دمشق على طاولة النار… مفاوضات مع إسرائيل وتصعيد تركي – إسرائيلي وتحالف إقليمي يعيد رسم سوريا.

لم يكن اجتماع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان اليوم الأحد لقاءً عادياً يمكن فصله عن المشهد المتسارع في سوريا والمنطقة. فالاجتماع جاء في وقت تبدو فيه الساحة السورية أمام مرحلة جديدة من التداخل بين المسار السوري الإسرائيلي والتنافس التركي الإسرائيلي والتوازنات الإقليمية التي بدأت تتشكل بعد التطورات الأخيرة.
وبحسب ما نقلته مصادر مطلعة وأوردته وسائل إعلام إسرائيلية وأمريكية فإن اللقاء جاء في إطار محاولة لإعادة تحريك المسار الأمني بين دمشق وتل أبيب واحتواء التصعيد الذي شهدته الأسابيع الماضية. ويأتي ذلك بعد الغارات الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور في ريف إدلب وبعد سلسلة من التوغلات والضربات الإسرائيلية في الجنوب السوري وفي ظل تصاعد الخلاف بين أنقرة وتل أبيب حول مستقبل الوجود العسكري التركي داخل الأراضي السورية.
أهمية الاجتماع لا تتعلق فقط بانعقاده وإنما أيضاً بمستوى التمثيل الإسرائيلي فيه. فاختيار رئيس جهاز الموساد للتفاوض مع وزير الخارجية السوري يعكس طبيعة المرحلة الحالية التي باتت فيها الملفات الأمنية تتقدم على المسار السياسي. فالخلافات بين دمشق وتل أبيب لم تعد محصورة في قضايا الحدود أو الترتيبات الأمنية التقليدية وإنما باتت مرتبطة أيضاً بمستقبل الجنوب السوري وبالوجود الإسرائيلي داخل الأراضي السورية وبكيفية منع تحول سوريا إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الإقليمية.
وكان الشيباني قد أكد في حديث لوكالة رويترز أن الاتصالات المباشرة بين دمشق وإسرائيل توقفت عقب الضربة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور لكنه أشار في الوقت نفسه إلى إمكانية استئناف المفاوضات قريباً. وأوضح أن الأولوية السورية تتمثل في وقف الهجمات الإسرائيلية وأن أي اتفاق أمني مستقبلي يجب أن يقود إلى إنهاء الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي السورية.
وهنا تبدو أهمية اجتماع الأحد. فهو لا يعني بالضرورة أن اتفاقاً سورياً إسرائيلياً قد أصبح قريباً ولا يعني أن الملفات العالقة جرى حلها وإنما يشير إلى محاولة لإعادة تشغيل مسار تفاوضي تعطل بفعل التطورات العسكرية الأخيرة.
حتى الآن لا يوجد إعلان رسمي سوري أو إسرائيلي يتحدث عن اتفاق نهائي تم التوصل إليه خلال الاجتماع.
ولذلك فإن الحديث عن مخرجات نهائية يجب أن يبقى في إطار التقدير السياسي لا المعلومات المؤكدة. لكن طبيعة الملفات التي تحيط بالمفاوضات تجعل من المرجح أن يكون التركيز منصباً على وقف التصعيد وإعادة فتح قنوات الاتصال والبحث عن ترتيبات أمنية تمنع وقوع مواجهة جديدة.
وفي المقابل تكشف مواقف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن سقف مرتفع للشروط التي تريد تل أبيب فرضها على أي تفاهم مع دمشق. فقد نقلت القناة 12 الإسرائيلية أن المنظومة الأمنية أوصت بمجموعة من الشروط التي تعتبرها غير قابلة للتنازل ضمن أي اتفاق مع سوريا.
وتشمل هذه الشروط عدم السماح بوجود موطئ قدم تركي تعتبره إسرائيل مهدداً لأمنها، ونزع السلاح من منطقة الجولان السوري، وعدم السماح للجيش السوري بامتلاك أسلحة استراتيجية، إلى جانب ضمان أمن الدروز، على أن يكون أي انسحاب إسرائيلي من المنطقة العازلة مرتبطاً بتحقيق إنجاز سياسي.
هذه الشروط، إذا ما تحولت إلى أساس تفاوضي فعلي، تعني أن المفاوضات لن تكون محصورة في مسألة وقف الضربات أو تنظيم الوضع على الحدود، بل ستتصل مباشرة بشكل الدولة السورية وقدرات جيشها وانتشار القوى الإقليمية على أراضيها. كما أنها تكشف أن إسرائيل تنظر إلى الدور التركي باعتباره أحد الملفات المركزية في أي ترتيبات مستقبلية، وليس مجرد قضية جانبية مرتبطة بالتصعيد الأخير.
ويبقى الجنوب السوري الاختبار الأصعب أمام أي تفاهم بين دمشق وتل أبيب. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد عززت إسرائيل وجودها العسكري في المنطقة الحدودية ونفذت عمليات توغل واعتقالات وقصفاً في محافظتي القنيطرة ودرعا. وتقول إسرائيل إن تحركاتها مرتبطة باعتبارات أمنية ومنع تهديدات محتملة على حدودها بينما تعتبر دمشق أن هذه العمليات تمثل انتهاكاً لسيادة الدولة السورية واحتلالاً لأجزاء من أراضيها.
وفي الأسابيع الأخيرة تكررت العمليات الإسرائيلية في الجنوب السوري بصورة لافتة وشملت توغلات وتحركات عسكرية وقصفاً واستهدافات بطائرات مسيرة. وهو ما يضع المفاوضات أمام معادلة صعبة للغاية إذ كيف يمكن بناء الثقة بين طرفين فيما تستمر العمليات العسكرية على الأرض؟
هذه النقطة تحديداً ستكون من أكثر الملفات حساسية في أي جولة تفاوضية مقبلة لأن دمشق تريد وقف الاعتداءات والتوغلات بينما تصر إسرائيل على ترتيبات أمنية تقول إنها ضرورية لحماية حدودها.
لكن التصعيد الإسرائيلي لم يعد محصوراً في الجنوب السوري. ففي الثامن عشر من أغسطس نفذت إسرائيل ثماني غارات على قاعدة أبو الظهور الجوية في محافظة إدلب مستهدفة مدرجات ومنشآت داخل القاعدة. وقالت إسرائيل إن الضربة جاءت لمنع نشر قوات أو تجهيزات عسكرية تركية في الموقع بينما نفت دمشق وأنقرة وجود خطة لنشر قوة تركية بالشكل الذي تحدثت عنه إسرائيل.
هنا تغيرت طبيعة المشهد فالأمر لم يعد مجرد خلاف سوري إسرائيلي وإنما بدأ يأخذ شكل مواجهة غير مباشرة بين مشروعين إقليميين داخل سوريا. إسرائيل تنظر بقلق إلى تنامي الدور التركي وترى أن أي وجود عسكري تركي متقدم داخل الأراضي السورية يمكن أن يغير المعادلة الأمنية في المنطقة.
أما تركيا فتعتبر أن دعم الحكومة السورية الجديدة وإعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية جزء من رؤيتها لاستقرار سوريا ولا تقبل بأن تتحول إسرائيل إلى جهة تحدد طبيعة العلاقات الأمنية بين دمشق وأنقرة.
وضربة أبو الظهور كانت نقطة تحول مهمة في هذا المسار لأنها كشفت حجم الحساسية الإسرائيلية تجاه الدور التركي داخل سوريا ووضعت البلدين أمام احتمال احتكاك مباشر على الأراضي السورية.
أنقرة أدانت الضربة الإسرائيلية بشدة بينما دافعت إسرائيل عن موقفها الأمني. وفي الوقت نفسه سارعت واشنطن إلى التدخل خشية أن يتطور التوتر إلى مواجهة بين حليفتين للولايات المتحدة داخل الأراضي السورية.
وقال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك إن واشنطن تعمل على إنشاء آلية لفض الاشتباك بين تركيا وإسرائيل وسوريا بهدف منع سوء الفهم والحوادث العسكرية التي يمكن أن تتحول إلى مواجهة أوسع.
هذه الآلية في حال نجاحها ستكون ذات أهمية كبيرة لأنها تعكس إدراكاً أمريكياً بأن الخطر لم يعد مقتصراً على إمكانية اندلاع مواجهة سورية إسرائيلية وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً باحتمال وقوع مواجهة تركية إسرائيلية داخل سوريا.
المشكلة الإسرائيلية مع تركيا لا تتعلق فقط بقاعدة أبو الظهور. فأنقرة أصبحت من أبرز الداعمين للحكومة السورية الجديدة وتعمل على تعزيز التعاون العسكري والأمني معها وتشارك في جهود إعادة بناء مؤسسات الدولة. وفي المقابل ترى إسرائيل أن تمدد النفوذ التركي داخل سوريا قد يؤدي إلى خلق واقع أمني جديد على حدودها.
وقد كشفت تقارير صحفية أن رئيس الموساد رومان غوفمان بحث في وقت سابق مع الشيباني ملف الانتشار العسكري التركي داخل سوريا، وهو ما يكشف أن العامل التركي كان حاضراً في الاتصالات السورية الإسرائيلية قبل التصعيد الأخير.
ومن هنا يمكن فهم سبب اختيار رئيس الموساد تحديداً في اللقاء الأخير. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالتفاوض حول ترتيبات الجنوب وإنما أصبحت تشمل أيضاً كيفية منع تحول الأراضي السورية إلى نقطة صدام بين أنقرة وتل أبيب.
وتجد الولايات المتحدة نفسها أمام مهمة شديدة التعقيد. فهي تريد الحفاظ على أمن إسرائيل لكنها في الوقت نفسه لا تريد مواجهة بين تركيا وإسرائيل داخل سوريا. ولهذا يبدو أن واشنطن تحاول إدارة عدة مسارات بالتوازي.
مسار سوري إسرائيلي يبحث في اتفاق أمني، ومسار تركي إسرائيلي يبحث في منع الاحتكاك، ومسار سوري تركي يركز على دعم الدولة السورية وإعادة بناء مؤسساتها.
نجاح هذه المسارات يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في سوريا تقوم على التفاهمات الأمنية بدلاً من التصعيد. أما فشلها فقد يجعل الأراضي السورية ساحة مفتوحة أمام مواجهة إقليمية يصعب ضبطها.
وفي خلفية هذا المشهد يبرز تطور إقليمي آخر لا يمكن تجاهله وهو التقارب المتزايد بين تركيا والسعودية وباكستان.
ففي السابع من أغسطس وقعت الدول الثلاث اتفاقية مكة للدفاع المشترك والتي تتضمن ترتيبات لتعزيز التعاون الدفاعي والردع المشترك. ولا يعني ذلك أن الاتفاق موجه ضد إسرائيل بشكل مباشر إذ لا تتضمن الوثيقة المعلنة ما يثبت ذلك. لكن ولادة إطار أمني يجمع القوة العسكرية التركية والثقل السياسي والاقتصادي السعودي والخبرة العسكرية الباكستانية تضيف عاملاً جديداً إلى الحسابات الإقليمية.
والأهم من الاتفاق نفسه هو المواقف السياسية المتقاربة للدول الثلاث تجاه التطورات الأخيرة في سوريا.
تركيا أدانت الضربة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور وأكدت رفضها المساس بسيادة سوريا. والسعودية أدانت الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية وأكدت دعمها لوحدة سوريا وسيادتها. كما اتخذت باكستان موقفاً مماثلاً وأدانت الضربة الإسرائيلية.
وبذلك فإن دمشق تدخل المفاوضات مع إسرائيل في بيئة إقليمية مختلفة عن السابق. فهي لا تتحرك بمعزل عن محيطها وإنما ترتبط بعلاقات متنامية مع تركيا والسعودية وباكستان إضافة إلى وجود دعم أمريكي لمسار الاستقرار والتفاوض.
في المقابل تحاول إسرائيل تثبيت معادلتها الأمنية في سوريا قبل أن يصبح الوجود التركي أكثر رسوخاً وقبل أن تتبلور شبكة التحالفات الإقليمية الجديدة بصورة أكبر.
ومن هنا فإن اجتماع الشيباني ورئيس الموساد لا ينبغي النظر إليه باعتباره لقاءً ثنائياً منفصلاً عن بقية الأحداث. فالملف السوري أصبح مرتبطاً بمجموعة من الحسابات الإقليمية المتداخلة. الجنوب السوري مرتبط بالأمن الإسرائيلي، والشمال السوري بات مرتبطاً بالدور التركي، والولايات المتحدة تحاول منع الصدام بين حلفائها، وفي الخلفية تظهر ترتيبات أمنية جديدة تجمع تركيا والسعودية وباكستان.
ويبقى السؤال: هل نحن أمام صفقة سورية إسرائيلية؟
المعطيات الحالية لا تسمح بالقول ذلك.
الأقرب أن الطرفين يحاولان الوصول أولاً إلى ترتيب أمني محدود يمكن أن يخفف التوتر ويمنع تكرار الضربات والتوغلات ويفتح الباب أمام مفاوضات أوسع.
لكن الشروط التي تطرحها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تجعل الطريق أكثر تعقيداً. فإذا كانت إسرائيل تريد نزع السلاح من الجولان السوري، وتقييد قدرات الجيش السوري ومنعه من امتلاك أسلحة استراتيجية، وضمان أمن الدروز، وربط الانسحاب من المنطقة العازلة بإنجاز سياسي، إضافة إلى منع وجود تركي تعتبره مهدداً لها، فإن دمشق ستكون أمام مفاوضات تتجاوز بكثير فكرة الترتيبات الأمنية المؤقتة.
فالاتفاق الشامل يحتاج إلى معالجة ملفات شديدة التعقيد تبدأ من الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي السورية ولا تنتهي عند المنطقة العازلة والحدود وترتيبات الجنوب والضمانات الأمنية ومستقبل العلاقات السورية الإسرائيلية.
أما الترتيب الأمني فيمكن أن يبدأ بخطوات أقل تعقيداً تتمثل في وقف الضربات ومنع التوغلات وفتح قنوات اتصال مباشرة وتحديد قواعد واضحة لمنع وقوع اشتباكات غير محسوبة.
وهذا يبدو أقرب إلى المسار الذي تحاول واشنطن دفع الأطراف إليه في الوقت الحالي.
وفي المحصلة فإن اجتماع دمشق وتل أبيب لا يعني أن الخلافات انتهت ولا أن الاتفاق أصبح قريباً. لكنه يؤكد أن الطرفين رغم انعدام الثقة والتصعيد العسكري لا يزالان يبحثان عن صيغة تمنع الانفجار.
الجنوب السوري سيبقى العقدة الأولى أمام أي تفاهم. والوجود التركي داخل سوريا أصبح العقدة الثانية. أما العقدة الثالثة فهي قدرة الولايات المتحدة على منع تحول الخلاف التركي الإسرائيلي إلى مواجهة مفتوحة داخل الأراضي السورية.
وفي خلفية كل ذلك يبرز تحالف إقليمي جديد تتقاطع فيه مصالح تركيا والسعودية وباكستان في ملفات الأمن والدفاع والاستقرار الإقليمي.
ولهذا فإن مستقبل المفاوضات السورية الإسرائيلية لن يتحدد فقط داخل الغرف المغلقة بين دمشق وتل أبيب. بل سيتحدد أيضاً في أنقرة والرياض وإسلام آباد وواشنطن وفي قدرة هذه العواصم على الوصول إلى تفاهمات تمنع تحويل سوريا مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
السؤال الحقيقي الذي يواجه دمشق اليوم ليس فقط هل تستطيع التفاوض مع إسرائيل، وإنما هل تستطيع تحويل هذه المفاوضات إلى اتفاق يحمي السيادة السورية ويوقف التوغلات والضربات ويمنع في الوقت نفسه تحويل الأراضي السورية إلى ساحة صراع بين تركيا وإسرائيل.
الإجابة لن تكون في البيانات السياسية وحدها وإنما في ما سيحدث على الأرض خلال المرحلة المقبلة.




