المجتمع المدني السوري بين وهم الحيادية وحقيقة الانحياز
ليست المسألة ما إذا كان المجتمع المدني ينحاز، بل إلى ماذا ينحاز، وكيف، ومن يملك حق مساءلته؟

خلال سنوات الحرب والنزاع في سوريا، لم يعد المجتمع المدني فاعلاً هامشياً أو قطاعاً مكمّلاً للدولة، فقد تولت المنظمات والمبادرات المحلية أدواراً واسعة في الإغاثة، والتعليم، والحماية، والتوثيق، والمناصرة، وبناء السلام، ووصلت أحياناً إلى مجتمعات عجزت المؤسسات الرسمية والدولية عن الوصول إليها.
لكن هذا الحضور لم يكن يوماً منفصلاً عن السياسة أو عن موازين القوة، فالمنظمة التي تختار العمل في منطقة دون أخرى، أو تتبنى قضية بعينها، أو تستهدف فئة محددة، أو تستخدم مصطلحاً معيناً لوصف انتهاك ما، تتخذ قرارات تتجاوز البعد التقني الخالص. وحتى الامتناع عن اتخاذ موقف قد ينتج أثراً سياسياً ملموساً حين يترك الرواية للطرف الأقوى.
“الصمت ليس حياداً دائماً، ففي لحظات التمييز والانتهاك قد يتحول الامتناع عن الكلام إلى موقف ضمني يمنح الطرف الأقوى مساحة أوسع لفرض روايته وإقصاء أصوات المتضررين.”
لهذا تبدو صورة “المجتمع المدني المحايد” أقرب إلى وهم نظري منها إلى وصف واقعي. غير أن سقوط الحياد الكامل لا يبرر كل انحياز، ولا يساوي بين الانحياز إلى حقوق الإنسان والانحياز إلى السلطة أو الحزب أو الممول. القضية الحقيقية هي ما إذا كانت المؤسسة تمتلك مرجعية اخلاقية وقانونية ثابتة تطبقها على الجميع، أم تغير معاييرها تبعاً لهوية الفاعل والضحية ومصدر التمويل.
كتب الباحث وائل سواح، في دراسة أُعدت قبيل الثورة ونُشرت عام 2012، أن الروابط بين النشاطين المدني والسياسي “طبيعية وإلى حد ما حتمية”، لكن خلطهما في الممارسة اليومية عرّض المبادرات المدنية للضعف والتضييق. وتكشف هذه الملاحظة جوهر المعضلة: المجتمع المدني لا يستطيع الانفصال الكامل عن السياسة، لكنه يفقد استقلاله وحياديته الأخلاقية عندما يتحول إلى امتداد تنظيمي لها.
من الضبط الأهلي إلى الانفجار المدني بعد عام 2011
قبل عام 2011، لم تمنع الحكومة السورية النشاط الاجتماعي والخيري بالكامل، لكنها حصرته ضمن مساحات محددة لا تهدد احتكارها للحياة العامة. سُمح للجمعيات الخيرية والدينية بتقديم الخدمات، بينما ظل النشاط الحقوقي والسياسي المستقل عرضة للتضييق والملاحقة الأمنية.
وتوضح الباحثتان لورا رويث دي إلفيرا، المتخصصة في الجمعيات الخيرية والمجتمع المدني في سوريا، وتينا زنتل، الباحثة في السياسة والتنمية والأنظمة السلطوية، أن الحكومة قبل عام 2011 تراجعت تدريجياً عن بعض مسؤولياتها الاجتماعية، وسمحت لجمعيات محددة بتقديم الخدمات مكانها. لكنها أبقت هذه الجمعيات تحت رقابتها، خاصة في التسجيل والتمويل والإدارة، وفضّلت الجهات القريبة منها حتى لا تتحول إلى مؤسسات مستقلة ومؤثرة في الشأن العام. وقد وصف الباحث المتخصص في السياسة السورية ريموند هينبوش هذا النهج بأنه “خصخصة للرعاية الاجتماعية ضمن عملية تحديث سلطوية“.
لم يكن التمييز بين “المجتمع المدني” و”المجتمع الأهلي” لغوياً فحسب، فقد جرى التسامح مع العمل الخيري القائم على الروابط الدينية والعائلية ما دام بعيداً عن المطالبة بالحقوق والمساءلة، بينما عومل تنظيم المواطنين حول قضايا العدالة والحريات باعتباره تهديداً سياسياً مباشراً. وكشفت تجربة “ربيع دمشق” مدى ضيق المساحة المتاحة بين النشاط الاجتماعي غير المؤثر والعمل السياسي المحظور.
جاء عام 2011 ليكسر هذه البنية بصورة مفاجئة، فظهرت التنسيقيات والمجموعات الإعلامية والطبية والإغاثية والحقوقية، ثم المجالس المحلية والمنظمات الأكثر احترافاً. ولم ينشأ هذا القطاع من مسار مؤسسي هادئ، بل من قلب الانتفاضة والحصار والنزوح والانقسام، فجمع منذ البداية بين الاحتجاج والخدمة العامة والتوثيق والتنظيم المحلي.
في دراسة ميدانية شملت 94 منظمة في مناطق كانت خارجة عن سيطرة الحكومة، خلصت رنا خلف إلى أن انهيار مؤسسات الحكومة السورية آنذاك لم يعنِ غياب الحكم أو التنظيم، فقد أدت مجموعات مدنية ومجالس محلية وظائف عامة متعددة. لكنها لاحظت أيضاً أن منظمات كثيرة وصفت نفسها بأنها “غير سياسية”، بينما كان عملها سياسياً بوجوه متعددة.
لم يكن هذا التناقض مجرد ارتباك في التعريف، فقد اضطرت بعض المنظمات إلى إنكار الطابع السياسي لعملها من أجل حماية العاملين فيها، أو الوصول إلى التمويل، أو التعامل مع سلطات الأمر الواقع، بينما كانت أنشطتها في التعليم والتوثيق وتمكين النساء والمشاركة المجتمعية تعيد فعلياً تشكيل توزيع السلطة داخل المجتمع.
كما تحولت مجموعات تطوعية صغيرة إلى مؤسسات كبيرة بسرعة، من دون أن تنمو معها بالوتيرة نفسها نظم الإدارة والرقابة والحوكمة. ولهذا لا يمكن فصل هشاشة بعض المؤسسات الحالية عن ظروف نشأتها، فقد طُلب من قطاع ناشئ أن يدير استجابة إنسانية ضخمة، ويواجه سلطات مسلحة، ويتعامل مع مانحين دوليين، وأن يكون في الوقت نفسه مهنياً، وديمقراطياً، ومحايداً، وشفافاً.
الحياد الإنساني ووهم الحياد السياسي
ينبغي التمييز بين الحياد بوصفه مبدأً تشغيلياً في العمل الإنساني، وبين الحياد بوصفه ادعاءً عاماً يُطلب بموجبه من المجتمع المدني ألا يتخذ موقفاً من الظلم والتمييز وإساءة استخدام السلطة.
في المجال الإنساني، يساعد الحياد المنظمات على الوصول إلى المتضررين من دون التحول إلى طرف في الأعمال العدائية. وتوضح اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الحياد يعني عدم الانحياز إلى أطراف النزاع، لكنه لا يعني اللامبالاة بالمعاناة.
“الحياد الإنساني لا يعني اللامبالاة بالمعاناة، ولا يقتضي تجاهل أسبابها، بل يعني تقديم الحماية والمساعدة دون تمييز، مع الحفاظ على كرامة المتضررين وعدم تحويل آلامهم إلى أدوات للصراع.”
غير أن تطبيق الحياد في سوريا لم يكن منفصلاً عن علاقات القوة. فقد بيّن خوسيه سيرو مارتينيز وبرنت إنغ أن خطاب الحياد لا يصف تدخل المنظمات فقط، بل يؤثر أيضاً في الطريقة التي تفهم بها النزاع وتحدد ما يمكنها قوله وفعله. كما أن تفضيل بعض الجهات المانحة تمويل المنظمات التي تقدم نفسها بوصفها عاملة خارج المجال السياسي قد يحول الحياد من أداة لحماية الوصول الإنساني إلى إطار يفصل المعاناة عن أسبابها السياسية والهيكلية.
لكن المجتمع المدني أوسع من المنظمات الإنسانية الإغاثية، فالمنظمة الحقوقية لا تستطيع أن تكون محايدة بين التعذيب ورفضه، ومؤسسة بناء السلام لا يمكن أن تقف على مسافة واحدة بين خطاب الكراهية ومقاومته. وفي الوقت نفسه، لا يمنح الانحياز للمبادئ الإنسانية الحق في التحول إلى طرف حزبي.
“المهنية لا تعني غياب الموقف، بل تعني أن يكون موقف المؤسسة واضحاً ومبنياً على الأدلة، وأن تُطبّق معاييرها على الجميع دون انتقائية أو خضوع للولاءات السياسية.”
فالمنظمة الحقوقية مطالبة باستخدام المعيار نفسه مهما كانت هوية مرتكب الانتهاك، ومؤسسة السلام مطالبة بإدانة التحريض سواء صدر عن خصم أو حليف أو ممول. وهنا يظهر الفرق بين الاستقلالية والحياد: الاستقلالية لا تعني غياب الموقف، بل قدرة المؤسسة على صياغته وفق مرجعيتها وأدلتها، لا وفق رغبة السلطة أو الحزب أو المانح.
“الاستقلال لا يُختبر في القدرة على إدانة الخصوم، بل في شجاعة المؤسسة حين تضطر إلى انتقاد الحلفاء والجهات القريبة منها وتطبيق المبادئ نفسها عليهم.”
أما إصدار المواقف من دون تحقق، أو استخدام المصطلحات القانونية والسياسية بصورة انتقائية، فيضعف الثقة ويحوّل المؤسسة إلى طرف في الدعاية المتبادلة. فالمعيار ليس كثرة البيانات ولا حدتها، بل الاتساق في تطبيق المبادئ والقدرة على تصحيح الأخطاء.
حين يتحول الانحياز إلى بنية مؤسسية
تظهر أخطر الانحيازات عندما لا تبقى مجرد مواقف شخصية، بل تدخل في بنية المنظمة نفسها: في التوظيف، وتوزيع الموارد، واختيار المناطق، وتكوين مجلس الإدارة، وصياغة التقارير، والعلاقة مع السلطات والمانحين.
لا يُطلب من العاملين في المجتمع المدني أن يكونوا بلا آراء سياسية، لكن هناك فرقاً بين حق الموظف في امتلاك رأي شخصي، وبين استخدام المؤسسة ومواردها لتعزيز حزب أو سلطة أو تيار. وتبدأ المشكلة عندما تُمنح الوظائف والعقود بناءً على القرب السياسي أو الشخصي، أو عندما تتجنب المنظمة توثيق انتهاكات جهة حليفة، أو تستخدم خدماتها لتعزيز نفوذ طرف بعينه.
ويزداد الأمر تعقيداً عندما يجمع شخص بين موقع حكومي ومنصب قيادي في منظمة مدنية. هذا الجمع لا يعني تلقائياً وجود فساد، وقد يفتح أحياناً قناة لتبادل الخبرات، لكنه يثير أسئلة لا يمكن تركها لحسن النيات: هل يستطيع المسؤول المدني مراقبة سياسة شارك في وضعها؟ وهل تستطيع المؤسسة انتقاد الوزارة التي يعمل أحد قادتها فيها؟ وهل تحصل منظمته على معلومات أو فرص لا تتاح لغيرها؟
لا تُحل هذه الإشكالية بمنع التواصل بين القطاعين، بل بالإفصاح عن المواقع والمصالح، والامتناع عن المشاركة في القرارات المرتبطة بها، ومنع استخدام المعلومات غير المتاحة للعامة.
إلى جانب ذلك، تعاني منظمات كثيرة من شخصنة القرار، فقد تتغير هوية المؤسسة جذرياً مع تغير مديرها، فتنتقل من خطاب حقوقي إلى خدمي، أو من نقد السياسات إلى تجنبها، من دون مراجعة استراتيجية معلنة. ويعني ذلك أن المؤسسة لم تبنِ مرجعية مستقلة، بل بقيت امتداداً لقناعات قائدها وعلاقاته الشخصية.
المؤسسة لا تصبح مستقلة بمجرد تسجيلها رسميّاً، فالاستقلال يتطلب مجلس إدارة يمارس رقابة حقيقية، وسياسات تمنع تضارب المصالح، وإدارة مالية واضحة، ومساحة آمنة للعاملين والمستفيدين لتقديم الشكاوى. وإذا كان المدير يختار أعضاء المجلس ويحدد المعلومات التي تصل إليهم، يصبح المجلس غطاءً للسلطة التنفيذية لا جهة رقابية عليها.
ويظهر تناقض أخلاقي آخر عندما يتولى أشخاص شاركوا سابقاً في التحريض أو خطاب الكراهية مسؤوليات في برامج السلام والمصالحة. لا ينبغي إغلاق باب المراجعة أمام أحد، لكن الانتقال الصامت من التحريض إلى لغة الحقوق لا يكفي، فالمراجعة الحقيقية تقتضي الاعتراف بالمواقف السابقة، وعدم تبريرها، والاستعداد لتحمل المسؤولية الأخلاقية أمام المتضررين. وفي المقابل، يجب ألا تتحول المساءلة إلى تشهير أو تصفية حسابات، فالاتهامات تحتاج إلى أدلة قابلة للتحقق وإجراءات عادلة وحق واضح في الرد.
كما تتجلى الانحيازات في استخدام الهويات الطائفية والإثنية والمناطقية. من المشروع أن تنشأ منظمات للدفاع عن جماعات تعرضت للتمييز، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الهوية وسيلة للحصول على التمويل، أو عندما يُختزل الأفراد في انتماء واحد، وتُقدم المجتمعات السورية بوصفها كتلاً مغلقة تتنافس على الموارد.
وينطبق الأمر نفسه على التمثيل الشكلي للنساء والشباب والأقليات والأشخاص ذوي الإعاقة. فقد تظهر هذه الفئات في الاجتماعات والصور والتقارير، بينما يبقى القرار والموارد في يد مجموعة صغيرة نافذة.
“التنوع الحقيقي ليس حضور النساء والشباب والأقليات في الصور والتقارير، بل امتلاكهم سلطة فعلية في تحديد الأولويات وتوزيع الموارد وصنع القرارات ومساءلة القيادة.”
وقد خلصت دراسة خط أساس أوروبية حديثة إلى أن فجوات الشمول في المجتمع المدني السوري “هيكلية وليست عرضية”، وأن “الحضور لا يساوي التأثير” عندما لا ترافق المشاركةَ سلطةٌ فعلية في صنع القرار. فالتنوع الحقيقي لا يقاس بعدد الوجوه المختلفة، بل بقدرتها على الوصول إلى المعلومات والميزانيات والمواقع القيادية والاعتراض من داخل المؤسسة.
التمويل والحوكمة وأزمة الشرعية
أصبحت المنظمات السورية أكثر احترافاً منذ عام 2011، لكن هذا الاحتراف لم يكن دائماً مرادفاً للاستقلال أو المؤسسية. فقد أدى التمويل الدولي إلى تطوير أنظمة المحاسبة وإدارة المشاريع والمتابعة والتقييم، لكنه رسخ أيضاً نموذجاً قصير الأجل يربط بقاء المؤسسة بدورات المنح.
خلص مسح أصدرته منظمة IMPACT عام 2019 إلى وجود “اعتماد مرتفع على تمويل قصير الأجل قائم على المشاريع”، مع ضعف الرؤية بعيدة المدى واستمرار الاعتماد على المتعاقدين والمتطوعين.
لا يعني ذلك أن التمويل الخارجي سيئ بالضرورة، فمن دونه لم تكن مؤسسات سورية كثيرة قادرة على إنقاذ الأرواح أو توثيق الانتهاكات أو تقديم التعليم والحماية. لكن التمويل ليس مجرد مورد مالي منفصل عن مضمون العمل.
“التمويل لا يأتي بلا أولويات، فهو لا يحدد حجم المشروع ومدته فقط، بل قد يؤثر في القضايا التي تختارها المنظمة، والمناطق التي تستهدفها، واللغة التي تستخدمها في وصف الواقع.”
وكلما اعتمدت المنظمة على ممول واحد، ضعفت قدرتها على رفض شروطه أو نقد سياساته. وقد يبدأ الأمر بتعديل المصطلحات في مقترح المشروع، ثم ينتهي بإعادة تعريف الأولويات، بحيث لا تسأل المؤسسة: ما حاجة المجتمع؟ بل: ما الموضوع القابل للتمويل هذا العام؟
وتؤكد دراسة خارطة طريق أوروبية للمجتمع المدني في سوريا، صدرت عام 2026، استمرار “المنافسة المدفوعة بالمانحين” وهشاشة التمويل طويل الأجل. كما وجدت أن شروط التسجيل والخبرة السابقة وحجم الموازنات تميل إلى تفضيل المنظمات الأكبر، بينما تُحصر المؤسسات الأصغر في التنفيذ. وقد لخص أحد المشاركين هذه العلاقة بقوله: “نُدعى إلى التنفيذ، لا إلى التصميم”.
تكشف هذه العبارة أن خطاب “التوطين” قد يبقى شكلياً إذا احتفظت الجهة الدولية بسلطة تحديد المشروع والميزانية، ثم استخدمت الشريك المحلي للوصول إلى المجتمع فقط. فالمشاركة المتكافئة لا تعني تكليف المنظمة المحلية بتنفيذ نشاط صممه آخرون، بل إشراكها في تحديد الاحتياجات وصياغة البرامج وتوزيع الموارد وتقييم النتائج.
“الوصول إلى المجتمع لا يعني تمثيله، فقد تنفذ المنظمة عشرات الأنشطة وتصل إلى آلاف المستفيدين، من دون أن تمنحهم دوراً حقيقياً في تحديد الأولويات أو تصميم البرامج أو تقييم نتائجها.”
كما يؤثر التمويل في العلاقة بين العمل الإنساني والعمل الحقوقي. فقد قاد تدفق الموارد نحو الإغاثة والخدمات عدداً من المنظمات إلى التركيز على معالجة آثار الأزمة، بينما بقيت قضايا العدالة والمساءلة والإصلاح المؤسسي أقل تمويلاً وأكثر حساسية.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته “الفخ الإنساني”: أن تصبح المؤسسة موزع خدمات ناجحاً، لكنها تفقد القدرة على مناقشة السياسات التي تنتج الفقر والإقصاء والاحتياج.
“الخدمة لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحقوق، فتقديم المساعدات يعالج الاحتياجات المباشرة، لكنه لا يغني عن مواجهة السياسات والاختلالات التي تنتج الفقر والتهميش والتمييز.”
فالناس يحتاجون إلى الغذاء والدواء والتعليم، كما يحتاجون إلى العدالة والمشاركة والقدرة على الاعتراض. والمشكلة ليست في تقديم الخدمة، بل في تحويلها إلى بديل عن الحقوق أو وسيلة لاكتساب النفوذ السياسي والاجتماعي.
ولا تقاس شرعية المؤسسة بعدد المشاريع أو المستفيدين وحدهم، فقد تعرف المجتمعات اسم المنظمة وتستفيد من خدماتها، من دون أن تكون شريكة في قراراتها. وأظهرت الدراسة الأوروبية أن أقل من نصف المستجيبين شعروا بأن أصواتهم تصل إلى عملية صنع القرار، رغم معرفة أغلبية واسعة بالمنظمات وتفاعلها مع أنشطتها.
من هنا تأتي أهمية الحوكمة، لا بوصفها وثائق مكتوبة لإرضاء الممول، بل بوصفها ممارسة يومية تظهر في اختيار الإدارة، وتحديد الرواتب، ومنح العقود، وإدارة الشكاوى، والإعلان عن الأخطاء.
“الشفافية التي تطالب بها منظمات المجتمع المدني مؤسسات الحكومة يجب أن تبدأ من داخلها، في مصادر التمويل، واختيار القيادات، وتوزيع الموارد، وإدارة الشكاوى وتضارب المصالح.”
فالمنظمة التي تطالب الحكومة بالشفافية، بينما ترفض الإفصاح عن هيكلها الإداري ومصادر تمويلها وآليات اتخاذ القرار، تضعف حجتها الأخلاقية. ولا يعني الإفصاح نشر بيانات المستفيدين أو المعلومات التي تعرض العاملين للخطر، بل توفير ما يكفي لفهم من يملك القرار، ومن يمول المؤسسة، وكيف توزع مواردها، وكيف يمكن الاعتراض عليها.
المجتمع المدني في المرحلة الانتقالية: مساحة أوسع أم احتواء جديد؟
أعادت التحولات التي بدأت أواخر عام 2024 فتح النقاش حول موقع المجتمع المدني في سوريا. فقد توسعت إمكانات الحركة والتعبير نسبياً، لكن اتساع المساحة التشغيلية لا يعني بالضرورة انتقال العلاقة مع السلطة إلى شراكة حقيقية.
اعتمد تقرير لمعهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، صدر في نوفمبر 2025، على ثلاثين مقابلة مع فاعلين مدنيين داخل سوريا وفي الشتات، إلى جانب تحليل قانوني وبحث مكتبي. وأفاد المشاركون بوجود هامش أوسع للتعبير والعمل، لكنهم اشتكوا من شروط التسجيل ومن تهميش المجتمع المدني في عدد من المسارات السياسية، وحصر بعض ممثليه في “أدوار زخرفية” بدلاً من معاملتهم شركاء في صياغة المرحلة الانتقالية.
تعكس هذه النتائج مفارقة أساسية: قد تسمح السلطة للمنظمات بتنفيذ المشاريع وتقديم الخدمات، لكنها لا تمنحها القدرة على مراقبة السياسات أو التأثير فيها. ويصبح المجتمع المدني مقبولاً عندما يؤدي وظيفة خدمية، ومثيراً للقلق عندما يطالب بالمشاركة أو المحاسبة.
ولا يقتصر الخطر على السلطة وحدها، فقد انقسمت المؤسسات المدنية في طريقة التعامل مع الواقع الجديد، بين تعاون وثيق ينطلق من الرغبة في دعم الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات، وموقف شديد النقد يخشى إعادة إنتاج السلطوية. كلا الموقفين قابل للفهم، لكنهما يصبحان إشكاليين عندما يتحول التعاون إلى تبرير دائم، أو تتحول المعارضة إلى رفض تلقائي لكل قرار.
فلا توجد علاقة صحية مع الحكومة تقوم على التبعية، كما لا توجد علاقة منتجة تقوم على العداء الدائم. المطلوب هو التعاون عندما توجد مصلحة عامة، والانتقاد عندما تقع الأخطاء، والامتناع عن التعاون عندما يُطلب من المؤسسة ممارسة التمييز أو إخفاء المعلومات أو انتهاك مبادئها.
وتظل البيئة القانونية عاملاً حاسماً، فقد استمر قانون الجمعيات رقم 93 لعام 1958 حاضراً في تنظيم النشاط المدني حتى المرحلة الانتقالية، وبرز مجدداً في توجيهات رسمية صدرت عام 2025 تتعلق بالموافقات على العلاقات والتمويل الخارجي. ويمنح القانون الإدارة صلاحيات واسعة في التسجيل والإشراف والتدخل، ما دفع مجموعة من المنظمات السورية إلى المطالبة بتعليق أحكامه المقيدة إلى حين إصدار قانون جديد.
غير أن إصلاح القانون وحده لا يكفي، فمن السهل إلقاء مسؤولية الأزمة كاملة على السلطة، مع تجاهل الخلل داخل المؤسسات نفسها. فالقانون المستبد يضيّق المجال العام، لكن المدير المستبد يستطيع أيضاً إفراغ منظمة مسجلة في أكثر القوانين تحرراً من معناها.
لذلك يحتاج أي إطار قانوني جديد إلى حماية حرية التأسيس والعمل والنقد، وإخضاع قرارات الرفض أو الحل لقضاء مستقل، وفي الوقت نفسه إلزام المؤسسات بالإفصاح المالي وحماية العاملين والمستفيدين وإدارة تضارب المصالح.
البديل: استقلال معلن وانحياز إلى المبادئ
لا يحتاج المجتمع المدني السوري إلى الادعاء بأنه بلا موقف، بل إلى إعلان مرجعيته والقدرة على شرح قراراته والدفاع عنها وتعديلها عندما يثبت خطؤها.
يمكن لمنظمة أن تنحاز إلى حقوق الضحايا والعدالة والمساواة، من دون أن تصبح تابعة لحزب أو سلطة. ويمكنها أن تتعامل مع المؤسسات الحكومية من دون أن تتخلى عن حق مراقبتها وانتقادها. كما يمكنها قبول التمويل الخارجي، شرط ألا يسمح مصدر المال بإعادة تعريف رسالتها أو إسكاتها.
الانحياز المشروع هو الذي يستند إلى قاعدة عامة تُطبق على الجميع. فالمنظمة التي ترفض الاعتقال التعسفي يجب أن ترفضه بصرف النظر عن هوية من يمارسه، والتي تدافع عن جماعة تعرضت للتحريض يجب ألا تصمت عندما يصدر التحريض من شخصيات محسوبة على الجماعة نفسها.
أما الانحياز غير المشروع فهو الذي تتغير معه المعايير بتغير الفاعل: يُضخم خطأ الخصم، ويخفف خطأ الحليف، وتُمنح الموارد للأقرب سياسياً أو شخصياً، ثم تُقدم هذه الاختيارات باعتبارها قرارات مهنية محايدة.
ويظهر الاختبار العملي في عدد من الأسئلة:
- هل تستطيع المؤسسة انتقاد الجهة الأقرب إليها؟
- هل تعلن مصادر تمويلها بوضوح؟
- هل يستطيع العامل أو المستفيد تقديم شكوى ضد مسؤول نافذ؟
- وهل يبقى خطابها ثابتاً عندما تتغير الإدارة أو الجهة الممولة؟
ولا ينبغي أن تكون السلطة التنفيذية الجهة الوحيدة التي تراقب المجتمع المدني، كما لا يجوز ترك الرقابة للمانحين وحدهم. المطلوب نظام موزع للمساءلة يشمل القضاء والمدققين ومجالس الإدارة والعاملين والمستفيدين والإعلام والباحثين، على أن يقوم على معايير معلنة لا على حملات الاتهام والتشهير.
كما تتطلب الاستقلالية إعادة بناء العلاقة مع المجتمعات المحلية، فالمنظمة لا تستمد شرعيتها من الاعتراف الدولي أو عدد المشاريع والموظفين فقط، بل من قدرتها على الاستماع إلى الناس، ومتابعة ملاحظاتهم، وتفسير قراراتها لهم، وإشراكهم في تحديد ما يمس حياتهم.
من وهم الحياد إلى شجاعة المراجعة
تكشف مراجعة المسار الممتد من مرحلة ما قبل عام 2011 إلى المرحلة الانتقالية الراهنة أن مشكلات المجتمع المدني السوري تغيرت في الشكل، لكنها احتفظت بجوهر واحد: الصراع على استقلال المجال العام.
قبل الثورة، سمحت الحكومة بنشاط اجتماعي مضبوط، ومنعت التنظيم المستقل القادر على المطالبة بالحقوق. وبعد عام 2011، انفجر النشاط المدني وملأ فراغات كبرى في الخدمات والتوثيق والحكم المحلي، لكنه أصبح عرضة لسلطات الأمر الواقع، والتمويل قصير الأجل، والتشظي السياسي والجغرافي. وفي المرحلة الانتقالية، ظهرت فرص جديدة للعمل، لكن بقي خطر تحويل المجتمع المدني إلى منفذ خدمات أو واجهة استشارية لا تمتلك تأثيراً حقيقياً.
لا يمكن معالجة هذه التناقضات باستعادة شعار الحياد، فالحياد الكامل غير موجود، والاختيارات المدنية تحمل دائماً قيماً وآثاراً سياسية. لكن الاعتراف بذلك لا يمنح المنظمة رخصة للانتقائية أو التبعية. هناك فرق بين الانحياز إلى العدالة والانحياز إلى صاحب السلطة، وبين حماية الضحية واستخدام معاناتها، وبين احترام الهويات وتحويلها إلى أبواب للتمويل، وبين الشراكة مع الحكومة والاندماج في أجهزتها.
المجتمع المدني السوري ليس كتلة واحدة، فيه مبادرات شجاعة حافظت على ارتباطها بالناس، ومؤسسات دفعت أثماناً كبيرة دفاعاً عن الحقوق، كما توجد فيه منظمات تعاني من شخصنة القرار وضعف الحوكمة والتمثيل الشكلي والتبعية للتمويل. والاعتراف بهذه التناقضات ليس تشويهاً لهذا القطاع، بل محاولة لحمايته من أن يصبح غطاءً جديداً للسلطة أو المال أو الحزب.
ما يحتاجه المجتمع المدني السوري اليوم هو لحظة صدق لا تكتفي بانتقاد الحكومة والمانحين، بل تراجع بنيته وماضيه وخطابه. فلا يمكن المطالبة بدولة خاضعة للمساءلة عبر مؤسسات ترفض المساءلة، ولا الدفاع عن المشاركة داخل منظمات تحتكر قياداتها القرار، ولا مواجهة خطاب الكراهية من دون مراجعة من شاركوا فيه سابقاً.
البديل عن الحياد المزعوم ليس الانحياز الأعمى، بل استقلال واضح، وانحياز معلن إلى الحقوق، واتساق في تطبيق المعايير، وشفافية في العلاقات والتمويل، ومساءلة تبدأ من داخل المؤسسة قبل أن تطالب بها الحكومة والمجتمع.




