تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
سوريا

صمت الحكومة وارتباك القرار: احتجاجات سوريا وسؤال التنسيق

صمت الحكومة وارتباك القرار: احتجاجات سوريا وسؤال التنسيق

اجتاحت الاحتجاجات معظم المحافظات السورية، وبقي سؤال واحد يبحث عن جواب: أين الحكومة؟ خلال 48 ساعة، لا بيان، ولا توضيح، ولا حتى تطمين. وكأن الصمت صار البيان الرسمي الوحيد.

يقول الباحث والمحلل السياسي وائل علون: «هناك جانبان للموضوع. الجانب الأول أن ارتفاع أسعار المحروقات والنفط أمر عالمي، بسبب أزمات إقليمية، وتم الرفع في كل دول الجوار وفي كل الدول تقريبًا. لكن هناك أزمة معيشية خانقة يعيشها المواطن السوري، وبالتالي من الطبيعي أن تكون هناك طريقة في الرفع، لا أن تكون فجأة ولا دفعة واحدة. ومخاطبة المجتمع السوري وتوعيته أمر بالغ الأهمية، وهناك تقصير كبير جدًا فيه. فضلًا عن أن الوقت الذي أتت فيه هذه الأزمة مع افتتاح المدارس يزيد العبء على المواطن، ويزيد الأزمة المعيشية سوءًا، بشكل لا بد فيه من تفعيل برامج التكافل الاجتماعي ودعم اجتماعي للطبقات الهشة، ولشرائح من المجتمع بالفعل لا تستطيع أن تتأقلم مع متغيرات ربما تكون اضطرارية».

لماذا تفاقمت ردود الفعل؟

لا يعود الغضب إلى سبب واحد، بل إلى تراكم الأعباء. فمع عودة المدارس، يتحمل الأهالي نفقات المستلزمات الدراسية، في ظل واقع مدرسي سيئ، ما يفاقم الأزمة المعيشية. ويضاف إلى ذلك ارتفاع أجور النقل والمواصلات نتيجة زيادة أسعار المحروقات، ليصبح العبء على الأهالي أكبر.

ويضيف علون: «هناك مشكلة جوهرية. عندما تُخرج الحكومة قراراً من وزارة إلى وزارة، من دون أن تدرسه مع باقي الوزارات. ربما دُرِس داخلياً على مستوى الوزارة، ولكن هل دُرِس مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل؟ وهل دُرِس مع وزارة الإعلام؟ وهل دُرِس مع وزارة الداخلية؟ هناك الكثير من الوزارات والجهات الحكومية المعنية بآثار هذا القرار وتداعياته، وكان يجب دراسته معها كلها. أعتقد أن هذا الكلام لا يحصل؛ لذلك يصدر القرار، ثم تدخل الحالة بشكل عام في شيء من الإرباك».

قرار عمودي.. وآثار أفقية

المشكلة ليست فقط في قرار رفع الأسعار، بل في طريقة إخراجه. قرار يصدر عن وزارة الطاقة، وله آثار مباشرة على قطاعات الداخلية والإعلام والشؤون الاجتماعية والاقتصاد، لكنه يخرج بمعزل عن باقي الوزارات. ثم نستغرب لماذا يخرج القرار ناقصاً، ولماذا تتفاجأ به الوزارات الأخرى، بينما يدفع المواطن الفاتورة.

إن سوء التنسيق بين الوزارات، وغياب الاجتماعات الدورية لمناقشة القرارات وأثرها على الشعب، يضعان الحكومة في موقف صعب، وقد يكون محرجاً.

الأزمة ليست في القرار الاقتصادي وحده، بل في منظومة صنع القرار. فالقرار يُتخذ عمودياً من وزارة واحدة، بينما تمتد آثاره أفقياً إلى قطاعات متعددة. وغياب التنسيق المسبق وتقييم الأثر الاجتماعي والأمني يحوّل أي إجراء تقني إلى أزمة سياسية، تكون نتيجتها ارتباكاً مؤسسياً، وغضباً شعبياً، وتراجعاً في الثقة.

ويبدأ العلاج بآلية تنسيق إلزامية بين الوزارات قبل اتخاذ القرارات المصيرية، وربط هذه القرارات بإجراءات تعويضية وإعلامية وأمنية واضحة.

الثقة لا تُبنى بالبيانات

في النهاية، قد لا تكون المشكلة أن الحكومة منفصلة عن الواقع، بل أنها تسمع صوته من بعيد وتظن أن الصدى اتفاق. ثماني محافظات لم تحتج على سعر ليتر المازوت وحده، بل على طريقة صنع القرار: وزارة تصدر القرار، ووزارات تتفاجأ به، واجتماع وزاري شبه غائب منذ أكثر من عام، ومواطن يدفع الفاتورة.

وبين جلسة استماع لوزير الطاقة في 17 أيلول، وافتتاح صحيفة اقتصادية، وخبر مصرفي «مفرح» مؤجل التفاصيل، يبقى السؤال: هل ستُصلح آلية التنسيق قبل أن تتجدد الاحتجاجات؟

الثقة لا تُبنى بالاتفاقيات الخارجية وحدها، ولا بالبيانات، بل بقرارات تُدرس مع كل المعنيين، وتُشرح للناس قبل أن تصل الأزمة إلى الشارع.

وإلا فسيظل الشارع يقطع الطرق، والوزراء يحضرون الافتتاحات، والتحقيق… جارٍ. وإذا لم يبدأ تغيير حقيقي، فلن تكون «ثورة الجياع» شائعة، بل جدول أعمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى