
في الحسكة، تغادر عائلات قراها بحثاً عن عمل بعدما تراجعت مصادر الدخل والزراعة. وبين الجفاف وارتفاع التكاليف وضعف الخدمات، يعمل بعض أبنائها اليوم في الزراعة نفسها، لكن بعيداً عن أرضهم.
يرتّب حامد الحسين أثاث منزله في صندوق الشاحنة، قطعة تلو أخرى، وكأنه يحاول جمع حياة كاملة في صندوق ضيق، يشبه ما آل إليه حاله، بعد أن فقد هو وأبناؤه أعمالهم ومصدر دخلهم. من قرية قانا جنوبي محافظة الحسكة انطلق مع أسرته إلى طرطوس في رحلة تحمل فرصة للعمل ولا تحمل وعوداً باستقرار دائم.
دفع حامد نحو مئتين وخمسين دولاراً أجرة للسيارة التي نقلتهم، لم يكن يملك المبلغ فاستدانه من صاحب عمله الجديد والذي أوكل إليه العمل والإشراف على زراعة الخضار في بيوت بلاستيكية. مثقلاً بالدين غادر الرجل قريته قبل أن يتقاضى أجره الأول.
تضم عائلة حامد ثمانية أفراد، أربعة منهم متزوجون، عملوا موظفين في مؤسسات مدنية وعسكرية كانت تتبع لـ “قسد”، قبل الاتفاق الأخير مع الحكومة السورية والتي حلّت بموجبها هذه المؤسسات، إضافة لأربعة آخرين كانوا يعملون مع والدهم في الزراعة وقطاف المحاصيل في القرية.
“توقفت كل مصادر الدخل”، يقول حامد وهو يواصل ترتيب أثاث منزله داخل الشاحنة، “ضاقت”، يقول وهو يشيح بوجهه، قبل أن يتحدث عن ارتفاع أسعار كل شيء “الوقود والخبز والمواد الغذائية”، فهناك معركة يومية مع لقمة الخبز في المحافظة التي كانت يوماً “سلّة الغذاء السورية”
ينضم حامد إلى 93 عائلة هجرت قرية قانا، للأسباب ذاتها، خلال الأشهر القليلة الماضية، واتجّهت، بحثاً عن عمل إلى محافظات أخرى توزّعت بين طرطوس وريف دمشق، للعمل في ما يتاح لها من الزراعة إلى المعامل والمداجن..
من بين تلك الأسر عائلة حكيم الأحمد، والتي غادر أفراد منها للعمل في مداجن الفروج براتب شهري لا يتجاوز 200 دولار، في الوقت الذي توزّع أفراد من عائلة مصطفى العبود للعمل في ورش ومعامل عدرا العمالية بريف دمشق، لتغطية نفقات أسرتهم، بينما يعمل مصطفى نفسه في واحدة من مزارع منطقة دوما.
قسم آخر من أبناء القرية اتجهوا للعمل في لبنان، رفقة عائلاتهم أو بدونها، في ظل الحرب اللبنانية التي زادت من صعوبة حياتهم وقلّلت من قدرتهم على إيجاد فرصة عمل مستقرّة، ليتحوّل الانتقال من رحلة مؤقتة إلى إقامة معلّقة لا يستطيعون فيها الاختيار بين البقاء دون عمل أو العودة.
في نطاق أوسع يقدّر عدد الأسر المهاجرة من محافظة الحسكة، خلال السنتين الماضيتين بنحو خمسة آلاف أسرة، تبحث غالبيتها عن فرص عمل في المزارع أو المصانع الخاصة، بعد خسارة مصادر دخلها داخل المحافظة. سبق ذلك هجرات متتالية بدأت منذ عام 2006 ولم تتوقف حتى اللحظة، وشملت مئات آلاف الأفراد من المحافظة.
في أحاديث السكان تتكرر كلمات “الرزق، مصدر الدخل، البحث عن عمل”، وتحضر إلى جانبها مفردات “الجفاف، غياب الدعم الحكومي، ارتفاع الأسعار”، بين هذا وذاك، تخسر المحافظة الزراعية، يوماً بعد يوم، أبناءها ومكانتها الزراعية كأبرز الأقاليم الزراعية الطبيعية السورية في منطقة الجزيرة الواقعة بين نهري دجلة والفرات.
من مقصد للعمال إلى طاردة لأبنائها
لسنوات كانت الحسكة مركزاً يستقطب العمالة الموسمية، وفي مواسم القطن والقمح تجد آلاف الورش الممتدة بين الحقول، قبل أن تتحول إلى محافظة لم تعد تستطيع الاحتفاظ بسكّانها، هكذا تحوّلت الحسكة بفعل الجفاف والإهمال الحكومي، قبل 2011، ويضاف لها عوامل أخرى، خلال سنوات الثورة السورية، من التجنيد الإجباري والحرب ورحلات اللجوء.
يقول الدكتور إبراهيم الشبلي، الباحث والمهتم في الشؤون الاجتماعية في منطقة الجزيرة، إن “محافظة الحسكة عانت من سياسات مركزية أدت إلى إفقار وتهميش ممنهجين، ما أسفر عن مسببات واقعية للهجرة”. ويتحدث عن إهمال تنموي وغياب أي تطوير للبنية التحتية وأي دعم حكومي منذ سنوات الجفاف القاسية بين 2006 -2010 ما أدى لهجرة الآلاف من أبناء المحافظة إلى دمشق وحلب ولبنان ودول الخليج العربي.
وفق الشبلي، لا يمكن التعامل مع هجرة أبناء الحسكة على أنها “ظاهرة طارئة”، وإنما كـ “موضوع تراكمي منذ عشرات السنيين من الظروف الاقتصادية والجفاف والإهمال المتعمّد”، ويختم حديثه بأنه “ليس كل السكان يملكون أرضاً، وليس جميعهم يعملون في الزراعة، من لا يملك مورد رزق اضطر للسفر والهجرة”.
بدأت موجة الهجرة، الأكثر وضوحاً، مع تفاقم الجفاف والقحط بين عامي 2006 -2009، في المحافظات الشرقية الثلاث (الحسكة، دير الزور، الرقة)، خاصة في الحسكة، فكيفما اتجّهت في قراها وبلداتها تجد بيوتاً هجرها أصحابها مؤقتاً لكنهم لم يعودوا إليها.
بعد عام 2011، أضيفت أسباب أخرى للهجرة، بحسب الشبلي، من بينها الحرب والتجنيد الإجباري واللجوء، كذلك تعدد السلطات واضطرابها.
زراعة خاسرة
تعكس أرقام القطاع الزراعي حجم المفارقة، فبحسب دراسة للمهندسة لمى عبد الوهاب الجنيدي يزيد عدد سكان محافظة الحسكة على مليون ونصف مليون شخص، بينهم أكثر من 77 ألف عامل يعملون في الزراعة. وتنقل الدراسة عن المجموعة الإحصائية في سوريا لعام 2012 أن ثلثي مساحة المحافظة أراض قابلة للزراعة، تبلغ مساحة الأراضي المستثمرة منها نحو مليون و 579 ألف هكتار.
وتزيد الأراضي المزروعة، وفق الدراسة ذاتها، على مليون و150 ألف هكتار منها 405 ألف هكتار مروية، وتشكل البعلية التي تعتمد على مياه الأمطار القسم المتبقي من المساحة.
يقدّم محصول القطن مثالاً واضحاً على الانكماش، إذ تراجعت المساحات المزروعة بالقطن من 175 ألف هكتار في 2011، إلى 7,835 هكتاراً في العام الحالي أي نحو 4.5% من المساحة السابقة. ولا ينطبق التراجع بالحجم نفسه على مختلف المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والشعير، ولكنها هي الأخرى تراجعت بنسب متفاوتة وصلت إلى النصف في بعض السنوات، بحسب مقارنة الجداول والدراسات.
الجفاف أحد الأسباب الهامة وما رافقه من تصحّر قُدّر، وفقاً لتصنيف المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة “أكساد” ومنظمة الأغذية والزراعة “الفاو” بنحو 60% من مساحة سوريا التي باتت متأثرة بشكل مباشر أو غير مباشر بظاهرة التصحر، دون إغفال الأسباب الأخرى التي ساهمت في زيادة هذه الظاهرة، وما لها من تأثير على الأمن الغذائي، وأهمها هجرة المزارعين لأراضيهم، بعد توقّف الدعم عنهم.
ويتصدّر دعم الوقود قائمة احتياجات من تحدّثنا معهم من مزارعين في الحسكة، خاصة مع تناقص معدلات الهطولات المطرية، واعتماد المحافظة على الآبار الجوفية (الارتوازية والسطحية) والتي يزيد عدد المرخص منها عن 36 ألف بئر، تحتاج للكهرباء أو الوقود لتشغيلها وكلاهما مكلف.
تكاليف الزراعة لا تتوقف عند الريّ، إذ يحتاج الموسم إلى نفقات أخرى من بذار وتسميد وحراثة ودعم عمّال القطاف، إضافة لرش المبيدات وغيرها، وصولاً إلى دعم المنتج بأسعار تتناسب مع التكلفة، وهو ما يجعل المزارع في خلاف موسمي متكرر مع مؤسسات الدولة التي تسعّر المحاصيل، ويعتبرها المزارعون خاسرة ما يدفعهم لتقليص المساحات المزروعة أو ترك الأرض نهائياً والبحث عن عمل بأجر يومي في محافظة أخرى.
كل هذه الظروف تجعل مسألة الهجرة مرتبطة بالأزمة الاقتصادية بشكل مباشر، فخروج عائلة واحدة يؤدي إلى نقص في اليد العاملة والقدرة على خدمة الأرض.
لكن بعيداً عن الزراعة، يدفع غياب الخدمات العامة أو ندرتها سكّان الحسكة إلى الرحيل، بدءاً من الكهرباء وماء الشرب، ووصولاً إلى التعليم بمختلف مراحله. إذ تغيّرت، بحسب الشبلي، دوافع الهجرة بعد الثورة السورية ليضاف إليها التجنيد الإجباري الذي فرضته “قسد” ومناهج التعليم التي وصفها بـ “المؤدلجة” وتدهور الخدمات الأساسية ما دفع قسم من العائلات للهجرة سعياً لحماية وإنقاذ مستقبل أبنائهم.
يقول الشبلي “لم يتحسّن الوضع في الحسكة قبل الثورة، خلالها، أو بعدها، رغم قلّة الدمار فيها أسوة بباقي المحافظات”، ويربط ذلك بـ”غياب المشاريع والاستثمارات وتأخر الدمج الحقيقي الذي حال دون قدرة مؤسسات الحكومة على السيطرة الفعلية” مشيراً إلى أن “حضورها ما زال رمزياً في الحسكة أكثر منه تنفيذياً”.
الحياة في المناطق التي وصلت إليها عائلات الحسكة المهاجرة لم تكن بأفضل حالاً، يعيشون “كفاف يومهم كعمّال مياومة”، وبرواتب لا تزيد عن مئتي دولار في أفضل الأحوال، قسم منهم آثر البقاء وآخرون عادوا إلى قراهم باحثين عن مصدر دخل بعد أن أخفقوا في الحصول على مورد ثابت.
عبد اللطيف علي الصالح واحد من العائدين رفقة أطفاله الستة إلى محافظة الحسكة التي غادرها نحو درعا قبل سنتين، بعد أن فقد زوجته بحادث سير.
كان عبد اللطيف يعمل على دراجة نارية في الحسكة قبل صدور قرار من “قسد” بمنع الدراجات النارية في المحافظة، دفعه قرار المنع للرحيل إلى درعا والعمل في ورشة لقطاف الخضار. سكن وعائلته في خيمة لتقليل نفقات المعيشة. قبل شهر، وخلال عودتهم من عمل المياومة في سيارة مخصصة لنقل العمال، وقع حادث سير أودى بحياة زوجته.
عاد عبداللطيف من دون زوجته إلى الحسكة، ومعه ستة أطفال صار مسؤولاً وحده عن رعايتهم، إلى الظروف نفسها التي دفعته للمغادرة، غياب دخل ثابت وارتفاع تكاليف الاحتياجات الأساسية، ليبدأ من جديد رحلة البحث عن عمل يستطيع من خلاله تأمين احتياجات أطفاله الأيتام.
أُغلقت بيوت وتصحّرت وأهملت أراض في الحسكة، ورحلت عائلات إلى طرطوس وريف دمشق ولبنان وغيرها من المحافظات، جميعها يحمل سؤالاً وحداً عن عمل وحياة مستقرّة.
وصل حامد الحسين إلى البيوت البلاستيكية في طرطوس ليشرف على زراعتها مستعيداً خبرته بعيداً عن أرضه. مفارقة لرحلة من أغنى مناطق سوريا الزراعية ليجد عملاً في الزراعة أيضاً.
بين منزل عبد اللطيف وخيمة العمل في درعا، وبين بيت حامد الطيني في قانا والبيوت البلاستيكية في طرطوس، تتبدل الأمكنة وتبقى الحكاية ذاتها فمع كل شاحنة تغادر القرية تخسر الحسكة سكاناً وأياد عاملة، وجزءاً من قدرتها على استعادة مكانتها الزراعية.
وهكذا بدأت رحلة العائلة من جديد، من منزلها الطيني في جنوب الحسكة إلى البيوت البلاستيكية في طرطوس، بحثاً عن مصدر رزق يعيد لها شيئاً من الاستقرار بعد أن فقدت أعمالها ومصدر دخلها.
سوريا24
“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة شبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”.




