بين تجربة محمد العمر وإقالة حمزة المصطفى: قراءة في وزارة لم تنصف إعلاميي الثورة
قراءة في وزارة لم تنصف إعلاميي الثورة

في التاسع من أيار/مايو 2026، صدر المرسوم الرئاسي بإعفاء حمزة المصطفى من وزارة الإعلام، وتكليف الدكتور خالد فواز زعرور خلفاً له. قد يبدو الأمر للبعض تغييراً إدارياً عادياً، لكنه بالنسبة لكثير من الإعلاميين السوريين يحمل دلالة أعمق: اعترافاً متأخراً بأن وزارة الإعلام لم تكن، في المرحلة الماضية، في المكان الذي يليق بتضحيات السوريين ولا برجال ونساء حملوا الكاميرا والكلمة في أصعب السنوات.
لم تكن المشكلة في اسم الوزير فقط، بل في الطريقة التي أُدير بها القطاع، وفي الشعور الواسع بأن الوزارة ابتعدت عن أهل المهنة، واقتربت من منطق الولاءات والحسابات الضيقة، على حساب الكفاءة والخبرة والتضحيات.
محمد العمر… صفحة لا يمكن تجاوزها
قبل الحديث عن حمزة المصطفى، من الضروري تصحيح رواية يتم تكرارها أحياناً وكأن الوزارة بدأت معه. الحقيقة أن السيد محمد يعقوب العمر كان قد تولى وزارة الإعلام في حكومة تصريف الأعمال، في مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد.
خلال فترة قصيرة، لم تتجاوز بضعة أشهر، ترك العمر أثراً واضحاً. فتح أبواباً كانت مغلقة أمام الصحافة الأجنبية، وحاول تنظيم العمل الإعلامي بهدوء وبأقل قدر ممكن من الضجيج والاستعراض. والأهم من ذلك أنه أول من رفع علم الثورة، علم البلاد الحالي، فوق مبنى وزارة الإعلام في إدلب، في لحظة لم تكن رمزية فقط، بل كانت موقفاً سياسياً وأخلاقياً شجاعاً.
ما فعله محمد العمر لم يكن تفصيلاً عابراً. كان محاولة لتأسيس وزارة قريبة من معنى الثورة ومن ذاكرة الناس وتضحياتهم. ولذلك يستحق الرجل أن يُذكر بإنصاف واحترام، لا أن يُمحى اسمه من الرواية كأن شيئاً لم يكن.
من شاشة التلفزيون إلى الوزارة…
أسئلة لم تجد إجابات مقنعة
بعد تلك المرحلة، جاء حمزة المصطفى إلى وزارة الإعلام حاملاً معه تجربة مرتبطة بـ“تلفزيون سوريا”. ومنذ البداية، طُرحت أسئلة مشروعة بين الإعلاميين: هل سيكون وزيراً لكل السوريين؟ هل سيفتح الوزارة أمام أصحاب الخبرة والتضحيات؟ أم ستتحول المؤسسة إلى امتداد لعلاقات سابقة وحسابات ضيقة؟
للأسف، لم تُبدد التجربة تلك المخاوف. بل شعر كثيرون أن الوزارة ابتعدت عن روح المؤسسة العامة، واقتربت من منطق الدوائر المغلقة. بدلاً من أن تكون بيتاً للإعلاميين السوريين، بدت في أحيان كثيرة وكأنها مساحة محكومة بالمعارف والولاءات، لا بالكفاءة المهنية.
حتى الظهور الإعلامي للوزير، ولا سيما في مقابلته مع الرئيس أحمد الشرع، ترك انطباعاً سلبياً لدى شريحة واسعة من المتابعين، ليس فقط بسبب ضعف الإعداد، بل لأنه عكس صورة مرتبكة عن إدارة الإعلام الرسمي في لحظة كان السوريون ينتظرون فيها خطاباً أكثر مهنية وثقة ومسؤولية.
إعلاميو_الثورة… الغائبون الحاضرون
الجرح الأعمق في هذه التجربة كان شعور إعلاميي الثورة بالتهميش. هؤلاء الذين وقفوا في الميدان، ووثقوا جرائم الحرب خلال سني الثورة السورية المباركة وخاطروا بحياتهم كي لا تضيع الحقيقة، وجد كثير منهم أنفسهم خارج الحسابات.
بدلاً من أن تكون الوزارة مساحة لاحتضان خبراتهم، بدا أنها فتحت أبوابها أكثر أمام أسماء صعدت على منصات التواصل، لا بالضرورة عبر العمل الصحفي الجاد أو الخبرة الميدانية. وهنا لم يكن الاعتراض على حضور المؤثرين بحد ذاته، بل على اختلال المعايير: حين يصبح القرب من الوزير أهم من السيرة المهنية، وحين يُهمَّش من دفعوا ثمناً باهظاً من أجل الكلمة والصورة، فإن الخلل يصبح أخلاقياً قبل أن يكون إدارياً.
ولهذا لم يكن غريباً أن تنتشر عبارات ساخرة مثل “حفلات حموزة والمؤثرين”، تعبيراً عن غضب مكتوم لدى كثيرين شعروا أن الوزارة لم ترَهم، ولم تسمعهم، ولم تعترف بما قدموه.
كما زادت بعض القرارات والوقائع المثيرة للجدل من حالة الاستياء، ومنها قضية الإفراج عن الإعلامية نور سليمان، التي رأى فيها ناشطون وإعلاميون خطوة مؤلمة ومربكة في سياق الحديث عن العدالة والذاكرة وكرامة الضحايا.
صفحة جديدة أمام خالد زعرور
اليوم، مع تكليف الدكتور خالد زعرور، تقف وزارة الإعلام أمام اختبار حقيقي. المطلوب ليس تغيير الاسم على باب المكتب، بل تغيير النهج. المطلوب أن تعود الوزارة إلى أهل المهنة، وأن تُفتح أمام الإعلاميين الذين حملوا همّ السوريين طويلاً، لا أمام الدوائر الضيقة والمجاملات.
أمام الوزير الجديد فرصة لإعادة بناء الثقة، وهي ثقة تضررت كثيراً. ولن تُستعاد بالشعارات، بل بخطوات واضحة: احترام الكفاءات، إشراك أصحاب الخبرة، إنصاف إعلاميي الثورة، وبناء إعلام عام يليق بسوريا الجديدة وبالناس الذين دفعوا أثماناً كبيرة من أجلها.
لقد انتهت مرحلة #حمزة_المصطفى إدارياً، ونأمل أن ينتهي معها منطق إدارة الإعلام بالعلاقات والولاءات. أما محمد يعقوب العمر، فيبقى اسمه حاضراً في الذاكرة بوصفه الرجل الذي رفع العلم أولاً، ووضع أساساً كان يمكن البناء عليه لو أُحسن حمل الأمانة.
كل التقدير للسيد محمد العمر، وكل التوفيق للدكتور خالد فواز زعرور في مهمة صعبة، لكنها ضرورية.



