكن الروح غادرته.
تجولت في أرجائه أستحضر ذكرياتي. تخيلت جدي جالساً في مكانه المعتاد، واللوحات القديمة تزين الجدران، لكن سرعان ما تبدد هذا الوهم ليصفعني الفراغ المخيف الذي ابتلع المكان. الجدران باتت مثقبة بآثار الرصاص، النوافذ محطمة، والأبواب مخلعة. وفي الفناء الخلفي، اغتال القصف النخلة، وذبلت الأزهار، وغابت ضحكات العائلة.
لم أحتمل البقاء طويلاً وسط هذا الخراب. هربتُ من صمت المنزل، وخرجتُ أجرّ خطواتي نحو المحطة الثانية في ذاكرتي: مدرسة الميادين الابتدائية. عندما وصلت، تسمرتُ في مكاني. لم أجد مدرسة، بل تلاً من الركام. الساحة التي ضجت بلعبنا تحولت إلى حفرة عميقة خلفتها قذيفة. وقفتُ طويلاً أحاول أن أستحضر صورة المدرسة وأرسم موقع مقعدي، لكن عبثاً، فقد دُفنت كل تلك الذكريات تحت الأنقاض.

بعد المنزل والمدرسة، بقي المكان الثالث الذي انتظرته طويلاً: قبر جدي. أردت أن أذهب إلى المقبرة وأقف أمامه للمرة الأولى منذ وفاته، لكن عمي أوقفني قائلاً إن الطريق إليها لا يزال خطراً بسبب الألغام.
كانت تلك أول مرة أدرك فيها، خلال الزيارة، أن الحرب لم تغيّر شكل المدينة فقط، بل ما زالت تمنع أهلها من الوصول إلى أماكن يفترض أنها جزء من حياتهم اليومية، حتى مقابر موتاهم.
لم تكن المقبرة حالة استثنائية. خلال سنوات سيطرة تنظيم “داعش” على دير الزور وريفها، زرع التنظيم الألغام والعبوات في الطرق والأحياء ومحيط المنازل والمنشآت، في محاولة لإبطاء تقدم القوات التي كانت تقاتله.
وفي الميادين تحديداً والقرى المحيطة بها، تركز تفخيخ التنظيم في محيط المقابر، وحول المنازل المهجورة، وعلى الطرقات الزراعية. وتشير التقديرات المحلية إلى أن مساحة هذه الحقول المتناثرة في ريف المدينة تتجاوز 50 كيلومتراً مربعاً، لا تزال تحصد الموت.
يعرف كامل المحمد، وهو أحد العاملين في فرق إزالة الألغام، هذا الخطر عن قرب. خلال إحدى مهمات التمشيط جنوب شرقي الميادين، فقد أربعة أشخاص كانوا يعملون معه، بينهم المتطوع خليل المحمد، البالغ من العمر 74 عاماً، وابن أخيه الشاب إسماعيل.
كان خليل قد تطوع لمرافقة الفريق لأنه يعرف المنطقة جيداً، ويستطيع الاستدلال على الطرق والمنازل والمسارات القديمة في البادية، “كان يؤمن بأن حماية أبناء بلده من فخاخ الموت واجب”.
يستذكر كامل محمد تفاصيل المهمة: “انطلقنا إلى منطقة تبعد 5 كيلومترات جنوب شرق الميادين. وبعد خمس ساعات متواصلة من العمل الشاق وتحديد أماكن الألغام حول المنازل المهجورة، قررنا العودة عبر الطريق نفسه ظناً منا أنه آمن”.
يتابع واصفاً لحظة الفاجعة: “في لحظة، دوّى انفجار مرعب، وتطاير الغبار مختلطاً بالصرخات. سقط خليل وإسماعيل واثنان من زملائنا معاً. هرعنا لإنقاذهم، لكن الصمت خيّم في سيارة الإسعاف.. لقد فارقوا الحياة قبل وصولنا إلى المشفى”.
لكن فخاخ الموت هذه لا تقتصر في حصدها للأرواح على فرق إزالة الألغام والمتطوعين فحسب، بل تمتد لتحاصر المدنيين العاديين في أبسط تفاصيل يومياتهم، وتتربص بهم حتى في لحظات بحثهم عن الفرح والحياة الطبيعية.
الشاب قاسم الغدير يمثل وجهاً آخر لهذه المأساة فعلى عكس المتطوعين، لم يكن قاسم في مهمة تمشيط، بل كان في أجازة العيد حيث خرج في رابع أيام عيد الفطر في آذار/مارس من العام الماضي مع رفاقه في نزهة إلى منطقة “سديرة”، وهي بقعة خضراء تبعد كيلومترين غرب الميادين، اعتقدوا أنها آمنة ومناسبة كمتنفس للشباب.
بعد انتهاء تجوالهم، بدأت رحلة العودة التي قلبت حياته. يصف قاسم تلك اللحظة قائلاً: “كنت أمشي في مؤخرة المجموعة، ولم أدرك ما حدث إلا حين دوّى انفجار مفاجئ طيّر جسدي في الهواء. كانت ثوانٍ مرعبة قبل أن يهرع رفاقي إليّ لشد جروحي وإسعافي على دراجة نارية”.
نُقل الشاب لاحقاً إلى مشفى في دمشق، حيث مكث أسبوعاً كاملاً رُكّبت له خلاله أجهزة طبية خارجية في يده وقدمه، لتُستبدل لاحقاً بصفائح معدنية. لكن المعاناة لم تنتهِ في غرفة العمليات، فبعد مرور خمسة أشهر على الحادثة، وقت إجراء المقابلة، لا يزال قاسم طريح الفراش فاقداً القدرة على المشي.
يروي كيف تعرض جرحه لالتهابات متكررة وقيح، بينما يده المكسورة لم تلتئم ولا تؤدي وظيفتها حتى الآن. ورغم ألمه الجسدي والنفسي، وحرمانه من الحركة والعمل، يختصر قاسم مأساته بصوت متعب: “الحمد لله على كل حال”.
اليوم، تقع مسؤولية العناية بقاسم على كاهل والديه المسنين، فأبوه الستيني يكدح في الزراعة لإعالة الأسرة، بينما تقضي والدته التي تعاني من آلام الظهر ساعات طويلة بجانب سريره، تداويه، وتطعمه، وتهدهد أحلامه بانتظار شفاءٍ طال موعده.
بحسب تقارير فرق إزالة المخلفات الحربية وتصريحات “المركز السوري لإزالة الألغام”، قد تستغرق عمليات التطهير في محافظة دير الزور سنوات طويلة، نظراً لكثافة الألغام وتعقيد التضاريس ونقص المعدات المتخصصة فضلاً عن استمرار الاشتباكات في بعض الجيوب.
ونتيجةً لذلك، تسجل المنطقة إصابات شبه يومية بين المدنيين الذين يدوسون على ألغام مخفية أثناء محاولتهم الوصول إلى مزارعهم، أو منازلهم، أو مقابرهم. وتترجم لغة الأرقام حجم هذه المأساة، إذ وثّق تقرير للأمم المتحدة، صدر مطلع عام 2026، إصابة 215 شخصاً بالألغام والذخائر غير المنفجرة في المحافظة، بينهم 24 حالة وفاة.

غادرت الميادين مرة أخرى، تاركة خلفي منزل جدي الذي تغير، ومدرستي التي لم يبق منها سوى الركام، وقبره الذي لم أتمكن من الوصول إليه.
بعد اثني عشر عاماً، استطعت العودة إلى المدينة، لكنني لم أستطع الوصول إلى كل الأماكن التي عدت من أجلها. فما تزال الألغام ترسم حدود الحركة فيها، وتفصل السكان ليس فقط عن أراضيهم وبيوتهم، بل حتى عن موتاهم.




