تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
سوريامقالات الرأي

هل نحصد اليوم نتائج “اذهبوا فأنتم الطلقاء”؟ وأين السلم الأهلي من دماء الأبرياء في حلب؟

هل هذا ما وصلنا إليه بعد سقوط نظام الأسد؟ وهل أصبح السلم الأهلي عنواناً للتسامح مع المجرمين، بينما يدفع الأبرياء ثمن ضعف الردع والمحاسبة؟

تتكرر جرائم القتل المتعمد في محافظة حلب بصورة تثير القلق والغضب، حتى باتت أخبار الطعن والخطف وإطلاق النار والاعتداءات المسلحة جزءاً متكرراً من المشهد. يحدث ذلك في وقت كان السوريون ينتظرون فيه بداية مرحلة يسودها الأمن والعدل وسيادة القانون، وتصبح فيها حياة الإنسان مصونة، بعيداً عن العنف والفوضى والإفلات من العقاب.

وكانت آخر هذه الجرائم المؤلمة مقتل الشاب نور لبابيدي، الذي فارق الحياة متأثراً بطعنات بسكين، بعد تدخله للدفاع عن امرأة تعرضت للتحرش والمضايقة من شابين في مدينة حلب.

هل نحصد اليوم نتائج “اذهبوا فأنتم الطلقاء”؟ وأين السلم الأهلي من دماء الأبرياء في حلب؟

لم يرتكب نور جريمة، ولم يكن طرفاً في نزاع مسلح، بل تدخل لحماية امرأة من اعتداء، فكانت النتيجة أن فقد حياته. وتطرح هذه الجريمة سؤالاً موجعاً: إلى أي حد وصل استسهال الاعتداء على حياة الإنسان، حتى يصبح الدفاع عن امرأة سبباً لإنهاء حياة شاب؟

وقبل ذلك، شهد حي الجابرية في حلب جريمة أخرى راح ضحيتها الشاب محمد زياد الصائغ، إثر اعتداء بالسكين، في واقعة تعكس خطورة تحول الخلافات والاعتداءات الفردية إلى جرائم تنتهي بإزهاق الأرواح.

لم تعد هذه الجرائم حوادث معزولة يمكن المرور عليها بالصمت أو الاكتفاء بإدانتها. فبحسب توثيقات المرصد السوري لحقوق الإنسان، شهدت محافظة حلب خلال عام 2025 وقوع 34 جريمة قتل جنائي، أودت بحياة 43 شخصاً. وارتفعت الحصيلة المسجلة منذ بداية عام 2026 وحتى 31 تشرين الأول/أكتوبر إلى 81 جريمة، راح ضحيتها 93 شخصاً.

وبذلك، نتحدث عن 115 جريمة و136 ضحية خلال الفترتين المذكورتين، من دون احتساب الأيام الأخيرة من عام 2024، أو حالات الاغتيال والتصفية التي قد تكون مدرجة ضمن تصنيفات توثيقية أخرى.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ إنها عائلات فقدت أبناءها، وأطفال حُرموا من آبائهم، وأمهات ينتظرن عدالة تعيد إليهن شيئاً من الثقة بالدولة والمجتمع.

ولا يمكن مناقشة انتشار الجريمة بمعزل عن الإرث الخطير الذي خلفته سنوات حكم الأسد. فقد شهد المجتمع السوري خلال تلك المرحلة انتشار الميليشيات المسلحة وتجارة المخدرات وثقافة السلاح والإفلات من العقاب، بالتزامن مع تراجع التعليم وانهيار كثير من مؤسسات الضبط الاجتماعي.

وفي ظل هذه الظروف، نشأت شبكات وأفراد اعتادوا فرض إرادتهم بالقوة، والتعامل مع السلاح والعنف بوصفهما وسيلتين لحل الخلافات أو تحقيق المصالح.

ومن هنا تبرز ضرورة مراجعة ملفات المتورطين سابقاً في أعمال التشبيح والجرائم الجنائية وتجارة المخدرات والأنشطة المسلحة غير المشروعة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن جريمة، أياً كانت الجهة التي انتمى إليها.

لكن المشكلة لا تقتصر على إرث الماضي، بل تكمن أيضاً في استمرار وجود أشخاص يعتقدون أن بإمكانهم ارتكاب الجرائم والإفلات من العقاب. فالخطر الحقيقي يبدأ عندما يفقد المجرم خوفه من القانون، وحين يشعر المواطن بأن حياته قد تنتهي بسبب خلاف عابر، أو كلمة، أو تدخله للدفاع عن إنسان يتعرض للاعتداء.

ومن حق السوريين أن يسألوا: هل كانت سياسة «اذهبوا فأنتم الطلقاء» بداية لمصالحة وطنية حقيقية، أم تحولت في بعض الحالات إلى تساهل مع أشخاص كان ينبغي التحقيق في أفعالهم ومحاسبتهم؟

ولا يعني طرح هذا السؤال وجود صلة مثبتة بين الجرائم المذكورة وأشخاص شملتهم تسويات أو إجراءات عفو، لكنه يفتح نقاشاً مشروعاً حول حدود التسامح، ومعايير التدقيق، والفرق بين المصالحة الوطنية والإفلات من العقاب.

السلم الأهلي لا يُبنى بالتغاضي عن الجرائم، ولا يتحقق برفع الشعارات والدعوة إلى التسامح وحدها، بل يحتاج إلى عدالة حقيقية ومؤسسات قادرة على حماية المواطنين.

هناك فرق جوهري بين المصالحة والتساهل مع الجريمة، وبين العفو المشروع والإفلات من العقاب. ولا يجوز أن يتحول الحرص على منع الانتقام والفوضى إلى مبرر لتعطيل المحاسبة أو تجاهل حقوق الضحايا.

فالمصالحة الوطنية التي لا تستند إلى العدالة ستبقى هشة، والسلم الأهلي الذي لا يشعر المواطن في ظله بالأمان سيبقى شعاراً لا يلامس الواقع. والعدالة ليست انتقاماً، كما أن المحاسبة لا تهدد السلم الأهلي؛ بل تمثل الضمانة الأساسية لمنع عودة العنف.

إن قضيتي مقتل نور لبابيدي ومحمد زياد الصائغ، وغيرهما من ضحايا الجرائم الجنائية في حلب، لم تعودا شأناً يخص عائلتيهما وحدهما، بل أصبحتا قضية حق عام وأمن مجتمع بأكمله.

فكل جريمة قتل لا تُواجَه بتحقيق جاد ومحاسبة عادلة تترك أثراً يتجاوز عائلة الضحية، وتزيد شعور الناس بالخوف، وتضعف ثقتهم بقدرة مؤسسات الدولة على حمايتهم.

وتقع مسؤولية التصدي لهذه الظاهرة على عاتق الدولة ومؤسساتها الأمنية والقضائية، كما يتحمل المجتمع بمختلف مكوناته جزءاً من المسؤولية.

ولم يعد مقبولاً الاكتفاء ببيانات الاستنكار أو الإعلان عن توقيف المتهمين. يجب أن تتبع ذلك تحقيقات شفافة وإجراءات قضائية واضحة ومحاكمات عادلة وفق القانون، ثم أحكام رادعة بحق من تثبت إدانتهم.

وتتطلب المرحلة الحالية خطوات عاجلة، في مقدمتها ضبط السلاح غير المرخص، وملاحقة شبكات المخدرات والجريمة المنظمة، ومراجعة ملفات أصحاب السوابق الخطيرة وفق إجراءات قانونية، وتعزيز حضور أجهزة الأمن في الأحياء والمناطق التي تتكرر فيها الاعتداءات.

ولا تقل عن ذلك أهمية إعادة بناء المؤسسات التربوية والاجتماعية، ومعالجة الآثار النفسية والسلوكية للحرب، ومواجهة ثقافة العنف التي تغلغلت في المجتمع خلال سنوات طويلة.

السوريون الذين دفعوا أثماناً باهظة من أجل الحرية والكرامة والعدالة لا يستحقون العيش تحت الخوف من جريمة طعن أو إطلاق نار أو اعتداء مسلح.

ولا يمكن بناء دولة جديدة في ظل التساهل مع المجرمين، كما لا يمكن استعادة ثقة الناس بمؤسسات الدولة من دون حماية أرواحهم وصون حقوقهم.

وعلى الجهات الأمنية والقضائية في محافظة حلب التعامل مع جرائم القتل المتعمد باعتبارها تهديداً جدياً للأمن المجتمعي، واتخاذ إجراءات حازمة وعاجلة لمحاسبة مرتكبيها وفق القانون، من دون استثناء أو محاباة.

كما يقع على الفعاليات المدنية والاجتماعية والحقوقية والإعلامية واجب رفع الصوت والمطالبة بالعدالة، وعدم السماح بتحويل دماء الأبرياء إلى أخبار عابرة تُنسى بعد أيام.

لا نطالب بالانتقام أو العقاب الجماعي، بل بدولة قانون تحاسب المجرم على جريمته، مهما كان انتماؤه أو ماضيه أو نفوذه.

فالعفو عن الماضي لا يمكن أن يكون ترخيصاً لارتكاب جرائم جديدة، والتسامح لا يعني التنازل عن حقوق الناس، والسلم الأهلي لا يعني الصمت على إزهاق الأرواح.

إلى متى سيبقى المواطن السوري يدفع حياته ثمناً لفوضى السلاح وضعف الردع؟ وإلى متى سنكتفي بالحديث عن السلم الأهلي، بينما يفتقد الناس أبسط حقوقهم: الحق في الحياة والأمان؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى