العدالة الانتقالية في سوريا.. حين نطق القضاء باسم المجرمين
محاكمة رموز حقبة بشار الأسد

نطق القضاء السوري بكلمته: الإعدام لبشار الأسد وشقيقه ماهر غيابيًا، ولعاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي الأسبق في درعا حضوريًا، ولسبعة آخرين من كبار رجال النظام السابق الفارّين. لم يكن الحكم مجرد حلقة في مسار قضائي طويل، بل محطة حملت في ثناياها انتظار أمة أنهكتها سنون الجور، وأشارت إلى دولة تحاول أن تقول لمن ظلم: هذه المرة لن تفلت.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه أبعد من لحظة الحكم: هل هذا هو غاية العدالة، أم مجرد الخطوة الأولى في طريق طويل وشاق؟ وما الذي يعنيه هذا القرار لسوريين لا يزالون ينتظرون الحقيقة كاملة، ويبحثون عن دولة مؤسسات لا عن أحكام تُصدَر ثم تُنسى؟
درعا التي لم تنسَ
في آذار 2011، كانت درعا قِبلة الانتفاضة، وكان عاطف نجيب وجه القمع فيها. أمر باعتقال خمسة عشر طفلاً من طلاب المدارس بتهمة كتابة شعارات على جدران حيّهم، في حادثة تحوّلت لاحقًا إلى الشرارة التي أشعلت الثورة السورية. لم يكن هؤلاء الأطفال يدركون أن الكتابة على جدار قد تقودهم إلى زنازين الأمن، ولم يكن أحد يتخيّل يومها أن رأس ذلك الجهاز سيقف يومًا أمام قضاة سوريين يستمع إلى حكمه.
بعد أكثر من خمسة عشر عامًا، تحقق ذلك المشهد: نجيب يمثل حضوريًا أمام هيئة قضائية سورية، بأدلة وشهود، في محاكمة علنية لم تشهد سوريا لها نظيرًا منذ عقود. أما بشار وماهر الأسد فقد صدر الحكم بحقهما غيابيًا، إذ لا يزالان مقيمَين في روسيا، بعيدًا عن متناول القضاء السوري راهنًا.
ومع ذلك، فإن القيمة الرمزية لهذا الحكم لا تقل عن قيمته القانونية. فهي المرة الأولى التي يسقط فيها مبدأ الحصانة الفعلية عن رمز من رموز النظام، وتتصدّع فيها هالة القداسة التي أحاطت بعائلة الأسد طوال عقود. لقد بات بالإمكان القول، ولو بحذر، إن عدالة سوريا الجديدة بدأت تختبر نفسها في أن لا تستثني أحدًا.
فرح لا يخلو من وجع
في شوارع دمشق وحمص وحلب، وفي قرى درعا وإدلب، تناقل الناس خبر الحكم بفرح عارم، غير أن هذا الفرح لم يخلُ من ألم دفين. فكل عائلة سورية تقريبًا تحمل جرحًا لم يندمل: أب فقد ابنه في السجون، أم لا تزال تنتظر خبرًا عن ابنها المفقود منذ سنوات، طفل نشأ يتيمًا بفعل القصف. الحكم أعاد فتح هذه الذاكرة الجماعية بقدر ما أعطاها شيئًا من الإنصاف.
وهذه الازدواجية تعكس مزاجًا عامًا لدى كثير من السوريين: هم يريدون إنصافًا حقيقيًا، لكنهم يريدون أيضًا دولة تعيد بناء الثقة معهم بالفعل لا بالشعار. والثقة لا تُبنى بأحكام الإعدام وحدها، بل بمساءلة كل من تورّط في الفساد والقتل، وبكشف مصير آلاف المفقودين، وبإصلاح جذري للمؤسسات التي حوّلها النظام السابق إلى أدوات قمع بدل أن تكون أدوات حماية.
طموح العدالة الانتقالية وحدود الإمكان
يشكّل هذا الحكم أول اختبار جاد لمسار العدالة الانتقالية في سوريا. والعدالة الانتقالية، بحسب تعريفها المتعارف عليه، ليست حزمة محاكمات فحسب، بل منظومة متكاملة تقوم على كشف الحقيقة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، والمصالحة الوطنية مجتمعة، لا كلٌّ على حدة.
ومن هذا المنطلق تُطرح ثلاثة أسئلة جوهرية لا تقلّل من قيمة الحكم بقدر ما ترسم حدود التحدي المقبل. أول هذه الأسئلة يتعلق بنطاق المحاسبة: هل ستقتصر المحاكمات على رموز الصف الأول، أم ستمتد لتشمل الحلقة الوسطى التي نفّذت الانتهاكات يوميًا في السجون والحواجز؟ فالنظام السابق لم يكن فردًا أو عائلة فحسب، بل منظومة متكاملة من الأمنيين والعسكريين والإداريين، ومحاسبة القمة وحدها قد تترك انطباعًا بعدالة انتقائية.
والسؤال الثاني يتعلق بإمكانية التنفيذ: كيف يمكن تفعيل حكم صادر بحق هاربين تحتضنهما روسيا، وهي دولة لا تربطها بسوريا اتفاقية لتسليم المجرمين؟ يبقى تنفيذ الحكم، عمليًا، رهينة تحولات سياسية ودبلوماسية أوسع من قاعة المحكمة نفسها.
أما السؤال الثالث فيخص الأموال المنهوبة على مدى عقود، والتي استثمرها النظام وحاشيته في الخارج. فهل ستتمكن الدولة الجديدة من ملاحقتها واستردادها؟ أم أن الإفلات المالي سيبقى الوجه الآخر، الأقل ضجيجًا، للإفلات من العقاب؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية ما جرى، لكنها تحدد بدقة المسافة الفاصلة بين حكم قضائي رمزي وعدالة انتقالية مكتملة الأركان.
أثر الحكم في العلاقة بين الدولة والمواطن
ربما يكون الأثر الأعمق لهذا الحكم في إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة. فالسوري الذي عاش عقودًا تحت وطأة الخوف من الأجهزة الأمنية، والذي اعتاد أن يرى في القانون أداة بيد الحاكم لا حماية للضعيف، بدأ يلمس تحوّلًا: محاكمات علنية، أدلة تُعرض، شهود يُستمع إليهم دون حجب. ممارسات غابت عن سوريا لعقود طويلة، وعودتها، ولو متأخرة، تمنح المواطن إحساسًا بأن القضاء بدأ يستقل فعلًا عن السلطة، وأن المحاسبة تتحول من شعار إلى ممارسة.
غير أن الثقة سلعة غالية الثمن، ولا تُشترى بحكم واحد مهما كان مدويًا. فالمواطن الذي صفّق للحكم اليوم سينتظر غدًا أن يرى أثره في حياته اليومية: في نزاهة الموظف، وفي سرعة إنجاز معاملته، وفي شعوره بأن القانون يحميه لا يُستخدم ضده. وإلا تحوّلت العدالة، مهما بلغت رمزيتها، إلى واجهة لا تخفي تشققات الماضي.
أول الغيث.. وما بعده
مهما اختلفت الآراء حول تفاصيل الحكم وإمكانيات تنفيذه، فإنه يبقى محطة فارقة في مسار سوريا نحو دولة القانون، وإشارة إلى قطيعة مبدئية مع إرث الإفلات من العقاب الذي طبع المنطقة طويلًا. لكن الطريق أمام العدالة الانتقالية الحقيقية لا يزال طويلًا، ويحتاج إلى قوانين واضحة تحدد آليات المحاسبة وتحمي في الوقت نفسه حقوق المتهمين والضحايا على حد سواء، وإلى هيئات وطنية مستقلة تتولى توثيق الانتهاكات وكشف مصير المفقودين بعيدًا عن أي توظيف سياسي، وإلى إصلاح مؤسسي فعلي يمنع عودة أساليب القمع القديمة تحت أي مسمى جديد، وإلى مشاركة مجتمعية واسعة تتيح للسوريين أن يكونوا شركاء في صياغة عدالتهم لا متفرجين عليها.
سوريا التي خرجت من تحت أنقاض الحرب، وأنهكها الفساد والقمع طويلًا، تستحق أكثر من لحظة فرح عابرة. تستحق دولة تقوم على القانون لا على الغلبة، وعدالة لا تنتقي ضحاياها بحسب موقعهم أو انتمائهم. “أول الغيث قطرة”، وهذه القطرة التي سقطت بين درعا ودمشق قد تكون بداية مسار طويل، إن أحسنت الدولة الجديدة استثماره، لإعادة بناء الثقة بين السوريين وبين مؤسسات بلادهم.




