سوريا

في سوريا.. الموسيقى تبحث عن مكان آمن

في شقة صغيرة بضواحي دمشق، يحتلّ الدرامز معظم مساحة الغرفة، كأنه عبء يصعب إخفاؤه أكثر من كونه آلة موسيقية. بالنسبة لجواد، طالب المعهد العالي للموسيقا، لم يكن حمل هذه الآلة أو إيجاد مكان للعزف عليها مسألة فنية فقط، بل جزءاً من سلسلة طويلة من المراوغة والتكيّف والخوف، عاشها هو وكثير من الموسيقيين السوريين في السنوات الأخيرة.

ففي سوريا، لم تكن معاناة الموسيقيين مرتبطة فقط بغياب المساحات المخصصة للتدريب أو ضعف الإمكانات، بل أيضاً بأشكال متبدلة من التضييق، بدأت من اعتراضات الجوار والرقابة الأمنية، ولم تنتهِ بعد سقوط النظام، بل تبدلت لتأخذ أشكالاً أقل مباشرة وأكثر تداخلاً مع الحياة اليومية.

يستعيد جواد بدايات فرقته “كودا” عام 2022، حين كان هو وأعضاء فرقته يتنقلون بين منازل ضيقة بحثاً عن أي مساحة تصلح للبروفات. يقول: “في ذلك الوقت لم يكن في مقدورنا كطلاب أن نستأجر مكاناً لنعزف فيه، فبدأنا رحلة البحث عن أي مساحة صالحة للبروفات، حيث تنقلنا بين منازل مختلفة، كل واحد يحمل آلته وقلقه معه… وكانت المهمة الأصعب نقل الدرامز من مكان إلى آخر على مرأى المتلصصين والمعترضين وأولاد الحارة”.

ويضيف: “نقله كان بمثابة فضيحة، فهو الآلة الأضخم والأعلى صوتاً، ولم أستطع العزف عليه إلا في أوقات محددة، بعد مفاوضات طويلة واشتراطات تعجيزية من الجيران”.

ومع غياب أي أماكن مخصصة للتدريب، صار البحث عن مساحة آمنة جزءاً من التجربة نفسها. كان جواد وأعضاء فرقته يحاولون في كل مرة خلق أكبر قدر ممكن من العزل بوسائل بسيطة ومؤقتة، يغلّفون الجدران بفرشات الإسفنج وكراتين البقالة، ويرفعون الأثاث إلى الجدران، ويعيدون ترتيب المكان كما لو أنهم يبنون ملاذاً مؤقتاً للعزف.

لكن حتى هذا العزل المرتجل لم يكن كافياً. فاعتراضات الجيران بقيت حاضرة، ومعها التهديد الدائم بتوقيفهم أو مصادرة آلاتهم. يقول جواد: “كثيراً ما هُددنا بالسجن أو بمصادرة آلاتنا، وفي إحدى المرات حاول أحدهم تكسيرها!”.

لم يكن ضغط الجوار وحده ما يلاحقهم آنذاك، بل كانت كل خطوة موسيقية تقريباً تمر تحت عين الرقابة الأمنية. ويصف جواد تلك المرحلة خلال حكم الأسد بقوله: “فكرنا أن نفرد آلاتنا في إحدى ساحات دمشق ونغني لتطلعاتنا ومشاكلنا، لكن واجهتنا رحلة شاقة من الموافقات الأمنية، ومساءلات حول تفاصيل العرض الذي سنقدمه. كنا في غنى عن أي ملاحقة، خاصة أن جميعنا كان يفكر بالسفر خارج سوريا الكئيبة”.

في ذلك المناخ، لم تكن الموسيقى وحدها ما يُستنزف، بل حتى الرغبة في الاستمرار. ويقول جواد إن فرقة “كودا” حُلّت للمرة الأولى قبل سقوط النظام، بعدما صار الاستمرار عبئاً يصعب احتماله: “حاولنا إحداث فرق في بلد تستيقظ في كل يوم على أخبار المعارك والغلاء والسفارات.. لكن كان من الصعب علينا تحمل تكاليف الاستمرار في سوريا، تكاليف المادة والأمل”.

في الثامن من كانون الأول، سقط نظام الأسد، وبدت اللحظة بالنسبة لكثير من الموسيقيين كأنها بداية مساحة جديدة يمكن استعادة شيء من الحرية فيها. بعد سنوات من التقييد، بدأت محاولات لإعادة تشكيل الفرق الموسيقية التي توقفت أو تفككت خلال السنوات الماضية.

بالنسبة لجواد، لم يعد السفر هو الفكرة الوحيدة المطروحة. يقول: “لم تعد فكرة الهجرة من سوريا هاجساً لنا”، موضحاً أنه تواصل مع أعضاء فرقته في محاولة لإعادة تشكيل “كودا” من جديد.

جمعوا آلاتهم وخرجوا بها إلى شوارع دمشق، حيث عزفوا بين المحتفلين في مشهد عكس عودة الموسيقى إلى الفضاء العام، ولو بشكل عفوي ومؤقت. بالنسبة لهم، لم يكن ذلك مجرد عرض مرتجل، بل محاولة أولى لاستعادة ما انقطع، وفتح مساحة جديدة للعزف خارج الخوف القديم.

في هذا المناخ، بدأ بعض الموسيقيين يحاولون استعادة أنفاسهم وحضورهم الفني. من بينهم الأستاذ وسيم، أحد أعضاء الفرقة السيمفونية السورية منذ عام 1997، الذي يستذكر تلك المرحلة قائلاً: “بعد أشهر من سقوط النظام، استطعنا إقامة حفلات في دار الأوبرا، رغم أن المكان لم يخل أحياناً من توجيهات وشروط”.

لكن هذا الانفراج لم يدم طويلاً.بعد شهر واحد من سقوط الأسد بدأت تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي  شكاوى الموسيقيين بشأن صعوبة إدخال آلاتهم الموسيقية إلى سوريا، ما أثار قلق كثيرين شعروا بأن حرية التنقل بآلاتهم بدأت تواجه قيوداً جديدة، من دون صدور قرار واضح أو معلن.

يقول وسيم: “صرت أخاف من أن تسافر آلتي برفقتي، لخوفي من منع إدخالها إلى البلد، فمعظم من خرجوا بآلاتهم لم يستطيعوا إدخالها معهم عند عودتهم”.

لم يصدر قرار صريح بالمنع، لكن السلطات اتجهت إلى إغفال بند الآلات الموسيقية من التعرفة الجمركية للاستيراد. وبفعل هذا الغياب، بات إدخالها إلى البلاد متعذراً عملياً، لتظهر عرقلة إدارية تحاصر عبورها عبر الطرق النظامية من دون أن تُعلن نفسها كمنع مباشر.

ولم يتوقف أثر هذا الإجراء عند حدود السفر أو التنقل، بل امتد ليعيد تشكيل السوق الموسيقية نفسها. فمع تضييق الطرق النظامية، تراجعت إمكانية الوصول إلى الآلات وارتفعت تكلفتها، لتظهر السوق السوداء كمسار بديل يملأ هذا الفراغ.

في هذا الواقع، تُباع الآلات الموسيقية خارج أي ضبط واضح للأنواع أو الأسعار. يقول فادي، صاحب متجر لبيع الآلات الموسيقية: “نستطيع تأمين بيانو عن طريق وصوله بشكل غير نظامي إلى سوريا، أي تهريب”.

ويضيف مستغرباً: “آلة بحجم البيانو كيف تدخل خفية؟ كما يدخل كل شيء، عبر الأتاوة والرشوة”، مشيراً إلى أن هذه الطرق رفعت أسعار الآلات إلى أكثر من الضعف.

خلال جولة في السوق، تبدو الآلات محدودة الخيارات ومرتفعة الثمن، حيث يصل سعر بعضها إلى ما يعادل ثلاثة أضعاف راتب موظف، مع تفاوت واضح بين تاجر وآخر.

البيانو الذي كان يُستورد سابقاً بكلفة تقارب 500 دولار، تجاوز سعره اليوم 3000 دولار في السوق المحلية في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الأساسية والاعتماد على إدخال مكوّناته بطرق غير نظامية.

لكن أثر التحولات التي طاولت الموسيقى في سوريا لم يتوقف عند الآلات أو أسعارها، بل امتد إلى التعليم والحفلات والحياة الفنية اليومية. فأحداث العنف المتتالية في الساحل والسويداء تركت آثارها المباشرة على الحياة الفنية، إذ واجه كثير من طلاب المعهد العالي للموسيقا صعوبة في متابعة دروسهم.

يشير عدد من الموسيقيين إلى أن معظم طلاب السويداء المسجلين لم يتمكنوا من استكمال دراستهم بسبب الأحداث الأخيرة، في ظل نقص الكوادر، ما انعكس على مستوى التعليم الموسيقي وكفاءته.

وامتدت التداعيات أيضاً إلى أماكن السهر والعمل الفني. ويتحدث أسامة، عازف غيتار مسجل لدى نقابة الفنانين منذ عام 1986 ويعمل في أحد مطاعم دمشق، عن توقفهم مؤقتاً عن العمل نتيجة اعتداءات طالت بعض هذه الأماكن.

يصل أثر هذا أيضاً إلى تعليم الموسيقى، كما تشير آية، عازفة البيانو التي تحاول متابعة بعض الدروس مع طلاب معهد صلحي الوادي.

تقول آية إن كثيراً من الأساتذة الموسيقيين قد لا يتمكنون من الاستمرار، وإن الكفاءة لم تعد دائماً معياراً لدخول المعاهد أو التدريس فيها، في ظل شح الكوادر وتدني الأجور، إلى جانب القلق الأمني الذي يعيشه الطلاب والمعلمون معاً، ما يجعل استمرار العملية التعليمية أمراً بالغ الصعوبة.

حالياً، تُحضّر آية لحفل في اللاذقية مع كورال محلي من طلاب معهد خاص، لكن الهاجس الأكبر بالنسبة لها لا يتعلق بالتحضير الفني فقط، بل بالخوف من تعرض الحفل لأي أذى أو أعمال عنف.

بعد كل هذه الضغوط والتحديات التي واجهها الموسيقيون منذ سقوط النظام، من التضييقات الإدارية إلى الفلتان الأمني وأحداث العنف التي أثرت على التعليم والحضور الجماهيري، وجدت فرقة “كودا” نفسها مضطرة إلى حلّ نفسها للمرة الثانية.

اليوم، ينتظر جواد تأشيرته للسفر إلى الإمارات. ويستعيد أجمل لحظة عاشتها الفرقة بعد سقوط النظام، حين حملوا آلاتهم وصعدوا بها إلى قمة قاسيون وعزفوا هناك، من دون أن يعرفوا أنها ستكون المرة الأخيرة التي ستصغي فيها دمشق إلى موسيقاهم.

يقول: “عرضت الدرامز للبيع ليساعدني على تكاليف السفر. بعد سقوط النظام، تأملنا بانتهاء حقبة مرهقة أضنت الشعب السوري، لكن اليوم نعود إلى السفارات لنبحث عن فرصة خارج سوريا. الظروف المستجدة لم تعد تصب في صالح موسيقانا، حللنا الفرقة للمرة الثانية، واليأس بدا وكأنه هزمنا مرتين”.

صوت سوري
“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة شبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى