تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
سوريامقالات الرأي

حين تتحول الهواتف إلى أقبية جديدة.. الثورة السورية واختبار الأخلاق

بدأت الثورة السورية رفضاً للظلم وانتهاك الحريات والكرامات، ودفع السوريون في سبيل ذلك أثماناً باهظة من دمائهم وأعمارهم وبيوتهم. لكن سقوط رأس النظام لا يعني بالضرورة سقوط الأساليب التي حكم بها؛ فقد يرحل الطاغية، بينما تبقى عقليته حاضرة في سلوك بعض الذين ادّعوا مواجهته.

والمفارقة المؤلمة اليوم أن سوريين خرجوا من أقبية المخابرات وكسروا حاجز الخوف من التقارير الأمنية، بات بعضهم يخشى هواتف الآخرين وما قد تحمله من محادثات مسرّبة، أو صور خاصة، أو تسجيلات تُستخدم للتشهير والابتزاز وتصفية الحسابات.

لقد تبدلت الأدوات، لكن جوهر الانتهاك بقي واحداً: حلّ الهاتف مكان التقرير الأمني، وحلّ البث المباشر مكان جلسة التحقيق، وانتقلت محاولات الإذلال من الغرف المغلقة إلى منصات التواصل الاجتماعي.

الخلاف السياسي والفكري حق، والانتقاد ضرورة، والمحاسبة أساس لبناء دولة القانون. لكن نشر المحادثات الخاصة، واختراق الحسابات، وكشف أسرار البيوت، والزج بالزوجات والأخوات والبنات في الخصومات، لا يدخل في باب النقد أو كشف الفساد.

من يملك دليلاً على فساد أو جريمة، فعليه تقديمه إلى الجهات المختصة والمطالبة بتحقيق شفاف ومحاكمة عادلة. أما تحويل خصوصيات الناس إلى مادة للابتزاز أو التسلية وجمع المشاهدات، فهو انتهاك لا يصبح مشروعاً لأن مرتكبه يرفع علم الثورة أو يقدّم نفسه بوصفه واحداً من أبنائها.

حتى المجرم يُحاسب على جريمته، ولا تُعاقب عائلته بذنبه. ومن يختلف مع شخص لا يملك حق اقتحام حياته الخاصة أو المساس بكرامة أفراد أسرته الذين لا علاقة لهم بالخلاف.

وعندما يعجز أحدهم عن مواجهة خصمه بالحجة، فيلجأ إلى اختراق حسابه أو نشر أسراره، فإنه لا ينتصر عليه، بل يعلن إفلاسه الأخلاقي. وعندما يتحول ستر البيوت إلى سلعة تُباع لقاء المال أو الشهرة أو النفوذ، تصبح القضية أكبر من خلاف بين شخصين؛ إذ تمس القيم التي يُفترض أن يقوم عليها المجتمع الجديد.

وتظهر إلى جانب التشهير ظاهرة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في استغلال الصور والعلاقات مع المسؤولين لتخويف الناس أو الضغط عليهم. يتصرف بعضهم وكأن صورة مع مسؤول تمنحه سلطة فوق القانون، أو حقاً في تهديد الآخرين واستغلال حاجتهم.

لكن المسؤول ليس ملكاً لأحد، والدولة ليست إرثاً عائلياً، والمواطنون ليسوا تابعين لأصحاب العلاقات. وإذا تحولت الصلة بمسؤول إلى وسيلة للابتزاز والإذلال، فإننا نكون أمام إعادة إنتاج لثقافة الواسطة والاستقواء التي ثار السوريون عليها.

الدولة التي يسعى السوريون إلى بنائها يجب أن تُخضع الجميع للقانون، سواء كانوا مسؤولين أم مقربين منهم، وسواء رفعوا علم الثورة أم لم يرفعوه. فالشرعية الثورية لا تمنح حصانة أخلاقية أو قضائية، ومن يسرق باسم الثورة يبقى سارقاً، ومن يبتز باسمها يبقى مبتزاً، ومن يستخدم نفوذه لتهديد الناس تجب مساءلته إذا ثبتت مسؤوليته.

يصعب النظر إلى مشاهد التشهير والابتزاز من دون تذكّر من دفعوا ثمن الثورة الحقيقي. هناك أم شهيد ما تزال تنتظر ابنها عند كل باب، ومعتقل خسر سنوات عمره في الظلام، وعائلة تنتظر خبراً عن مفقود، وطفل كبر من دون أبيه، وامرأة سورية دفعت من حريتها وكرامتها ثمناً لموقفها.

كيف يمكن تبرير تحويل أعراض الناس وخصوصيات العائلات إلى مادة للتسلية أمام كل هذه التضحيات؟ وكيف يمكن لمن يتاجر بفضيحة أو يصفق لهتك ستر بيت أن يتحدث باسم الشهداء والحرية والكرامة؟

لم يضحِّ السوريون كي يتنافس بعض المحسوبين على الثورة على مَن يفضح خصمه بصورة أسرع، أو مَن يجمع مشاهدات أكثر على حساب آلام الآخرين. ولم يكسروا حاجز الخوف من المخابرات كي يعيشوا خوفاً جديداً من الهواتف والاختراقات والتسجيلات.

إذا أصبحت أدوات القهر مقبولة لمجرد أن مستخدمها يصف نفسه بأنه «حر»، فإننا نكون قد غيّرنا شكل الجلاد وأبقينا أساليبه.

ولا تقع المسؤولية على من ينشر أو يهدد وحده، بل تشمل أيضاً من يشارك المحتوى، أو يضحك عليه، أو يبرره لأن الضحية خصم لا يحبه. فكل مشاركة توسّع الضرر، وكل تعليق ساخر قد يضاعف وجع أسرة كاملة، وكل تبرير يفتح الباب أمام انتهاك جديد.

ومن يفرح اليوم بكشف خصوصيات خصمه، عليه ألا يستغرب إذا تحولت خصوصية بيته غداً إلى لعبة في أيدي الآخرين. فحرمة الحياة الخاصة لا تتغير بحسب موقفنا من الضحية، والكرامة حق للجميع، بمن فيهم من نختلف معهم.

وقبل الضغط على زر النشر، يجب التفكير في أن وراء الشخص المستهدف أماً قد ينكسر قلبها، أو أطفالاً لا ذنب لهم، أو عائلة ستدفع ثمن خصومة لا علاقة لها بها. وما لا يرضاه الإنسان لأمه أو أخته أو زوجته أو ابنته، لا يجوز أن يرضاه لعائلات الآخرين.

والمشكلة لا تتوقف عند حاضرنا، بل تمتد إلى الأجيال المقبلة. فالطفل الذي يرى الكبار يضحكون على أعراض الناس، أو يتباهون بالتهديد والواسطة، سيتعلم أن القوة تعني الفضيحة وأن النفوذ يعلو على القانون.

كيف يمكن أن نعلّم أبناءنا معنى الكرامة ونحن نتسلى بانتهاك كرامة الآخرين؟ وكيف نطالبهم باحترام الخصوصية بينما تنتشر المحادثات والصور الخاصة أمام أعينهم؟ وكيف نبني جيلاً يؤمن بالعدالة إذا رأى أن الخصومات تُحسم بالتشهير والابتزاز؟

سوريا التي أنهكتها الحرب والفقر والتهجير والفقدان لديها ما يكفي من الجروح. أمامها ملفات المعتقلين والمفقودين، وحقوق الضحايا، والفساد، وإعادة بناء المؤسسات وتحقيق العدالة. ومن المؤلم أن تتحول طاقة بعض السوريين، وسط كل هذه القضايا، إلى ملاحقة فضائح بعضهم بعضاً.

لا يجوز رفع علم الثورة بالتزامن مع انتهاك كرامة إنسان، ولا الحديث عن الحرية أثناء اقتحام خصوصيات الآخرين. الثورة ليست صورة تُنشر، ولا شعاراً يُردد، ولا علاقة بمسؤول تُستخدم لتخويف الناس.

الثورة أخلاق قبل أن تكون شعارات، ومبادئ قبل أن تكون مناصب، وعدالة قبل أن تكون سلطة. والعدالة التي تستحق اسمها يجب أن تشمل الجميع، لا أن تقتصر على من نحبهم أو نتفق معهم.

نحن لم نثر على جلاد كي نصبح جلادين على بعضنا، ولم نكسر حاجز الخوف من أجهزة المخابرات كي نخاف هواتف بعضنا. وإذا ورثنا أساليب النظام في التجسس والتشهير والابتزاز والاستقواء على الضعفاء، فلن نكون قد تخلصنا من الاستبداد، بل نقلناه إلى أدوات ومساحات جديدة.

من نشر فضيحة عليه أن يتوقف، ومن ظلم إنساناً عليه أن يعتذر، ومن ابتز شخصاً عليه أن يرد الحق إلى صاحبه، ومن شارك في هتك ستر بيت عليه أن يراجع نفسه. فالثورة لا تحتاج إلى أبطال فضائح ومخبرين جدد، بل إلى أصحاب ضمير يحفظون كرامة الناس حتى في أشد لحظات الخلاف.

ليس كل من حمل علم الثورة ثائراً، ولا كل من تحدث باسم الشهداء وفياً لدمائهم. الثائر الحقيقي يُعرف بسلوكه حين يختلف، وبقدرته على مواجهة خصمه من دون أن يمس أسرته أو كرامته أو حياته الخاصة.

لقد هرب الطاغية، لكن الخطر يبقى قائماً ما دامت عقليته قابلة للحياة بيننا. وإذا انتصرنا عليه وخسرنا ضمائرنا، نكون قد ربحنا معركة وخسرنا معنى الثورة.

كانت «هي لله» صرخة شرف وكرامة. وواجبنا اليوم أن نحمي معناها، وأن نرفض تحويلها بأيدينا إلى غطاء للتشهير والابتزاز والإذلال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى