سوريا

ثلاث سنوات على زلزال شباط.. ومنازل التعويض ما تزال على الورق

ثلاث سنوات على زلزال شباط.. ومنازل التعويض ما تزال على الورق

مرّت نحو ثلاث سنوات على زلزال شباط، ولم تحصل رفاه، على المنزل الذي وُعدت به عائلتها، تعويضاً عن منزلها الذي انهار في مدينة جبلة آنذاك. كانت تصبّر نفسها وتتعلّق بخيط أمل على الرغم من التأخير، لكنها فقدته اليوم بعد مقتل زوجها وابنها واحتراق عقد شراء المنزل أثناء هجوم مسلح.

في غرفة مستأجرة، نوافذها غير مكتملة، مصدر إضاءتها الوحيد “ليد” لا يتجاوز طوله بضعة سنتيمترات، تجلس رفاه إلى جانب ابنها الصغير وابنتها الجامعية، تقول “مات زوجي وابني ولم يريا المنزل الموعود. عاشا منذ الزلزال يتنقّلان بين المنازل المستأجرة”.

عندما وقع الزلزال كانت العائلة قد انتقلت حديثاً إلى منزل اشترته ولم تدفع ثمنه بالكامل. انهار المنزل، الذي دفعت 300 مليون ليرة سورية من ثمنه، وتبقى 100 مليون ليرة كشرط لنقل الملكية بالكامل.

في الشهر الذي تلا الكارثة، تنقّلت العائلة بين ستة منازل، أحدها كان بلا نوافذ، وآخر لاماء فيه ولا كهرباء، وثالث كانوا فيه ضيوفاً لعدة أيام. ثم استقرت في منزل قديم لمدة عام كامل.

زارت رفاه بلدية جبلة قبل نحو شهر ونصف الشهر من سقوط نظام الأسد. وحينها وُعِدت بمنزل في مركز الإيواء بالمدينة، وقيل لها عودي لتسلّمه في كانون الثاني 2025. جاء الموعد فقصدت البلدية لتجد موظّفين جُدد. بحثت عن الشخص المسؤول فلم تجده، وعندما دخلت المكتب ذاته قال لها الموظف الجديد “اذهبي إلى من وعدك فليسلّمك المنزل”.

حينها كان أحد ملّاك المنازل التي تعاقبت عليها العائلة يطالب بالإخلاء بحجة نية البيع. تقول رفاه “إن أسعار الإيجارات كانت مرتفعة بشكل جنوني، ولم أجد منزلاً بإيجار معقول”. عُرض على العائلة من قبل أحد الأصدقاء العمل والسكن في مزرعة على أطراف قرية بستان الباشا بريف اللاذقية، ولم يكن أمامها إلا القبول.

تقول رفاه “أقنعت زوجي الذي كان متردداً بالسكن في المزرعة، لأننا لم نعد قادرين على دفع الإيجار” هذا المنزل كان سبباً بخسارة نصف العائلة، وفيه قُتل الأب والابن الأكبر، وأحرق مسلحون المنزل بما فيه أثناء أحداث آذار. 

لم تقتصر خسارة رفاه على الزوج والابن، بل خسرت أيضاً إثبات شراء المنزل، فعادت إلى مدينة جبلة تبحث عن صاحب البناء الذي اشترت فيه العائلة منزلاً. عندها أخبرها سكان المنطقة أنه هرب من سوريا بعد الزلزال مباشرة، مخافة أن يُطلب للتحقيق في سبب تهدّم البناء.

تكفّل أحد أصدقاء العائلة باستئجار منزل للأم وطفليها مدة ثمانية أشهر. اليوم يقترب العقد من نهايته. تقول رفاه إنها ستضطر بعدها للدفع من راتبها الذي تتقاضاه لقاء وظيفتها في معمل غزل جبلة، وتضيف “إنّه يتأخّر كثيراً”، ما سيخلق مشكلات مع أصحاب العقارات.

رفاه وعشرات آلاف العائلات المتضررة من زلزال شباط في سوريا، يعيشون خسارتهم بلا تعويض، بلا ورق يثبت حق ملكيتهم، وبلا جهة رسمية تتابع مصيرهم بعد تغيّر الخرائط الإدارية والسياسية، وحدها الخسارة بقيت ثابتة.

في حي الرميلة بجبلة، حيث سكن رفاه، هدمت 8 أبنية بشكل مباشر، 4 منها بالقسم الجنوبي ومثلها في الشمالي، مع عشرات الأبنية الأخرى التي كانت تحتاج إلى ترميم أو تدعيم، وفق ما ذكرت صحيفة الوحدة المحلية حينها.

ما عاشته رفاه في جبلة من فقدان، وتشريد، ووعود رسمية لم تُنفذ، ليس حالة معزولة تخص مدن الساحل فقط، فالمشهد في مناطق مثل جنديرس، إدلب، وحلب أكثر مأساوية، إذ تحدثت تقارير عن فقدان آلاف المتضررين وثائقهم الرسمية تحت الركام، وفشل كثير منهم باستصدار وثائق جديدة خصوصاً المهجرين من باقي المناطق السورية إلى إدلب.

منزل على الورق 

حالف الحظ صالح، وحصل على منزل على المخطط في أطراف مدينة جبلة، لكنّه لا يتوقّع أن يسكنه يوماً، أُعطي رقماً على الورق، وطابقاً لا يستطيع الصعود إليه، ومنزلاً لن يدخل إليه يوماً، لأنه عاجز عن دفع ثمن “التعويض”.

تسكن عائلة صالح مسكناً في مركز الإيواء بمدينة جبلة. المسكن فيه عدد من الاسفنجات والكراسي البلاستيكية وسجادة تغطي نحو نصف مساحة إحدى الغرف. وفي الخارج زرعت عائلة صالح مساكب ترابية صغيرة من البصل والبقدونس والفجل وسط طريق مفروش بالحصى، إلى جانبه جهّز صالح ورشته لتعبئة الفحم الحجري، ميزان  وأكياس من النايلون ويدان تشرحان من آثار الفحم ما يعيشه صالح من قسوة لم تخف ابتسامته وهو يشرح قصته.

أثناء الزلزال فقد صالح الذي كان يقيم في حي الرميلة بمدينة جبلة أمه وزوجته، وخسر منزله الذي استغرق تجهيزه ست سنوات. يعيش اليوم في مسكن مع أطفاله الثلاثة إلى جانب اثنين من أشقائه، خسرا منزليهما أيضاً. ولاحقاً حين أعلن عن التعويضات شعر صالح بظلم كبير، إذ لم تشمل منزله (أسهم زراعية) التعويضات ذاتها التي أقرت لأصحاب منازل الطابو الأخضر.

صنّفت الحكومة قبل سقوط نظام الأسد المتضررين من الزلزال وفقاً لثلاثة شرائح. الشريحة A، وتشمل العقارات المنظمة التي تهدّمت نتيجة الزلزال، وحدّدت تعويضها بـ160 مليون ليرة لكل طابق، إضافة إلى قرض 200 مليون ليرة لمدة 10 سنوات، معفى من الفوائد، على أن يبدأ التسديد بعد ثلاث سنوات من تاريخ منح القرض.

الشريحة B، وتشمل الأبنية غير المنظّمة التي تهدّمت نتيجة الزلزال، ويحصل فيها كل متضرر على 40 مليون ليرة من ثمن المنزل بعد الاكتتاب لدى الجهة المنفذة المحددة بالإسكان العسكري، إضافة إلى قرض قدره 160 مليون ليرة بالشروط ذاتها.

أما الشريحة C، فتشمل كل بناء هُدم بعد الزلزال بناءً على تقارير لجنة السلامة العامة، ويُعامل المتضرّرون بحسب نوع الطابو، سواء كان “طابو أسهم” أو “طابو أخضر”.

يصف صالح هذه التقسيمات بـ”الظالمة” ويقول متسائلاً “إذا كانت تكلفة بناء المنزل واحدة، فلماذا لا يكون التعويض واحداً؟. ولأنّه لا يملك خياراً آخر، اكتتب على منزل في مساكن قرّرت حكومة النظام سابقاً، تشييدها خلف المحكمة في حي النقعة بمدينة جبلة.

دخل اسم صالح القرعة التي تحدد الطابق ورقم المنزل. يقول “لا أتذكر رقم الطابق، لكنني أذكر أن رقم المنزل 26”. يتهم صالح القائمين على القرعة بـ”الفساد”، ويقول إنهم خصصوا أول خمسة طوابق لأقاربهم ومعارفهم وأجروا القرعة على الطوابق المتبقية.

لا يعرف إلى أي مرحلة وصلت عملية البناء، وما يقلقه هو سداد الدفعة الشهرية التي تصل إلى نحو مليون و333 ألف ليرة. بالنسبة لصالح، العامل في بيع الفحم، الرقم أكبر من قدرته. ويقول “لن أتمكّن من دفع الأقساط، فأنا أحار اليوم بتأمين طعام ولباس أولادي”. 

سمع صالح حديثاً يتناقله سكان مركز الإيواء، مفاده أن الأبراج التي يجري تجهيزها مُنحت بعد سقوط النظام لأشخاص من خارج المنطقة، وقال “خفت أن أسأل عن حقيقة الأمر، ولم أتجرأ على الوصول إلى المكان”. 

ندفع أقساط منزل لم نسكنه

كان رواد سليمان يتجّهز للزواج قبل الزلزال بأيام قليلة، وعندها تسلّم منزله من المتعهّد جاهزاً. المنزل الذي تهدّم في قرية اسطامو بريف اللاذقية “كان أثاثه ما يزال في الكراتين، كلّه دفن تحت الأنقاض” اليوم يدفع رواد أقساط منزل لا يعرف إن كان سيسكنه يوماً أو إذا ما كان سيبنى في الأساس أم لا.

يعيش اليوم  في منزل مسبق الصنع في مركز الإيواء قرب قريته. اضطر لشراء فرش جديد بمساعدة أهله، وأنجب هناك طفله الأول. رواد الذي كان يمتلك منزلاً بمساحة 90 متراً يعيش اليوم في منزل لا تتجاوز مساحته 60 متراً، يتكوّن من ثلاث غرف صغيرة ومطبخ بالكاد يتسع لشخصين. 

بحسب رواد، فإن أموال التعويضات حُولت إلى صاحب الأرض التي خُطط عليها العقار بعد أن وقع مع المالكين الآخرين على ورقة تسمح له باستلام الأموال، بهدف البدء بالبناء.

لم يتجاوز العمل وضع القاعدة والأساسات. بعدها وصلت للمستملكين أخبار أن الرجل يسحب الأموال. وحين واجهوه لم ينكر، وقال إنه يريد حفظها لأن الدولار في ارتفاع مستمر والليرة تفقد قيمتها، وكان ذلك قبيل سقوط النظام بعدة أشهر.

رفع بعض المستملكين شكوى بعد أن علموا أن صاحب الأرض سحب مبلغ 350 مليون ليرة، وعلى إثرها دخل السجن، ولم يخرج إلا ليلة سقوط النظام. بعد خروجه طالبوه بأموالهم، فأخبرهم أنّه لا يستطيع سحبها قبل إسقاط الدعوى لفك الحجز عنها في البنك. فاشترطوا عليه أن يكتب لهم سندات أمانة ليسقطوا حقهم، لكنه رفض.

راجع رواد وبعض أصحاب المنازل المحافظة في تشرين الأول الفائت، وشرحوا المشكلة، فنُصحوا بالاستمرار بالدعوى القضائية. وبعد فترة وجيزة زاروا المحافظة لمتابعة الأمر، فقيل لهم أيضاً “تابعوا بالدعوى”.

تواجه رواد اليوم مشكلة أخرى، إن رأى البناء النور يوماً، وهي أنّه لن يحصل على منزل بمساحة 90 متراً كما اشتراه، بل على شقة لا تتجاوز 70 متراً، بحسب ما أخبره صاحب الأرض، الذي برّر ذلك بأن البناء السابق كان مخالفاً، وأن إعادة الإعمار ستكون وفق نظام المخطط التنظيمي الجديد.

قصص رفاه وصالح ورواد تشبه ما تعيشه كثير من العائلات التي خسرت بيوتها في الزلزال وما زالت بلا حل واضح. وبحسب اللجنة العليا للإغاثة، فقد بلغ عدد الأسر المتضررة المسجلة (في مناطق سيطرة نظام الأسد) 91794 أسرة بعدد أفراد 414304، وعدد الأبنية غير الصالحة للسكن إلى 4444 مبنى، إضافة إلى 29 ألف مبنى بحاجة لتدعيم، و30 ألفاً بحاجة لصيانة، بينما هُدم 292 مبنى لأنه كان مهدداً بالسقوط. جميعهم ينتظرون أي جواب يعيد إليهم جزء من حقوقهم التي أجابت عنها المحافظة في ردّها “ما في شي حالياً”.

وبحسب إحصائيات منسقو الاستجابة في سوريا، فإن نحو 15 ألف مبنى في الشمال السوري تحتاج إلى تدعيم لتصبح آمنة، بينها أكثر من 5 آلاف منزل آيل للسقوط يجب هدمه لأنه غير آمن وغير قابل للترميم.

تؤكّد الحوادث أنّ الاستجابة لم تكن فورية عندما وقع الزلزال، ولم تأتِ لاحقاً بما يناسب حجم الدمار والخسارة والحدث خاصة في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة النظام، أما في بعض المناطق خارجها، حاولت منظمات مدنية سد جزء من الفراغ، كما في تجربة فريق ملهم التطوعي، الذي أنشأ مشاريع سكنية مؤقتة في إدلب وريف حلب. ورغم أنها أمنت سكناً لنحو 800 عائلة، لكنّها بقيت حلولاً جزئية لا تغطي الحاجة الهائلة.


“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة شبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى