خزينة في التصريحات… وعجز في التنفيذ

ما معنا… بس معنا. تعا ولا تجي! هذه ليست أغنية، وإنما سياسة حكومة كما يراها المواطن، المال غير متوفر عندما يطالب بخدمة، ثم يصبح متوفراً عندما يتعلق الأمر بسيارات أو مواكب أو فعاليات ومشاريع لا يعرف كلفتها ولا أولويتها. يقال له إن الموارد قليلة، ثم يسمع عن ارتفاع الإنتاج ودخول إيرادات جديدة إلى الخزينة، ويعلن عن مشروع، لكنه لا يرى أثره، وحين يسأل، أين النتيجة؟ تأتيه أرقام أخرى تزيد المشهد غموضاً. وقد تكون لكل حالة أسبابها، كما قد تكون بعض النفقات ضرورية فعلاً، لكن حين تتعدد التصريحات المتناقضة أو غير المكتملة، يصبح المواطن أمام خلاصة واحدة، ما معنا عندما يتعلق الأمر بنا، لكن معنا عندما يتعلق الأمر بما تختاره السلطة.
ويظهر هذا التناقض بأوضح صوره في ملف النفط. فمنذ سقوط النظام، سمع السوريون أخباراً يفترض أن تكون مطمئنة، استعادة حقول، وارتفاع في الإنتاج، وعائدات ستدخل الموازنة. لكن الاطمئنان سرعان ما تحول إلى لغز، إذ قيل مرة إن الإنتاج يبلغ نحو 100 ألف برميل يومياً، وقيل بعد ذلك إنه أقل من 40 ألفاً، ثم أُعلن رقم يعادل وسطياً نحو 82 ألف برميل يومياً، قبل أن يعود رقم 100 ألف من جديد، وفي الوقت نفسه انتقل تقدير حاجة البلاد من 150 ألف برميل يومياً إلى نحو 300 ألف. وقد تكون هذه الفروق ناتجة عن تغير الإنتاج أو اختلاف المقصود بين النفط الخام والمشتقات وطاقة المصافي، لكن المواطن ليس ملزماً بحل هذا اللغز وحده، فالجهات المسؤولة قدمت أرقاماً مختلفة من دون شرح موحد يبين لماذا تغيرت، وما الذي يدخل فعلياً إلى الخزينة، وأين يظهر أثره. وزاد الالتباس حين قيل في آذار/مارس 2026 إن إيرادات النفط والغاز ستدخل ضمن الموازنة العامة، ثم أعلنت وزارة المالية أن التوريد بدأ في أيار/مايو. قد يكون التصريح الأول إعلاناً عن السياسة والثاني موعد تنفيذها، لكن السؤال الأهم بقي بلا إجابة واضحة، كم بلغ صافي الإيرادات التي دخلت الخزينة فعلاً؟
ليس كل برميل نفط مالاً جاهزاً لإنفاقه على مدرسة أو طريق، فهناك تكاليف استخراج ونقل وتكرير، كما أن سوريا ما تزال تستورد النفط والمشتقات لتغطية حاجتها. لكن هذه الحقيقة لا تعفي الحكومة من نشر المعادلة كاملة، كم ننتج؟ كم نستورد؟ كم نستهلك؟ وكم يبقى للخزينة بعد التكاليف؟ ما يصل إلى الناس، بدلاً من ذلك، معلومات مجزأة، لدينا نفط، لكننا نستورد، ولدينا إيرادات، لكننا لا نعرف حجمها، وارتفع الإنتاج، لكن الخدمات لا تزال تنتظر. وبين كل تصريح وآخر، لا يجد المواطن سوى العبارة التي بدأ منها، ما معنا… بس معنا.
ولا تنفصل ضبابية أرقام النفط عن صورة الموازنة العامة، التي تكشف بدورها نصف المشهد فقط. ففي نهاية آب/أغسطس، أعلنت وزارة المالية أن إيرادات الدولة خلال النصف الأول من 2026 بلغت نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق بلغ 3.7 مليارات، أي بعجز يقارب مليار دولار. وهذه الأرقام تؤكد أن نقص الموارد حقيقي، وأن وجود إيرادات لا يعني وجود فائض في الموازنة، لكن المواطن كان قد سمع أيضاً حديثاً متداولاً عن وجود “فائض”، وهنا يبدأ التباس جديد، فائض في ماذا تحديداً؟ في السيولة، أم في القطع الأجنبي، أم في إيرادات الدولة؟ فهذه مفاهيم مختلفة، ولا يجوز تقديم أحدها وكأنه ينفي عجز الموازنة. وحتى نشر الرقم الإجمالي لا يكفي لفهم ما يحدث، فالمواطن يريد معرفة حصة النفط والغاز من الإيرادات، وأين ذهبت الزيادة في الإنفاق، وما الذي تحقق فعلياً مقابل ما صرف. وهو لا يطلب كشف أسرار الدولة، بل أن يستطيع مقارنة التصريح بالنتيجة، خصوصاً بعدما تحدث وزير المالية عن ”إدارة رشيدة ومنضبطة للمال العام” وعن حق الناس في معرفة أين تدخل الموارد وأين تصرف. فالعبارة جيدة، لكنها تصبح امتحاناً للحكومة لحظة إعلانها، إذ يمكن أن يكون المورد موجوداً وغير كافٍ في الوقت نفسه، إلا أن المشكلة تبدأ عندما لا توضع هاتان الحقيقتان في معادلة واحدة يفهمها الناس.
ومن أرقام النفط والموازنة نصل إلى السيارات الحكومية، حيث ظهرت واقعة وزارة الأوقاف بوصفها مثالاً أكثر مباشرة على الفجوة بين القول والأولوية. ففي نيسان/أبريل 2026، انتشرت وثيقة للوزارة تتضمن طلب شراء 44 سيارة حديثة بقيمة 1,850,500 دولار، بينها سيارة للوزير وثلاث لمعاونيه وأربعون لمديري الإدارات. أثارت الوثيقة ضجة واسعة، ثم أوضحت الوزارة أنها لم تشتر السيارات، وأن الطلب كان صيغة غير معتمدة أُوقفت قبل نحو أسبوعين. لذلك من غير الدقيق القول إن الوزارة أنفقت المبلغ، لكن السؤال لا يسقط، كيف وصل طلب بهذا الحجم والتفصيل إلى مراسلات رسمية في بلد يقال لمواطنيه إن الخزينة عاجزة عن تلبية احتياجات أساسية؟ ولماذا لم يعرف الناس بإيقافه إلا بعد انتشار الوثيقة؟ وفي الفترة نفسها صدر القرار رقم 25 لتنظيم السيارات الحكومية، محدداً ما يصل إلى ثلاث سيارات للوزير وسيارتين لنائبه، إضافة إلى سيارات خدمية. ولا يوجد دليل رسمي يثبت أن القرار صدر بسبب ضجة الأوقاف، لكن التزامن بينهما يوضح أن المشكلة كانت أكبر من وثيقة واحدة.
وجود ضوابط أفضل من ترك الأمر مفتوحاً، لكن التنظيم لا يكون حقيقياً إذا تحول الحد الأعلى إلى حق تلقائي، فالسؤال ليس، هل يسمح القرار بثلاث سيارات؟ بل، لماذا يحتاج المسؤول إليها؟ ومن يراقب الوقود والصيانة والاستخدام؟ وفي المقابل، لا ينبغي اعتبار استخدام المسؤول للنقل العام أمراً شعبوياً، فمسؤولون في دول كثيرة يستخدمون القطارات والحافلات عندما تسمح ظروف العمل والأمن، ولا يرون في ذلك انتقاصاً من مناصبهم. وليست الدعوة هنا إلى حرمان المسؤول من الحماية وأدوات العمل، بل إلى جعل الحاجة هي التي تحدد الامتياز، لا الرتبة.
وتقود قضية السيارات إلى سؤال أوسع عن الصورة العامة، فحين يرى المواطن موكباً كبيراً، لا يعرف لمن تعود جميع السيارات، ولا طبيعة المخاطر الأمنية، ولا كلفة المهمة، ولذلك لا تكفي الصورة وحدها لإثبات الفساد أو الهدر. لكنها ليست بلا معنى أيضاً، فعندما تمر السيارات في شارع مليء بالحفر أو القمامة، بينما يسمع الناس أن الإمكانات محدودة، يصبح المشهد رسالة سياسية تحتاج إلى تفسير. وقد لخص تعليق متداول على وسائل التواصل هذا الشعور بالقول، ”هذه المواكب لا تتناسب مع سردية الدولة للشعب أننا نعاني من عدم وجود المال في الخزينة”، ولا يصلح كلامه دليلاً على مخالفة، لكنه يلتقط بدقة سؤالاً يتكرر بصيغ مختلفة تحت الصور والمقاطع، لماذا تبدو الدولة فقيرة عند تقديم الخدمة، وغنية في الصورة المحيطة بالمسؤول؟ ولا يكون الرد باتهام المواطن لأنه صدق ما رآه، ولا باتهام المسؤول بالفساد من صورة واحدة، فالرد الصحيح هو المعلومة، ما سبب الموكب؟ وما العدد الضروري؟ وما الكلفة؟ وما النتيجة؟
ولا يتوقف هذا التناقض عند الحكومة المركزية، ففي حلب أثار تجميل دوار الليرمون، ثم الإعلان عن مسابقة لتصميم مستديرة الحاووظ، نقاشاً واسعاً، بينما كانت صور النفايات تنتشر من أحياء المدينة. ولم يحتج الناس إلى شرح طويل كي يصوغوا المفارقة، اختصرها تعليق متداول بثلاث كلمات، ”حلب فاحت ريحتها”. هكذا بدت المدينة في صورتين متجاورتين، دوارات تلمع، وقمامة تملأ شوارع عديدة. وقالت المحافظة إن مشاريع الدوارات ممولة من القطاع الخاص أو جهات مانحة، ولا تقتطع من موازنة الخدمات، وهذا يمنع القول إن أموال النظافة صرفت مباشرة على الدوارات، لكن المحافظة لم تنشر، بحسب ما توفر، قيمة كلفة التأهيل أو تفاصيل التمويل وكلفة الصيانة المستقبلية. وهنا لا تعود القضية محاسبية فقط، فحتى المال الخاص أو المقدم من مانح يحتاج إلى نقاش حول الأولوية، خصوصاً إذا كانت الجهة العامة قادرة على التفاوض بشأن وجهة المساهمة، هل تحتاج المدينة إلى نافورة جديدة أكثر من حاجتها إلى آلية نظافة أو مئات الحاويات؟ ومن سيدفع لاحقاً ثمن الإنارة والمياه والصيانة؟
ويصبح السؤال أكثر إلحاحاً عندما نعرف أن مجلس المدينة تحدث في مرحلة من المراحل عن قدرة لا تكفي لترحيل سوى 30 إلى 40% من النفايات يومياً، وعن وجود نحو 25 آلية نظافة جيدة فقط، في حين تحتاج المدينة إلى ثلاثة أضعاف العدد المتوفر. ولا يعني ذلك أن تجميل المدينة خطأ، أو أن حلب يجب أن تبقى بلا ساحات جميلة، لكن أجمل دوار لا يستطيع تغطية رائحة القمامة في الشارع المجاور، وإذا كان التمويل منفصلاً فعلاً، فمن حق الناس معرفة قيمته وشروطه والجهة التي ستتحمل نفقاته لاحقاً.
وبينما تبقى السيارات والمواكب والدوارات مشاهد تحتاج إلى تفسير قبل الحكم، توجد في المقابل ملفات فساد أعلنتها الجهات الرقابية بأرقام واضحة. فخلال تموز وآب 2026، أعلنت عن عدة قضايا كبيرة، نحو 1.77 مليار ليرة في قضية مستهلكات مستشفى حلب الجامعي، وأكثر من 8.4 ملايين دولار في قضية المصرف العقاري، إضافة إلى أضرار تجاوزت 8 ملايين دولار في حقول نفط بدير الزور وفروق قاربت 20 مليون دولار في عقود نقل الخام. هذه ليست صوراً أو انطباعات، بل ملفات أعلنتها أجهزة رقابية وأحالت بعض المتهمين فيها إلى القضاء، ولذلك يجب التمييز بينها وبين الشبهات المتداولة، مع بقاء المتهم بريئاً حتى صدور حكم نهائي. وفي هذا السياق قيل رسمياً إن ”محاسبة المتورطين في التعدي على المال العام واجب وطني”، غير أن قوة هذه العبارة لا تقاس بعدد مرات ترديدها، بل بما يحدث للملف بعد الإعلان عنه، وهنا تحديداً تعود الأسئلة مع كل كشف جديد.
لكن حتى هنا ظهرت مفارقة جديدة، فقد قال 14 موظفاً في الشركة السورية للبترول، عبر فيديو متداول، إنهم تعرضوا للفصل أو كف اليد بعد مشاركتهم في فعالية احتفالية مؤيدة لقرارات مكافحة الفساد داخل الشركة، وإن الفعالية حصلت على موافقات داخلية، بينما لم يكن قد صدر، عند نشر الخبر، توضيح علني من الإدارة بشأن أسباب الإجراء. ولا تكفي رواية الموظفين وحدها للحكم، لكنها تستحق جواباً رسمياً، فمن غير المعقول الاحتفاء بكشف الفساد، ثم ترك انطباع بأن من احتفلوا بمحاسبة المتهمين عوقبوا. وقد تكون للإدارة أسباب أخرى، لكن الصمت هو الذي يسمح للتناقض بأن يصبح الرواية السائدة.
وتقود هذه الأمثلة كلها إلى نتيجة واحدة، ليست المشكلة في قلة المال وحدها، بل في الطريقة التي يشرح بها توفره وإنفاقه وأثره. فقد تكون الموارد فعلاً أقل من الاحتياجات، وقد تكون بعض السيارات ضرورية، وبعض الرحلات مفيدة، وبعض الدوارات ممولة من جهات خاصة، لكن هذا كله لا يلغي المشكلة الأساسية، الناس تسمع التصريح ولا ترى المعادلة، وتشاهد الإعلان ولا تعرف النتيجة. فالتصريح ليس إنجازاً، والإعلان ليس تنفيذاً، والحد الأعلى في القرار ليس حاجة، والتمويل الخاص لا يلغي سؤال الأولوية، وكشف قضية فساد لا يكتمل من دون معرفة ما حدث بعدها. لذلك لا تحتاج الحكومة إلى خطاب متفائل دائماً أو متشائم دائماً، بل إلى خطاب متسق، إذا تغير رقم إنتاج النفط، فلتشرح لماذا، وإذا دخلت إيرادات إلى الخزينة، فلتعلن حجمها، وإذا توقف طلب شراء سيارات، فلتوضح كيف قدم ولماذا أُوقف، وإذا مول مانح دواراً، فلتنشر قيمة المشروع والتزامات صيانته، وإذا عوقب موظفون بعد فعالية تتعلق بمكافحة الفساد، فلتعلن الأساس القانوني للقرار. عندها فقط يمكن لعبارة “الإمكانات محدودة” أن تستعيد معناها، لأن المواطن سيرى أين تبدأ الحدود وأين تنتهي.
أما إذا بقيت الخدمة تنتظر، والأرقام تتغير بلا تفسير، والمال يظهر في بعض الصور ويختفي عند الحاجة، فسيبقى العنوان نفسه خلاصة المشهد، خزينة حاضرة في التصريحات، وعجز حاضر في التنفيذ. وستبقى العبارة الأقرب إلى لسان الناس، ما معنا… بس معنا. تعا ولا تجي! وسيظل السؤال قائماً، إذا كان معنا، فأين ظهر؟ وإذا لم يكن معنا، فما حقيقة كل ما قيل إنه أصبح متوفراً؟




