العدالة الانتقالية بين استحقاق الضحايا وحدود السياسة
العدالة الانتقالية بين استحقاق الضحايا وحدود السياسة

تُظهر التجربة السورية أن التعامل مع إرث العنف لا يمكن أن يتم عبر حلول سريعة أو جاهزة، إذ إن حجم الانتهاكات وتنوّعها يفرضان مقاربة معقّدة تتجاوز الأطر القانونية الضيقة. فالعدالة الانتقالية، في هذا السياق، ليست إجراءً يُفعَّل في لحظة سياسية معيّنة، بل مسار طويل يرتبط بإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة، وبالسعي إلى منع تكرار أنماط القمع والانتهاك التي تراكمت عبر سنوات الصراع.
ورغم أن الحاجة إلى العدالة باتت أكثر إلحاحًا بعد ما خلّفه النزاع من أعداد هائلة من الضحايا والمفقودين والمهجّرين، فإن الواقع السياسي القائم يجعل من تحقيق عدالة شاملة وفورية أمرًا بالغ الصعوبة. هذا التناقض بين ما يتطلبه الاستقرار المستقبلي وما تسمح به موازين القوى الحالية يضع العدالة الانتقالية في سوريا ضمن مساحة رمادية، تتكاثر فيها الأسئلة أكثر من الإجابات.
في الإطار الدولي، تكشف الحالة السورية محدودية آليات المساءلة العالمية عندما تصطدم العدالة بحسابات المصالح والنفوذ. فبرغم إنشاء الآلية الدولية المحايدة والمستقلة التابعة للأمم المتحدة، والتي لعبت دورًا مهمًا في توثيق الانتهاكات الجسيمة وبناء قواعد بيانات قانونية متقدمة، فإن غياب محكمة دولية مختصة، وعجز مجلس الأمن عن تجاوز الانقسامات السياسية واستخدام حق النقض، جعلا هذه الجهود بلا أفق قضائي واضح حتى الآن.
وأمام هذا الانسداد، اتجهت بعض الدول الأوروبية إلى استخدام مبدأ الولاية القضائية العالمية، ما أتاح محاكمات محدودة النطاق بحق أفراد متورطين في انتهاكات جسيمة. ورغم الأهمية الرمزية والقانونية لهذه المحاكمات، فإنها تبقى غير كافية لمعالجة البنية الواسعة للعنف المنهجي أو لمساءلة المسؤولين في قمة هرم السلطة، ما يجعل العدالة الدولية في الحالة السورية مجزأة وانتقائية بحكم الواقع.
على المستوى الإقليمي، لا تقلّ الصورة تعقيدًا، إذ تتأثر مقاربات العدالة بأولويات الدول الفاعلة ومخاوفها الأمنية. فبعض الأطراف الإقليمية باتت تميل إلى إعطاء الأولوية لإعادة الاستقرار وإحياء العلاقات السياسية، حتى لو جاء ذلك على حساب فتح ملفات المساءلة، انطلاقًا من تصوّر يرى أن معالجة الماضي قد تهدد التسويات الهشّة. في المقابل، تتبنى أطراف أخرى خطاب العدالة، لكن غالبًا ضمن أطر انتقائية تعكس مصالحها الخاصة أكثر مما تعكس التزامًا حقيقيًا بحقوق الضحايا.
داخليًا، ينقسم النقاش حول العدالة الانتقالية بين رؤى متعارضة. فالمقاربة الرسمية تركز على مفهوم السيادة الوطنية، وتؤكد أن القضاء المحلي هو المرجعية الوحيدة لمعالجة الانتهاكات، مع الاعتماد على مبادرات تتحدث عن المصالحة والعفو وإعادة الاندماج. غير أن هذا الطرح يواجه انتقادات واسعة في ظل غياب استقلالية القضاء، واستمرار القوانين الاستثنائية، وضعف آليات كشف الحقيقة وجبر الضرر، إضافة إلى تهميش قطاعات كبيرة من الضحايا، ولا سيما أولئك الذين تعرّضوا للانتهاكات خارج مناطق سيطرة الدولة.
في هذا السياق، تُستخدم العدالة أحيانًا كأداة لإدارة الصراع سياسيًا، بدل أن تكون مسارًا حقوقيًا يهدف إلى إنصاف المتضررين وبناء ضمانات عدم التكرار. هذا الاستخدام النفعي للعدالة يُفرغها من مضمونها الأخلاقي، ويقوّض قدرتها على ترميم الثقة داخل المجتمع.
في مواجهة ذلك، بلورت منظمات المجتمع المدني السورية وعدد من الباحثين والحقوقيين تصوّرات بديلة للعدالة الانتقالية، تنطلق من مركزية الضحايا في العملية برمتها. وتؤكد هذه المقاربات أن العدالة لا تختزل في المحاكمات الجنائية، بل تشمل أيضًا الحق في معرفة الحقيقة، والتعويض المادي والمعنوي، وحفظ الذاكرة الجماعية، وإصلاح المؤسسات التي ساهمت في إنتاج العنف. كما تشدد على أن تجاهل انتهاكات أي طرف، أيًّا كان، يؤدي إلى عدالة ناقصة تُعمّق الانقسام وتُضعف الثقة المجتمعية.
وتتفاقم صعوبات تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا بسبب تدمير البنية التحتية القضائية، وتفكك مؤسسات الدولة في مناطق واسعة، إلى جانب تعدد الجهات المسلحة وظهور سلطات أمر واقع بأنظمة قانونية متوازية. هذا التعدد يجعل من الصعب توحيد المعايير أو تطبيق إجراءات عدالة متسقة على المستوى الوطني.
إضافة إلى ذلك، يعاني المجتمع السوري من انقسامات عميقة غذّتها سنوات الحرب والخطاب التحريضي، في ظل أزمة إنسانية خانقة تدفع كثيرين إلى اعتبار العدالة مطلبًا مؤجلًا مقارنة بالحاجات المعيشية الأساسية. هذه الظروف تفرض تبنّي مقاربة تدريجية وحذرة، تراعي هشاشة السلم الأهلي ومخاوف الانتقام، دون التخلي عن المبادئ الجوهرية للمساءلة وحقوق الضحايا.
انطلاقًا من هذه المعطيات، يرى عدد متزايد من الخبراء أن العدالة الانتقالية في سوريا ينبغي أن تُفهم كعملية تراكمية متعددة المستويات، لا كمسار مركزي واحد. وتشمل هذه العملية مزيجًا من الجهود الدولية المحدودة، والمبادرات المحلية المتدرجة، وبرامج جبر الضرر العاجلة، وآليات كشف الحقيقة القابلة للتكيف مع خصوصيات كل منطقة. ويقوم هذا التصور على اعتبار العدالة مسارًا طويل الأمد قد يستغرق سنوات أو عقودًا، شرط أن يستند منذ بدايته إلى اعتراف واضح بمعاناة الضحايا، والتزام جدي، ولو تدريجي، بمبدأ عدم الإفلات من العقاب.
في المحصلة، تقف العدالة الانتقالية في سوريا عند تقاطع حاد بين الضرورة الأخلاقية والإمكان السياسي. ورغم أن الظروف الحالية لا تسمح بتحقيق عدالة شاملة وفورية، فإن تجاهل هذا الملف أو تأجيله إلى أجل غير مسمى ينطوي على مخاطر كبيرة تهدد فرص السلام بين مكونات المجتمع. فالتجارب الدولية تُظهر أن المجتمعات التي لم تواجه ماضيها بصدق تبقى أسيرة له، وأن السلام القائم على النسيان القسري غالبًا ما يكون هشًّا وقابلًا للانهيار. وبالنسبة لسوريا، قد يكون هذا المسار بطيئًا وشاقًا، لكنه يظل شرطًا أساسيًا لبناء مستقبل أقل عنفًا وأكثر قابلية للتعايش




