صوتها حر… مساحتها آمنة
جلسة حوارية تناقش العنف الرقمي ضد الصحفيات في سوريا وتضع أسساً لتطوير سياسات الحماية
في ظل التوسع المتسارع للفضاء الرقمي، بات العنف القائم على النوع الاجتماعي يتخذ أشكالاً جديدة تتجاوز حدود الواقع إلى المنصات الإلكترونية، حيث تواجه الصحفيات والناشطات حملات تحريض وتشويه وابتزاز وتهديد تستهدفهن بسبب عملهن أو آرائهن. ولم يعد العنف الرقمي مجرد إساءة عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل تحول إلى أحد أبرز التحديات التي تهدد حرية العمل الصحفي، وتنعكس بآثار نفسية ومهنية واجتماعية قد تدفع كثيرات إلى الانسحاب من المجال العام.
وانطلاقاً من الحاجة إلى تعزيز بيئة إعلامية أكثر أماناً، نظّمت وكالة الصحافة السورية، بالتعاون مع مؤسسة دويتشه فيله (DW) ومؤسسة اليوم التالي، جلسة حوارية بعنوان “صوتها حر… مساحتها آمنة”، جمعت ممثلين عن مؤسسات حكومية ونقابية، وخبراء قانونيين، ومنظمات مجتمع مدني، إلى جانب صحفيات وإعلاميين، لمناقشة واقع العنف الرقمي ضد الصحفيات في سوريا، والتحديات القانونية والمجتمعية المرتبطة به، وسبل تطوير سياسات أكثر فاعلية للحماية.
قصور تشريعي يحد من الحماية القانونية
اتفق المشاركون على أن ضعف المنظومة التشريعية يشكل أحد أبرز أسباب استمرار الانتهاكات الرقمية بحق الصحفيات. ووصف مروان هارون، من المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، قانون العقوبات السوري بأنه “قديم وعام”، معتبراً أن قانون الجرائم الإلكترونية بصيغته الحالية لا يواكب التطور المتسارع في أساليب الابتزاز والتهديد الرقمي.
من جهته، أوضح علي الدالاتي، المسؤول عن الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام، أن غياب قانون إعلام عصري وواضح دفع المؤسسات إلى الاعتماد على تشريعات لا تلبي احتياجات الواقع الإعلامي الحالي، مؤكداً أن مرحلة ما بعد التحرير أظهرت حاجة ملحّة إلى تطوير بيئة قانونية أكثر قدرة على حماية الإعلاميين وتنظيم عمل المؤسسات الإعلامية.

وصمة اجتماعية تضاعف حجم الانتهاكات
ولم تتوقف النقاشات عند الجانب القانوني، بل تناولت أيضاً التحديات الاجتماعية التي تواجه الصحفيات، إذ أشارت الصحفية دعاء المحمد، من شبكة الصحفيات السوريات، إلى أن كثيراً من النساء الناشطات يتعرضن لحملات استهداف ممنهجة، بينما تُبرَّر الاعتداءات بحقهن بحجة طبيعة عملهن أو ظهورهن في المجال العام، الأمر الذي يحوّل الضحية إلى موضع اتهام، ويعمّق الآثار النفسية والاجتماعية للعنف الرقمي.
العنف الرقمي… آثار تتجاوز الشاشة
واستعرضت الصحفية أحلام طبرة تجربتها الشخصية مع العنف الرقمي، مؤكدة أن تأثير هذه الانتهاكات لا يقتصر على الفضاء الإلكتروني، بل يمتد إلى الأسرة والحياة اليومية، ويؤثر بصورة مباشرة على الاستقرار النفسي والمهني للصحفية.
وفي السياق ذاته، شددت الصحفية سلام الأحمد، من مؤسسة بدائل، على أن النساء يتحملن آثاراً مضاعفة مقارنة بزملائهن الرجال، داعية إلى أن تراعي التشريعات المستقبلية حجم الضرر النفسي والاجتماعي والمهني الواقع على الضحايا، لا أن تكتفي بالنظر إلى الفعل القانوني المجرد.
فجوة في الحماية الرقمية وآليات التوثيق
كما ناقش المشاركون محدودية المعرفة بأدوات الأمن الرقمي لدى كثير من الصحفيات، الأمر الذي ينعكس على قدرتهن في توثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة الرقمية.
وأوضحت نادين طه، من مؤسسة اليوم التالي، أن صعوبة التوثيق تتفاقم مع انتشار صفحات وحسابات مجهولة المصدر، يصعب تحديد المسؤولين عنها أو ملاحقتهم قانونياً.
وأشار عدد من المشاركين إلى غياب آليات فعالة للإبلاغ عن الانتهاكات الرقمية، مؤكدين أن ضعف إجراءات التوثيق يضعف فرص الضحايا في الوصول إلى العدالة، ويمنح مرتكبي الانتهاكات مساحة أكبر للإفلات من المساءلة.

منظمات المجتمع المدني… استجابات ضرورية
وتطرقت الجلسة إلى أهمية المبادرات المجتمعية في مواجهة العنف الرقمي، حيث استعرض المشاركون تجارب عدد من المنظمات التي تعمل على تغيير السلوك المجتمعي وتعزيز ثقافة احترام حقوق المرأة، من خلال برامج تدريبية وحملات توعية تستهدف مختلف فئات المجتمع.
كما أشاد المتحدثون بالدور الذي تؤديه بعض المنظمات في تقديم استجابات عاجلة للصحفيات المعرضات للتهديد، مؤكدين أن سرعة التدخل والدعم القانوني والنفسي تشكل عنصراً أساسياً في الحد من آثار الانتهاكات الرقمية.
نحو سياسات أكثر فاعلية لحماية الصحفيات
واختتمت الجلسة بجملة من المقترحات التي ركزت على ضرورة تحديث التشريعات المتعلقة بالإعلام والجرائم الإلكترونية، وتعزيز آليات التبليغ والتوثيق، وتوفير خدمات الدعم النفسي والقانوني للضحايا، إلى جانب دمج سياسات حماية الصحفيات ضمن الأنظمة الداخلية للمؤسسات الإعلامية.
وتأتي هذه الجلسة ضمن مسار عمل يهدف إلى إعداد ورقة سياسات وتوصيات عملية بالشراكة بين الجهات المشاركة، بما يسهم في تطوير منظومة حماية أكثر فاعلية للصحفيات، والحد من العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي، وتعزيز بيئة إعلامية آمنة تضمن للصحفيات ممارسة عملهن بحرية، بعيداً عن التهديد أو الترهيب أو التمييز.





