تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
سوريا

بين غلاء الأسعار وحق المواطنة.. كيف نحمي سوريا من الانهيار المعيشي؟

لا يُقاس أثر القرارات الاقتصادية بما تضيفه إلى خزينة الدولة فقط، بل بما تتركه على موائد الناس وقدرتهم على تأمين احتياجاتهم اليومية. وفي سوريا، حيث أنهكت سنوات الأزمات الأسر واستنزفت مواردها، يصبح أي ارتفاع في الأسعار اختباراً لقدرة المواطن على الاحتمال، ولمسؤولية الحكومة عن حماية الفئات الأشد ضعفاً.

عندما يرتفع سعر المحروقات، لا يتوقف الأثر عند محطات الوقود، بل يمتد إلى تكاليف إنتاج الخبز والنقل والخدمات الأساسية. وأي زيادة غير مدروسة تضع الطبقات الفقيرة أمام عبء قد لا يستطيع دخلها اليومي تحمله، وتزيد المسافة بين ما تحتاج إليه الأسرة وما تستطيع شراءه.

من هنا، لا يمكن فصل معالجة الغلاء عن سؤال المواطنة: كيف تُتخذ القرارات التي تمس حياة الناس؟ وكيف تُسمع اعتراضاتهم؟ ومن يتحمل مسؤولية حمايتهم من تداعياتها؟

مشروعية الاحتجاج وحماية الممتلكات

نزول المواطن إلى الشارع اعتراضاً على الغلاء، أو رفضاً لقرار يمس حياته ومستقبله ولقمة عيشه، حق مشروع في التعبير والمطالبة والمساءلة. والاحتجاج السلمي جرس إنذار يذكّر السلطات بأن السياسات الاقتصادية تُقاس بملاءمتها لحياة الناس، وبقدرتها على مراعاة أوضاعهم، لا بالأرقام المجردة وحدها.

وفي الوقت نفسه، تقتضي المسؤولية الوطنية حماية المرافق العامة والممتلكات الخاصة. فالمرافق العامة تخدم السوريين جميعاً، والممتلكات الخاصة ترتبط بحقوق أصحابها وأرزاقهم، والإضرار بها يضيف خسائر جديدة إلى مجتمع يعاني أصلاً من أعباء ثقيلة.

إن التمسك بالسلمية يحمي المشاركين ويحافظ على وضوح مطالبهم، ويمنع تحويل الاعتراض على قرار اقتصادي إلى صراع يدفع المجتمع كلفته. ويقابل ذلك واجب على السلطات في الاستماع إلى المحتجين، وحماية حقهم في التعبير السلمي، والتعامل مع مطالبهم بجدية.

فجوة الشفافية تزيد أزمة الغلاء

تتضاعف أزمة الغلاء حين ترافقها فجوة في المعلومات. فعندما تتضارب التصريحات والبيانات المتعلقة بقطاع النفط والطاقة، وبحجم الإنتاج والمخزون والتكاليف، يجد المواطن نفسه أمام أسئلة بلا إجابات واضحة، وتتراجع ثقته بالمبررات المقدمة لأي زيادة.

ولا تُعالج هذه الفجوة بعبارات عامة عن صعوبة الظروف. المطلوب مكاشفة تشرح للناس كلفة تأمين المحروقات، وما يُنتج محلياً وما يُستورد، وكيف تُحدد الأسعار، وما البدائل التي دُرست قبل اتخاذ القرار.

الشفافية جزء من مسؤولية الإدارة العامة، وهي تتيح للمواطن فهم القرار ومناقشته، وللمختصين تقييمه واقتراح بدائل قابلة للتنفيذ.

حلول تراعي قدرة الناس على التحمل

تقع على عاتق الحكومة مسؤولية البحث عن خيارات تخفف العبء المعيشي، وتوزع كلفة المعالجة بصورة أكثر عدلاً. ويبدأ ذلك بدراسة الأثر الاجتماعي لأي زيادة قبل إقرارها، وتحديد الفئات التي ستتضرر منها، والإجراءات اللازمة لحمايتها.

ومن الخيارات التي تستحق الدراسة توفير دعم نقدي موجه للأسر الأشد فقراً، على أن يصل إليها في الوقت المناسب، وبقيمة تراعي أثر ارتفاع الأسعار على احتياجاتها الأساسية.

كما يمكن بحث فرض رسوم على السلع الكمالية للمساهمة في تمويل الدعم، إلى جانب تقليص النفقات الحكومية التشغيلية غير الضرورية. وهذه البدائل تحتاج إلى حسابات واضحة تبين حصيلتها وكلفتها وآثارها، حتى لا تتحول بدورها إلى أعباء غير مباشرة على المواطنين.

المطلوب أن تسبق الحماية الاجتماعية القرار، أو تتزامن معه، وأن تكون جزءاً من تصميمه منذ البداية، بدلاً من انتظار تفاقم الأزمة ثم البحث عن وسائل لاحتوائها.

دور النقابات والمجتمع المدني

لا يجوز أن تبقى النقابات المهنية والأوساط الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني في موقع المتفرج. فهي معنية بنقل هموم الناس، وتقديم المعرفة والخبرة، والمشاركة في مناقشة القرارات التي تمس معيشة المجتمع.

لكن حضور هذه الجهات في النقاش الاقتصادي، برأيي، لم يرتقِ إلى حجم الأزمة. والمطلوب اليوم دور واضح يتجاوز المواقف العامة إلى تقديم دراسات ومقترحات ومتابعة تنفيذها.

يمكن البدء بتشكيل لجنة طوارئ اقتصادية تضم نقابيين وأكاديميين وخبراء اقتصاديين وممثلين عن الفئات المتضررة، تتولى إعداد دراسات للأثر الاجتماعي، وطرح بدائل على الحكومة قبل إقرار أي زيادة جديدة.

كما تستطيع هذه الجهات مساعدة الحراك الشعبي على صياغة مطالب محددة، وفتح قنوات للحوار والتفاوض بشأنها، مع الحفاظ على استقلال المحتجين وحقهم في التعبير. فتحويل الغضب إلى مطالب واضحة يجعل متابعتها ومساءلة الجهات المعنية عنها أكثر فاعلية.

حماية المعيشة أساس لبناء الثقة

حماية سوريا في مرحلة التأسيس تتطلب حكومة تملك شجاعة المكاشفة والمراجعة، ومواطنين يمارسون حقهم في المطالبة السلمية ويحافظون على المرافق والممتلكات، ومجتمعاً مدنياً يشارك في تقديم حلول عملية.

والبداية تكون بإجراءات يلمسها الناس: معلومات واضحة، وحماية تصل إلى مستحقيها، وإنفاق عام منضبط، وقرارات تُدرس آثارها قبل أن تتحول إلى أعباء يومية.

فحين يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن كلفة الإصلاح موزعة بعدالة، يصبح بناء الثقة ممكناً. أما ترك الأسر تواجه الغلاء وحدها، فيضعف قدرتها على الصمود ويعمق الفجوة بينها وبين مؤسسات الدولة. وحماية لقمة العيش مسؤولية أساسية في بناء سوريا التي يستحقها السوريون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى