التجارة بالهوية كرأس مال سياسي

في سوريا الجديدة، ربما يكون ملف العلاقة بين الأكثرية والمكونات الأقل عدداً من أكثر الملفات حساسية وخطورة، ليس لأن التنوع السوري مشكلة بحد ذاته، بل لأن سنوات الحرب والاستبداد والعنف تركت مخاوف حقيقية وذاكرة ثقيلة وشكوكاً متبادلة يمكن استثمارها بسهولة. وقد أثبتت التجربة السورية أن الطائفية لا تحتاج دائماً إلى متطرف يصرخ بخطاب الكراهية كي تعمل، أحياناً يكفي سياسي يبحث عن جمهور، أو شخصية تبحث عن حماية، أو ناشط يريد موقعاً، أو صاحب نفوذ يريد أن يقدم نفسه بوصفه “قريباً من الجميع”. عندها تتحول الهوية من حقيقة اجتماعية وثقافية إلى رأس مال يمكن استثماره.
لا يعني نقد هذا الاستثمار التقليل من حقوق أي جماعة أو إنكار مخاوفها. فالاعتداء على علوي لأنه علوي، أو درزي لأنه درزي، أو مسيحي بسبب دينه، أو كردي بسبب هويته، جريمة لا يمكن تبريرها. والتمييز جريمة سياسية وأخلاقية، وحماية المواطن مسؤولية الدولة أياً كان انتماؤه. كما أن المكونات السورية ليست كتلة واحدة، فلكل منها تجربتها ومخاوفها ومطالبها، ولا يصح اختصارها جميعاً في تسمية واحدة أو التعامل معها بمنطق سياسي واحد.
لكن الاعتراف بالمخاوف شيء، وتحويلها إلى مشروع استثمار سياسي شيء آخر. يبدأ ذلك عندما يكتشف شخص ينتمي إلى مكوّن أقل عدداً أن هويته تستطيع أن تمنحه موقعاً ربما لا تمنحه إياه كفاءته أو حضوره العام، فيقدم نفسه متحدثاً باسم جماعة لم تنتخبه ولم تفوضه. تصبح مصلحته الشخصية “مصلحة المكوّن”، ويصبح موقعه السياسي “تمثيلاً للمكوّن”، ويصبح الاعتراض عليه قابلاً للتحويل إلى “استهداف للمكوّن”. وحين نصل إلى هذه المرحلة، تتحول الهوية إلى درع سياسي، ويصعب معرفة أين تنتهي الحقوق المشروعة للجماعة وأين تبدأ مصالح الشخص الذي نصب نفسه ممثلاً لها.
وهناك تجارة أخرى، ربما تكون أقل وضوحاً وأكثر انتشاراً، يمارسها بعض المنتمين إلى الأكثرية عندما تتحول المكونات الأخرى بالنسبة إليهم إلى شهادة اعتدال ينبغي الحصول عليها. هذا الشخص لا يريد بالضرورة بناء علاقة حقيقية ومتوازنة مع السوريين المختلفين عنه، بقدر ما يريد أن يستطيع القول أمام جمهوره، أو شركائه، أو جهة سياسية ،أو دولية، “أنا قريب منهم”. ولذلك يبدأ بعرض علاقاته كما تُعرض أوراق الاعتماد، صديق علوي، وشخصية مسيحية، وشيخ درزي، وناشط إسماعيلي، وكردي يعرفه جيداً. ثم تصبح هذه العلاقات جزءاً من سيرته السياسية، لا لأنها أنتجت مشروعاً وطنياً أو حواراً حقيقياً، بل لأنها تمنحه الصورة التي يريدها لنفسه.
لا مشكلة بالطبع في العلاقات والصداقات بين السوريين من مختلف الانتماءات، فهي الأصل الطبيعي الذي يفترض أن تقوم عليه الحياة المشتركة. المشكلة أن تتحول هوية الأصدقاء إلى دليل معروض لإثبات الوطنية. وحين يكرر شخص أنه “قريب من الأقليات”، فقد يكشف، من حيث لا يقصد، أنه ما يزال ينظر إليهم باعتبارهم كتلة منفصلة عنه تحتاج إلى اقتراب. الاحترام الحقيقي لا يُقاس بعدد الأسماء التي يستطيع المرء ذكرها، بل بمواقفه من المساواة والحقوق والمحاسبة ورفض التحريض.
وتزداد الخطورة عندما لا يهتم الباحث عن “القرب” بمن يختاره من داخل تلك المكونات. فمن يريد علاقة حقيقية مع مجتمع سيحاول التعرف إلى تنوعه، شبابه ومثقفيه وناشطيه وضحاياه وشخصياته المستقلة، والنساء والرجال، والمختلفين سياسياً والمتفقين. أما من يريد صورة أو بوابة نفوذ، فغالباً ما يبحث عن الشخص الأسهل وصولاً والأكثر استعداداً لعقد الصفقة.
وهنا قد يقع الاختيار على شخصية ذات نفوذ سابق، أو شخص ارتبط اسمه بالفساد أو بخدمة النظام السابق، أو آخر يخشى المحاسبة ويبحث اليوم عن مظلة جديدة. لا لأن هذه الصفات مرتبطة بمكوّن معين، فالجلادون والفاسدون موجودون في مختلف البيئات، بل لأن صاحب المصلحة يجد صاحب المصلحة أسرع مما يجد صاحب المبدأ.
بهذه الطريقة يمكن أن تتشكل واحدة من أخطر العلاقات في المرحلة الجديدة، شخص من الأكثرية يحتاج إلى وجه من مكوّن آخر ليقول “أنا قريب منهم”، وشخص من ذلك المكوّن يحمل ماضياً ثقيلاً يحتاج إلى شخص قريب من مراكز النفوذ كي يقول “أنا محمي ولدي علاقات”. الأول يحصل على شهادة “التنوع”، والثاني يحصل على فرصة لإعادة تقديم نفسه، وفي المنتصف قد تُباع العملية للمجتمع باعتبارها مصالحة وطنية. لكنها ليست بالضرورة مصالحة، بل قد تكون تبادل خدمات بين شخصين يحتاج كل منهما إلى الآخر لأسباب لا علاقة لها بالوطن.
هذه المشكلة ليست جديدة تماماً على السوريين. فقد استخدم نظام الأسد لعقود سردية “حماية الأقليات” بوصفها جزءاً من شرعيته السياسية، بينما قامت علاقته بالمكونات السورية على مزيج من الاستمالة والضبط والتخويف والقمع، بحسب الجماعة والمرحلة والحاجة السياسية. لم تكن الحماية حقاً مؤسسياً مضموناً بقدر ما كانت علاقة مشروطة بالولاء، وهو ما سمح باستخدام الهوية لإنتاج الخوف والاعتماد على السلطة معاً. لذلك فإن أخطر ما يمكن فعله اليوم هو إعادة إنتاج الفكرة نفسها بثياب جديدة، أن تحتاج جماعة إلى “حامٍ”من خارجها، وأن يحتاج الحامي بدوره إلى خوف الجماعة لتبرير دوره.
ولا يكون المتاجر بالهوية دائماً الشخص الذي يدعي حماية المكونات المختلفة،فهناك أيضاً من يكتشف أن مهاجمتها أكثر ربحاً. الشخص نفسه الذي قد يتباهى اليوم بعلاقاته مع شخصيات من مكونات متعددة يمكن، إذا تغير الجمهور أو تبدلت المصلحة، أن يجد في التعميم ضد أحد هذه المكونات وسيلة أسرع للحصول على التصفيق. وحين يكون خطاب التطمين رائجاً يصبح “رجل التعايش”، وحين يصبح الغضب الطائفي أكثر شعبية يتحول إلى مدافع شرس عن “حقوق الأكثرية”. لم تتغير قناعته بالضرورة، الذي تغير هو السوق الذي يبيع فيه خطابه.
القرب والهجوم هنا وجهان لعملة واحدة. الأول يحول الجماعة إلى زينة سياسية، والثاني يحولها إلى فزاعة سياسية. الأول يحتاج إلى علوي أو درزي أو مسيحي يقف بجانبه كي يبدو منفتحاً، والثاني يحتاج إلى شخص من هذه المكونات يضعه أمام جمهوره باعتباره تهديداً كي يبدو مدافعاً عن الأكثرية. وفي الحالتين لا يُرى الإنسان بوصفه مواطناً له موقف ومسؤولية فردية، بل عضواً في كتلة يمكن استثمارها.
وهذا ما يجعل بعض أشكال التقارب المصلحي خطراً على أبناء المكونات أنفسهم. فعندما يبحث صاحب النفوذ عن “ممثل” سريع، قد لا يصل إلى أكثر الناس نزاهة أو قبولاً، بل إلى الأكثر استعداداً ليقول له ما يريد سماعه. وربما يجد شخصاً كان جزءاً من منظومة فساد أو انتهاك، لكنه يعرف اليوم أنه يحتاج إلى إعادة تأهيل صورته، فيكون مستعداً لإعلان ولائه الجديد وتقديم نفسه جسراً بين “المكوّن” ومراكز السلطة. صاحب النفوذ يكسب الصورة، وصاحب الماضي المشبوه يكسب الحماية أو الشرعية الجديدة، لكن المواطن العادي لا يكسب شيئاً.
بل ربما يخسر.
يخسر حين يرى أن الشخصية التي أهانته أو ابتزته أو استفادت من السلطة السابقة أصبحت تجلس في الصف الأول بوصفها ممثلة له. ويخسر حين يكتشف أن الآخرين لم يبذلوا جهداً للتعرف إلى مجتمعه إلا من خلال أصحاب المال والعلاقات والقدرة على الوصول. ويخسر حين تُقدم هذه العلاقات باعتبارها “مصالحة”، بينما لم يُسأل الضحايا، ولم تحصل محاسبة، ولم يُعرف أصلاً من صالح من.
المصالحة الوطنية ليست أن نضع سنياً وعلوياً في صورة واحدة، وليست أن يجلس شيخ مسلم إلى جانب رجل دين مسيحي أمام الكاميرا، وليست أن يستطيع مسؤول تعداد أسماء أصدقائه من المكونات المختلفة. قد تكون هذه اللقاءات جيدة ومفيدة، لكنها ليست دليلاً كافياً على المصالحة. فالمصالحة تبدأ بكشف الحقيقة، والاعتراف بالضحايا، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وبأن يكون القانون واحداً على الجميع.
يُحاسب المجرم عندها على جريمته من دون أن تحميه طائفته، وفي الوقت نفسه لا تُحمّل طائفته جريمته. يستطيع العلوي أن يقول إن الشبيح الذي ارتكب جريمة لا يمثله، ويستطيع السني أن يقول إن المتطرف السني لا يمثله، ويستطيع الدرزي والمسيحي والكردي والإسماعيلي أن يُحاسَب كل فرد منهم على ما فعل، لا على الاسم المكتوب في خانة الهوية.
وهذا هو الفارق بين العدالة والطائفية، العدالة تفرد المسؤولية، أما الطائفية فتعممها. فإذا قتل شخص إنساناً، تسأل العدالة، من القاتل وما الأدلة؟ أما الطائفية فتسأل، ما طائفته؟ وإذا كان مسؤول سابق فاسداً، تسأل العدالة عن أفعاله وأمواله وضحاياه، أما تاجر الهوية فيسأل إن كان من المفيد الاحتفاظ به لأنه “يفتح لنا باب المكوّن”. وحين تُدار المرحلة بهذه الطريقة، تستطيع شبكات المصالح القديمة العودة، لا لأنها أكثر قبولاً أو نزاهة، بل لأنها كانت دائماً الأكثر قدرة على الوصول إلى السلطة.
لذلك، فإن افتراض أن كل شخص ينتمي إلى جماعة ما ويمتلك نفوذاً داخلها هو الشخص المناسب للحوار معه خطأ خطير. فالمجتمعات السورية ليست وحدات سياسية مغلقة، لكل منها شيخ واحد ومفتاح واحد. داخل كل جماعة مواقف متناقضة، وطبقات اجتماعية مختلفة، وضحايا للنظام ومؤيدون سابقون له، وأشخاص قاوموه وآخرون استفادوا منه، وشباب يريدون المستقبل، وشخصيات ما تزال تعيش من أرصدة الماضي. أن تختار شخصية واحدة وتقول “هذه بوابتنا إلى العلويين” أو “هذا ممثل المسيحيين” أو “هذا صوت الدروز” ليس انفتاحاً، إنه اختزال مجتمع كامل بالطريقة الأكثر راحة لصاحب السلطة.
ولا يعني ذلك أن كل تمثيل جماعي زائف، أو أن الحوار مع الشخصيات المجتمعية غير مشروع. يمكن التمييز بين التمثيل الحقيقي وادعاء التمثيل من خلال أسئلة واضحة، هل حصل الشخص على تفويض أو قبول يمكن التحقق منه؟ هل يعترف بتعدد الأصوات داخل جماعته؟ هل يخضع للمساءلة؟ هل تتسم مصالحه وتمويله وعلاقاته بالشفافية؟ هل يدافع عن الحقوق العامة أم يربط مصير الجماعة بموقعه الشخصي؟ وهل يشمل الحوار النساء والشباب والضحايا والمستقلين، أم يقتصر على أصحاب النفوذ؟
وفي المقابل، ينبغي ألا تتحول محاربة هذه التجارة إلى إنكار للخصوصيات والمخاوف. سيكون من السذاجة أن نقول لأي جماعة خائفة، انسوا هوياتكم ولا تتحدثوا عن مخاوفكم. الخوف لا يختفي بأمر إداري، وحقوق المكونات ليست مؤامرة. المشكلة ليست في أن يقول العلوي إنه يخاف من استهدافه بسبب هويته، أو أن يطالب الدرزي بالأمان، أو أن يقلق المسيحي على حريته الدينية، أو أن يتمسك الكردي بحقوقه الثقافية والسياسية. هذه قضايا مشروعة ينبغي للدولة والمجتمع التعامل معها بجدية.
الخط الفاصل واضح، هناك فرق بين أن تدافع عن حق جماعة في الأمان وبين أن تحتاج إلى استمرار خوفها كي تستمر أهميتك السياسية، وبين أن تدعم تمثيلها العادل وبين أن تختار شخصاً منها وتمنحه لقب “ممثل المكوّن” لأنه حليفك، وبين أن تبني علاقة مع السوريين المختلفين عنك وبين أن تستخدم صداقاتك معهم في كل خطاب لتثبت أنك معتدل، وبين المصالحة وتبييض الصفحات.
ومع ذلك، لا تتعلق المشكلة بأخلاق الأشخاص وحدها. فضعف القضاء، وغياب آليات التمثيل الشفافة، وعدم وضوح التعيينات والتمويل، وخطاب الإعلام التحريضي، كلها عوامل تجعل الاستثمار في الهوية مربحاً. ولذلك لا يكفي فضح الأفراد، بل يجب بناء مؤسسات تجعل حماية الحقوق وظيفة للقانون، وتجعل التمثيل قابلاً للمساءلة، وتمنع أي شخص من احتكار جماعة أو استخدام الخوف طريقاً إلى السلطة.
المواطنة لا تطلب من المسيحي أن يتخلى عن مسيحيته، ولا من الدرزي عن درزيته، ولا من العلوي أو الإسماعيلي أو السني أو الكردي عن هويته. إنها تطلب شيئاً أبسط وأكثر صعوبة في الوقت نفسه، ألا يكون حجم الجماعة هو الذي يحدد قيمة المواطن، وألا تتحول الهوية إلى بطاقة امتياز أو لائحة اتهام.
الوطن لا يُبنى بتحالف تجار الهويات، حتى لو التقطوا أجمل الصور معاً. وتقاطع المصالح الشخصية ليس مصالحة وطنية، كما أن معرفة شخص من كل طائفة لا تجعل أحداً أكثر وطنية. الوطنية تبدأ حين لا يحتاج السوري إلى هوية الآخر ليستخدمها ضده أو لصالحه، بل يحتاج فقط إلى أن يعرف ماذا فعل هذا الإنسان، وماذا يمثل، وماذا يستطيع أن يقدم لوطنه.




